رحم الله «سلطان بن عبدالعزيز».. رحل وبقيت مؤسسته الخيرية شاهدة على صدق نواياه
11 يوليو 2014 - 14 رمضان 1435 هـ( 6216 زيارة ) .

مثلما كان صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز -رحمه الله- شاملاً في عطائه الوطني؛ فقد كانت ولا تزال مؤسسته الخيرية شاملة في أدائها متنوعة في خدماتها.

وعلى الرغم من اهتمامها المركّز بقضية الإعاقة وهموم المعوقين إلاّ أن برامجها وأنشطتها تنوعت بين الإسكان الخيري وتواصل الحضارات وبناء الإنسان أينما كان، ودعم البرامج الثقافية والتعليمية سواء على مستوى محلي أو عالمي، إلى جانب دعم برامج المنظمات العالمية التي تعمل من أجل خدمة الإنسان.

«الرياض» تحاور صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلطان بن عبدالعزيز أمين عام مؤسسة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الخيرية، تزامنا مع انعقاد مجلس الأمناء اليوم الخميس، وفيما يلي نص الحوار:

العمل الخيري

* سمو الأمير.. كيف تنظر إلى خارطة العمل الخيري المحلي وما تقييمك لأدائه؟

- العمل الخيري المحلي ليس جديداً على مجتمعنا الكريم بطبعه وسلوكياته فالمجتمع السعودي يمتلك من الخير الكثير ويقدم الكثير من العطاء الصادق الهادف لخدمة الإنسان.. وعندما نقول ذلك فإننا ندرك أن المجتمع الإسلامي منذ عمق التاريخ التزم فعل الخير وأكد عليه والعمل الخيري المحلي جهد بلغ سن الرشد وتحول من العمل الاجتهادي الفردي إلى العمل الاستراتيجي الجماعي المنظم المنطلق من أهداف ورؤى واضحة المعالم دقيقة التوجه؛ لذا يصبح الأداء في معظمه نافعا إيجابيا بحمد الله.. وإن كان من ملاحظة فهي التأكيد على أهمية التوسع في مسألة الوقف الخيري الذي يمكن أن تعتمد القطاعات الخيرية من خلال إيراداته للصرف على برامجها وأنشطتها والجهات الخيرية التي اعتمدت هذا الأسلوب نجحت بكفاءة وأصبحت برامجها واضحة دقيقة تتسم بالاستدامة والثبات.. من هنا أعتقد أن الوقف الخيري يعد مرتكزاً أساسياً لنجاح العمل الخيري وإهماله أو التكاسل في تنفيذه يعد في نظري خطأ كبيرا، كما أن التخصصية في أداء القطاع الخيري والتكاملية فيه أمر في غاية الأهمية.

احتياجات المعوقين

* سمو الأمير.. هل لنا في إلقاء الضوء على المساحة التي تحظى بها قضية الإعاقة واحتياجات المعوقين في اهتمامات وبرامج المؤسسة؟

- على مدى سنوات وقبل تأسيس المؤسسة أولى سمو سيدي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- قضية المعوقين أولوية خاصة في إطار اهتمامه ودعمه للعمل الخيري ورعايته لأصحاب الظروف الخاصة وتنوعت عطاءات سموه -غفر الله له- في هذا المجال ما بين الإسهام في إنشاء دور رعاية داخل وخارج المملكة ودعم المؤسسات والجمعيات العاملة في هذا المجال، وتبني مشروعات وقرارات تعنى بتلك الفئة وتوج ذلك بإنشاء المؤسسة التي ضمت صرحاً علاجياً تأهيلياً تفخر به المملكة هو مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية، والتي تعد واحدة من أكبر وأرقى المؤسسات التأهيلية المتخصصة التي حققت نجاحات غير مسبوقة في هذا المجال، وها هي المدينة تشهد توسعات متوالية لتلبية الاحتياجات المتزايدة للباحثين عن برامجها، حيث شهدت نقلة توسعية تتواكب مع مساحة الثقة التي تحتلها داخل وخارج المملكة وأيضاً حجم الإقبال المتصاعد على خدماتها، كما تم مؤخراً تدشين عدد من المرافق التطويرية بالمدينة كافتتاح المبنيين (7) و(8) التي تمثّل مباني التنويم لترتفع الطاقة الاستيعابية للمدينة بما يمكن من توفير الأسرة للمرضى بشكل أكبر، يضاف لذلك إنشاء مركز الأمير سلطان بن عبدالعزيز التخصصي للأطراف الصناعية، وهو خطوة متفرّدة لتوطين صناعة الأجهزة التعويضية المتطورة بالمملكة.

من الجميع

ومن جهة أخرى ساهمت المؤسسة في دعم الجمعيات الخيرية المعنية بخدمات الإعاقة وعلى رأسها جمعية الأطفال المعوقين ومركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة، وكذلك دعم المؤتمرات والملتقيات الخاصة بهذه القضية، وتشييد وبناء بعض مراكز المعوقين في الداخل والخارج، وكان أبرزها مركز التأهيل الشامل بحفر الباطن الذي شيدته المؤسسة وتم تجهيزه، ومن ثم تسليمه لوزارة الشؤون الاجتماعية، وكذلك مركز النطق والسمع بمملكة البحرين، كما عنيت المؤسسة بتعليم وتدريب وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وتبنت برنامجاً للمنح الدراسية الأكاديمية لخدمة مجالات تعليم وتأهيل الإعاقة بالتعاون مع جامعة الخليج العربي بالبحرين، ودعمت المؤسسة جهود المكتبة الناطقة التابعة لوزارة التربية والتعليم، من خلال عدة مجالات لعل أبرزها تمثل في تأمين برنامج «ديزي» العالمي الذي يعمل على تحويل الكتاب المقروء إلى منطوق؛ مما يمكن غير المبصرين من الإفادة من المعرفة وأن لا تكون الإعاقة البصرية حائلا أمام تحصليهم المعرفي والعلمي، كما يمكنهم الإفادة من البرنامج والتعامل معه من أي مكان في المجال، من خلال تقنيات الاتصال الحديث والشبكة المعلوماتية العالمية.

الرعاية الصحية

* منذ انطلاقة المؤسسة حظي الشأن الصحي بأولوية خاصة في اهتماماتها.. فما الذي قدمته في هذا المجال، إضافة إلى مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية التي سبق وأن أشرتم إليها؟

- ظل محور المساهمة في تطوير منظومة الرعاية الصحية في المملكة هاجساً له الأولوية في خطط واستراتيجيات المؤسسة أيضاً منذ نشأتها، وشمل ذلك العديد من المبادرات التي تبناها ورعى نشأتها سيدي الأمير سلطان –طيب الله ثراه–، ومن ذلك مركز الأمير سلطان لمعالجة أمراض وجراحة القلب بالخرج، حيث تم إنجازه واكتمال تأسيسه وفقاً لأرقى المعايير الطبية العالمية، وبلغت تكلفته أكثر من 30 مليون ريال، وأقيم داخل حرم مستشفى الملك خالد بمدينة الخرج وجارية الاستعدادات لتسليمه لوزارة الصحة، ويتأمل أن يكون بحول الله صرحاً طبياً يلبي حاجة حيوية في محافظة الخرج وكذلك مركز الأمير سلطان لمعالجة أمراض وجراحة القلب في الأحساء، حيث عملت المؤسسة على إنشاء وتجهيز هذا المركز داخل حرم مستشفى الملك فهد بالهفوف وسلمته لوزارة الصحة؛ ليكون إضافة للمستشفى وبلغت تكلفة إنشائه وتجهيزه (54.5) مليون ريال، كما اهتمت المؤسسة بدعم العديد من المشروعات الصحية الحكومية والخاصة، وقد تراوحت أشكال الدعم ما بين تحمّل تكاليف إنشاء مبان ووحدات تلك المشروعات أو توفير الأجهزة الطبية والعلاجية الحديثة أو تبني تجهيز وحدات جديدة في تلك المنشآت.

بتكلفة 400 مليون ريال

وقدمت المؤسسة دعماً متواصلاً للعديد من الجمعيات الخيرية المعنية بالشأن الصحي، مثل جمعية السرطان السعودية وغيرها من الجمعيات المهتمة بالشأن الصحي، ونظمت المؤسسة بالتعاون مع وزارة الصحة الملتقى الأول للقطاعات الصحية الخيرية بهدف تبادل الخبرات والرؤى وتطوير الخدمات المقدمة من تلك القطاعات من منطلق خيري.

التواصل الحضاري

* يندر أن تعنى مؤسسة خيرية بالتواصل الحضاري وتعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة من جهة، وخدمة اللغة العربية والثقافة الإسلامية من جهة أخرى.. لماذا عنيت المؤسسة بهذا التوجه؟ وماذا قدمت في هذا الخصوص؟

- كان للمؤسسة السبق في تجسير الفجوة بين الثقافات المختلفة وجهود التواصل الحضاري وإقامة حوار متزن وإيجابي مع الآخر، وذلك بما يسهم في تبادل الرؤى والإفادة مما حققه الآخر من نجاحات وقفزات في علوم مختلفة، وكذلك تصحيح الصورة الذهنية السلبية عن العرب والمسلمين، كما قادت المؤسسة جهداً فائقاً في خدمة اللغة العربية وخلال الفترة الماضية تميّز أداء المؤسسة على صعيد المشاركات والمؤتمرات وصناعة الأحداث.

وتبنت المؤسسة برنامجاً متكاملاً يتضمن إبرام اتفاقيات وعلاقات تعاون مع جامعات أمريكية وأوروبية وآسيوية ومنظمات ثقافية وإنسانية عالمية، ومن أبرز مجالات التعاون برنامج سلطان بن عبدالعزيز آل سعود للدراسات العربية والإسلامية (بيركلي– كاليفورنيا) الذي تحتضنه جامعة كاليفورنيا– بيركلي وهي واحدة من أكبر الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وأكثرها تنوعاً في جنسيات الطلاب، الأمر الذي ساهم في نشر اللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية بين طلاب الجامعة ومع الجامعات الأخرى ذات العلاقات الأكاديمية مع تلك الجامعة، وقد تمثّل نجاح المركز من خلال تأسيس وقف مناسب له يتم من خلال إيراداته الصرف على المركز وجهوده وبرامجه العلمية والحضارية، وما زال برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية بالتعاون مع المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) يؤدي دوره المميّز كأحد أهم جهود المؤسسة لدعم اللغة العربية في تعاملات المنظمات الدولية وترجمة المحتوى العربي لموقعها على الشبكة العالمية «الإنترنت»، إضافة إلى ترجمة الأبحاث والمؤلفات ومحاضر الجلسات والاجتماعات والتقارير الميدانية وتمويل برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية بمنظمة اليونسكو لإصدار النسخة العربية من مجموعة من الإصدارات الثقافية، يضاف لذلك برنامج التعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الأيسيسكو) الذي تضمن إيجاد قنوات للتعاون مع أكاديميات ومراكز بحثية وعلمية وثقافية عالمية وتلبية لحاجة المكتبة العربية إلى موسوعة عامة معاصرة تقف إلى جانب الموسوعات الأجنبية الكبرى؛ برزت فكرة إصدار موسوعة عربية عامة شاملة حيث تفضل الأمير سلطان -رحمه الله- بتبني هذا المشروع وتمويله لسد هذا النقص وليكون مرجعاً متكاملاً لمختلف المجالات المعرفية.

مسابقة القرآن

* قبل فترة قصيرة احتفت المؤسسة بالدورة السادسة لمسابقة الأمير سلطان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية على مستوى دول آسيان والباسفيك.. كيف ترون أهمية هذه المسابقة؟ وما تقييمكم لمخرجاتها بعد دورتها السادسة؟

- مسابقة الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود السنوية لحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية على مستوى دول آسيان والباسفيك تعد أحد أهم البرامج الثقافية التي تتبناها المؤسسة في إطار جهودها لنشر تعاليم الدين الصحيح وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الأواصر بين المسلمين في أرجاء العالم والمسابقة التي أسسها وتكفل بها سيدي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- تمثّل صورة رائدة من صور اهتمام المملكة بخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية وتجسيد التكامل بين جهود الدولة ومؤسسات العمل الخيري في هذا الصدد، ويعد تواصل المسابقة لسنوات مؤشراً على سمو أهدافها وتنامي حجم التفاعل مع رسالتها ونجاحها في الوصول إلى قاعدة عريضة من المسلمين في نحو عشرين دولة والكثير منا تابع حجم المشاركة الفاعلة في الدورة الأخيرة من ممثلين لتسع عشرة دولة، وهو دليل إيجابي على سمو الهدف وجودة التنظيم بحمد الله.


جائزة المياه

* سمو الأمير.. ننتقل من جائزة مسابقة القرآن الكريم الى جائزة عالمية أخرى لها أهميتها الحيوية في الظروف الراهنة هي جائزة الأمير سلطان بن عبدالعزيز العالمية للمياه.. نريد مزيدا من الضوء على تلك الجائزة؟

- اهتم الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بالإنسان وصحته وتعليمه وبيئته أينما كان، وفي هذا الإطار أسس سموه جائزة عالمية باسمه تقديراً وتشجيعاً للجهود التي تُبذل في حل مشاكل المياه، من خلال التقنيات والدراسات العلمية والابتكارات والأبحاث العلمية، وتأسست الجائزة عام 2002م وتمنح الجائزة كل عامين وتضم خمسة فروع خصص أحدها للإبداع وأربعة فروع أخرى متخصصة.

المسؤولية الاجتماعية

* تصديتم في المؤسسة لملف طال الحديث عنه يتمثل في «تطوير ودعم منظومة العمل الخيري».. ماذا تم في هذا الخصوص؟

- بالفعل هو ملف حيوي ويمثّل هاجساً لكافة المعنيين بالتنمية الاجتماعية والعمل الخيري في المملكة، وقد حظي هذا الملف بجهد فائق من المؤسسة وبالتعاون مع جهات عدة، ويمكننا القول اننا قطعنا شوطاً ملموساً فيه وخطت المؤسسة خطوات في طريق تطوير منظومة العمل الخيري وبناء شراكة بين القطاع الخاص ومؤسسات العمل الخيري، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وفي هذا الصدد تبنت المؤسسة فكرة تأسيس فريق وطني للمسؤولية الاجتماعية يضم ممثلي العديد من الجهات الخيرية والشركات التجارية والغرف التجارية يكون بمثابة هيئة مرجعية استشارية تسهم في ترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية، والعمل على إجراء دراسات ميدانية عن احتياجات المجتمع من الخدمات الحيوية ومشروعات التنمية المستدامة وبناء جسور من التواصل بين مؤسسات القطاع الخاص واحتياجات المجتمع، وتولي المؤسسة العمل المؤسسي أهمية قصوى، ولذا فقد قامت بدعم وتمويل العديد من الجمعيات والمراكز الخيرية منذ أن كونها فكرة وحتى تبدأ مهامها وتعمل على تحقيق أهدافها.

برنامج الإسكان

* سمو الأمير.. للمؤسسة فلسفة في استقرار الأسرة السعودية فما أبرز جهودكم في هذا المجال؟

- سيدي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- أولى هذا الموضوع عناية خاصة، ووجهنا دوماً بالاهتمام به، ولعل أهم أدوار المؤسسة في هذا الخصوص برنامج الإسكان الخيري الذي شمل معظم مناطق المملكة، والمتمثّل في تشييد مساكن مناسبة للأسرة السعودية وتأثيثها وتسليمها للمحتاجين، حيث تم صرف 400 مليون ريال على مكونات هذا البرنامج الذي شيّد 1246 وحدة سكنية موزعة على سبع مناطق ومدن في المملكة.