عادل بترجي :لجنة البر لم تتحزب فكرياً
30 يوليو 2010 - 18 شعبان 1431 هـ( 5130 زيارة ) .

لم يتغير الشيخ الدكتور عادل بترجي المدير التنفيذي السابق للجنة البر الإسلامية كثيرا، فما زال ـــ رغم كل الضربات التي تعرض لها العمل الإسلامي والجهادي والإغاثي ـــ ثابتا على مبادئه بعد أن غيرت قضية أفغانستان نظرته للحياة، ليتحول رجل الأعمال والاتصالات من رقم صعب على لائحة الأغنياء إلى جابر لعثرات الضعفاء والمساكين من أبناء العالم الإسلامي، فاكتوى صابرا بنار الإحباط وخيبة الأمل وتلفيق التهم وتجميد الأموال والمنع من السفر التي طاردته في كل لحظة. التقيته بعد أن اشتعل رأسه شيبا لأستعيد معه تفاصيل أوراق متناثرة لم يتم توثيقها بعد، لمرحلة كان فيها شاهد عيان على سقوط كابل وانكسار شوكة المجاهدين.
وصف انسحابه من هيئة الإغاثة الإسلامية وتأسيسه للجنة البر بأنه تكتيك لترتيب الأولويات، وقال بصراحة متناهية: أصبت بخيبة أمل بعد أكثر من عقد من العمل مع المجاهدين، بسبب الانحياز الحزبي وتضحية حكمتيار ومسعود بثمرة الجهاد من أجل كرسي الحكم، فقررت أن أنسحب.
بترجي شدد على خطورة ظاهرة التكفير التي شهدتها مدينة بيشاور ونتائجها الوخيمة على المسلمين بماحدث في الحادي عشر من سبتمبر. الرجل الستيني الذي يظن الكثيرون أنه ولد ولم يعرف حديث المعاناة في حياته، وضع النقاط على حروف نشأته في حارة الشام قائلا:


لا تصدق أنني ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب، فالوالد كان مستور الحال وتزوج مع أخويه عبدالرؤوف وحسن الذين كانوا يسكنون في بيت واحد في ليلة واحدة، فرزقهم الله خمسة من الأبناء في سن متقاربة، فربينا مع بعض في بيت واحد بدءا من أخي الأكبر عبد المجيد ثم عبد العزيز ابن عمي عبد الرؤوف ثم عبد الإله ابن عمي حسن ثم أنا وشاهر.
درسنا في مدرسة الفلاح التي كان يدخلها الفقير والغني وكان ذهابنا إلى القاهرة بعد السنة الثالثة لدراسة اللغة الإنجليزية في مدرسة داخلية عام 1950م نقطة تحول جيدة في فهمنا للغة فاستفدنا كثيرا منها، وعندما عدنا من مصر أكملنا دراستنا في المدرسة النموذجية التي افتتحت في القصور السبعة التي منحها الملك سعود لوزارة المعارف، وظللنا أنا وعبد المجيد نعمل مع الوالد في صيدليته من العصر إلى العشاء، وفي الصيف حيث يرتاح الوالد من العمل كنا نتسابق على أخذ مفتاح الدكان وتنظيفه وإدارته، وكنت قادرا منذ الصغر على قراءة الروشتة وصرف الدواء للمرضى وإعطاء الحقن، ولكن كل هذه المقدمات لم تقنعني بتغيير ولعي بالكيمياء والرياضيات وحب القراءة، فاحتفظت لنفسي بـ«لمبة» خاصة أقوم بإضاءتها في الغرفة الوحيدة التي كنت أنام فيها مع إخوتي وهم خمسة أولاد وبنتان. وعلى عكس الكثير من المتأثرين بخطب عبد الناصر فلم تحرك في ساكنا، وكانت تستمر لمدة ساعتين أو ثلاث تقريبا خصوصا في حرب السويس، مثله في هذا أم كلثوم التي كانت تخلو الشوارع من المارة إذا أحيت إحدى حفلاتها. بدأت في هذه السن أعي القضايا السياسية الموجودة في الساحة من خلال قراءة المجلات والصحف المصرية التي كان يأتي بها الوالد للمنزل، فتقرأ من الغلاف للغلاف إضافة لقصص سمير وميكي وغيرها، ثم بدأت ثقافتي تتأثر في المرحلة الثانوية بكتب المنفلوطي وطه حسين، وتلا ذلك تعرفي على الثقافة الأجنبية في أمريكا فاستفدت كثيرا من مكتباتها ووسائلها وإن كان المجتمع لم يستهوني كثيرا ولم أتحمل البقاء فيه، فعدت بمجرد انتهاء دراستي للجامعة، فذهبت إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والتحقت بها معيدا وخططت لإكمال الماجستير والدكتوراة ثم العودة للجامعة مدرسا، ولكنني وجدت أن الجانب المادي ضعيف جدا في سلك التعليم فقد كنت أستلم معيدا 1400 ريال، ولم تكن كافية مع أني كنت أعزب وليس لدي مسؤوليات تجاه الوالدين، فعندها فكرت في الموضوع فقررت التغيير فعملت في أرامكو أربع سنوات في مجال معالجة المعلومات، وكان الكمبيوتر في تلك الأيام صيحة فأسست شركة في الكمبيوتر نجحت نجاحا كبيرا ووفقت فيها وبعتها بعد سنوات وعدت إلى التعليم مرة أخرى، وأنا أؤمن بالتغيير وبأن على الإنسان ألا يبقى على خط واحد باستمرار إذا وجد الفرصة المناسبة.

• ولهذا اتجهت إلى الاستثمار في التعليم؟
ـــ من خلال التجربة وجدت النتائج في الجيل الذي يقود عملية التغيير، فعندما تنظر لقادة الأفغان والبوسنة وتركيا والسودان أو أية منطقة عربية أو إسلامية، كان مؤملا أن يحدث فيها تغيير إيجابي لصالح شعبها والأمة عموما، تجد أن السبب يعود لسوء التعليم والتربية. ولم يقتتل الأفغان إلا لأنهم لم يربوا على أسس صحيحة. والحقيقة أن مخرجات التعليم في بلاد المسلمين ضعيفة، وإذا كان الأمريكان يعترفون بأنهم يعلمون في القرن الواحد والعشرين ولكن بوسائل القرن الثامن عشر فماذا نقول نحن عن أنفسنا!.

• دخلت إلى العمل الإسلامي عبر هيئة الإغاثة لكنك لم تستمر فيها سوى عدة أشهر، فلماذا تركتها وقررت إنشاء لجنة البر الإسلامية؟
ـــ هيئة الإغاثة كرافد من روافد العمل الإسلامي كانت حجرة في أحد ممرات رابطة العالم الإسلامي ولا أحد عنده اهتمام بها، وكانت تستخدم على الورق لمن يريد أن يشحن مساعدات إلى أفريقيا أو آسيا فيستخدم اسم الهيئة بحكم أنها شيء مسجل ورسمي، وعندما ظهرت قضية أفغانستان وأصبحت موضع اهتمام من العامة في المملكة، كان لا بد من وجود جهاز ينظم هذه المسائل ويجد الناس مكانا يذهبون إليه ليقدموا من خلاله دعمهم للقضية، فكان من المناسب أن تخرج الهيئة من الصندوق الذي كانت فيه وتوضع في الواجهة، وكانت قضية المسلمين الأولى في تلك الفترة هي أفغانستان والحالة السيئة التي عكستها زيارات الميدانيين لمناطق المخيمات في باكستان، وأصبح نوع من الهم عند المهتمين بهذه المسائل بكيفية تقديم مساعدات منظمة ومرتبة لهؤلاء المساكين، وفي داخل الهيئة كانت قضايا المسلمين كثيرة في بورما والفلبين وأفريقيا، فكان لا بد أن يكون في داخل الهيئة مكاتب أو لجان تهتم بمثل هذه المناطق، فوجدت لجنة جنوب شرق آسيا ولجنة أفغانستان ولجنة أفريقيا، فكانت وجهات النظر متباينة حول الوزن وأي هذه القضايا تأخذ الأولوية، فرأى مجلس الهيئة أن يكون هناك توازن بين القضايا المختلفة وأن المال الذي يجمع يصبح مثل المال المشاع، بينما تعاطف العامة من الناس مع أفغانستان فإذا جمع شيء باسم هذه القضية فكيف يمكن أن يذهب لقضايا أخرى؟، فاختلفت معهم في وزن قضية أفغانستان ووجدت أن المجال واسع ومفتوح لكي نعمل وفق رؤيتنا، ولم تكن هناك حدود أو مواقف رسمية للعمل ووجود قنوات جديدة، وهذا ما حصل فيما بعد مع لجنة البر الإسلامية.

• وانضممتم إلى الندوة العالمية كغطاء لعملكم؟
ـــ اللجنة وجدت قبل الانضمام للندوة وبدأناها على أساس أنها مجهود فردي كجزئية من مسؤوليتي كرجل أعمال من باب إبراء ذمتي أمام الله تجاه إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، فكانت لجنة البر التي اختار اسمها مازن باحارث أحد أضلاع المثلث الذي بدأ العمل في الهيئة، بالإضافة إلى ابن عمي شاهر بترجي وبعض الإخوة المتطوعين بجزء من وقتهم، وسميت لجنة لأن العاملين فيها عدد محدود من الأشخاص اجتمعوا على خير فظل الاسم ملتصقا بها.

• لكنها اشتهرت في الساحة أكثر من الندوة.
ـــ هذا الأمر كان جزءا من المشاكل التي واجهناها.

• كنت قريبا من صناع القرار طيلة فترة عملك مع اللجنة، خصوصا ما حدث في منطقة سورخاب التي ضربت في مقتل كل تضحيات الشعب الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي، فكيف تصفها كشاهد عيان؟
ـــ أيام سورخاب إن كانت تعبر عن شيء فهي تعبر عن مستوى الخلاف الذي وصل إليه المجاهدون، وكان الأمل أن ينسى فيها أي خلاف حتى يجتمع الجميع على آلية واحدة وتوجه واحد، بحيث يتمخض عن جهاد أكثر من عقد من الزمن شيء يستفيد منه الشعب الذي ضحى بكل ما عنده من أرواح وأبناء وممتلكات وأموال بل وحتى مستقبل، فتوقعنا أن قادة المجاهدين سيجتمعون على شيء ولو مؤقتا لكي يصلوا إلى هذه النتيجة، ثم يحاولون أن يجدوا حلولا للخلافات المتأصلة والعميقة بينهم، لكن الحقيقة أنه لم تكن هناك فائدة بالرغم من الجهود والوساطات والمحاولات التي بذلت في اللحظات الأخيرة لجعل المجاهدين يجتمعون على كلمة واحدة في لحظات قطف الثمار، والصورة تتضح أمامك وأنت تجلس في مركز قيادة لزعيم حزب يقود أكبر مجموعة من المجاهدين، وزعيم آخر قادم من الشمال لنفس الهدف وكلاهما ينتمي لنفس الملة ومن نفس البلد.

• هل كانت المشكلة أنهما من عرقين مختلفين فقط؟
ـــ هذه أحد أجزاء المشكلة، فغالبية الحزب الإسلامي من قبيلة البشتون من وسط وجنوبي أفغانستان، فيما الحزب الإسلامي التابع لرباني غالبية أتباعه من الطاجيك والأوزبك في الشمال، ولعبت الأعراق دورا مهما في المواجهة بين الطرفين.

• لكن هذه الصدامات ظهرت أعراضها مبكرا قبل سقوط كابل، فلماذا لم تعالجوها؟
ـــ بالتأكيد كانت معروفة لنا ولكن لم يعلم بها العامة كثيرا، وبذلت المحاولات في ساعات طوال لتخفيف الحدة بين الطرفين ووقف الاقتتال الذي حصل في مواقع كثيرة وقتلت فيه أعداد كبيرة من مجاهدي الطرفين، ولكنني توقعت في اللحظات
الأخيرة قبل سقوط كابل أن يتحكم العقل وتطغى الأهداف العامة على المسائل الشخصية، وينظر القادة لمصلحة البلد والشعب الذي ضحى بالكثير من أجل هذه اللحظة ويتفقوا على شيء، ولكن لم يحدث أي تحرك إيجابي لا من حكمتيار ولا من مسعود.

• ما دمتم شعرتم بخيبة الأمل قبل دخول الطرفين إلى كابل، فلماذا لم تحذروا المسلمين من هذا الوضع؟
ـــ لا تشعر بخيبة الأمل في لحظات النصر والاستعداد لدخول كابل، فالسيارات كانت مجهزة في صباح ذلك اليوم وتم تنظيفها ورفعت عليها الأعلام وكنا على بعد خمسة كيلو مترات من كابل، فهذه النشوة تنسيك ما يمكن أن يحدث، ولم نشعر بإمكانية حدوث مشكلة كبيرة إلا عندما جاء اتصال من بيشاور من بعض قادة العمل الإسلامي كالشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) والشيخ محمد قطب والدكتور الزبير، وكنت أسمع كل شيء عبر اللا سلكي.

• قيل وقتها إنهم شددوا على حكمتيار كثيرا خصوصا الشيخ محمد قطب، وطالبوه بالتنازل عن بعض مواقفه درءا للفتنة؟
ـــ لا تستطيع أن تقول إن السبب هو حكمتيار أو مسعود، ولكن الإنصاف في رأيي أن السبب من الاثنين، ولو حصل أي نوع من التراضي من أي واحد منهما لأجبر الآخر على أن يعطي تنازلا، ولكن الاثنين تمسكا بمواقفهما، وكل واحد منهما ظن أن كابل قد أصبحت في يده، فلماذا يعطي جزءا منها للآخر.

• لكننا سمعنا الشيخ عبد الله عزام يقوم بجولات تجميلية لواقع المجاهدين، رغم علمه بتصاعد الخلاف بين حكمتيار ومسعود؟
ـــ الشيخ عبد الله (رحمه الله) كان حريصا على ألا تبحث القضايا الخاصة في المحافل العامة، لأنها تشغل الناس بدون نتيجة وتشتت الصف بلا فائدة، وظل عنده أمل كبير على الدوام أنه سيصل إلى نتيجة مع القادة الكبار، ونحن أيضا كنا نؤمل ذلك.

• من دخل كابل أولا؟
ـــ هناك روايتان للدخول؛ فواحدة تقول إن جماعة حكمتيار دخلوا أولا من الجنوب وإن كابل سلمت لهم تسليما وليس فتحا بالمعنى العسكري الحقيقي، ورواية ثانية تقول إن قوات مسعود دخلت أولا من الشمال، وقد تكون الروايتان صحيحتان.

• لكنك كتبت في كتاب الفتح والهزيمة أن مجموعة حكمتيار دخلت أولا.
ـــ لأنني كنت حاضرا الحدث من زاوية الجنوب.

• ألم يغضب ذلك رباني ومسعود؟
ـــ اعترضا علي اعتراضا شديدا، ووقتها رتبا لي زيارة وأخبراني أن معلوماتي خاطئة، فقلت لهما إنني أكتب من الزاوية التي رأيتها في حضور هذا الحدث المهم فوثقته حسب ما رأيت لكي لا ينسى، فإن وجدت زاوية أخرى لم أشاهدها لعدم وجودي في ذلك المكان فمن المناسب أن يكتبها أحد.
والحقيقة أن هذا الموضوع نسي ولكن بقي أمر غريب في أحداث اليوم الأول لدخول رجال حكمتيار إلى كابل، فعندما جاء المساء توقعنا أن يحدث شيء من الترتيب والمتابعة لكننا فوجئنا ليلا بإقفال جميع أجهزة اللا سلكي ونوم كل المجاهدين تقريبا، وكان بإمكان أي طرف ثالث لو علم بالأمر أن يقلب الموازين من الليلة الأولى.

• لم يعلم بها مسعود تحديدا؟
ـــ أغلب قواته دخلت كابل في المساء، ولكن من صبيحة اليوم الثاني بدأت المواجهة بين الطرفين والتنازع المعلن فانفضح الأمر أمام العالم كله ولم يعد بالإمكان مداراة ذلك.

• هل شعرت لحظتها بالإحباط والندم على ضياع جهود المسلمين في دعم المجاهدين؟
ـــ ومن أنا في مقابل ما قدمه المجاهدون والشعب الأفغاني من تضحيات، صدقني لم أندم على شيء في أفغانستان برغم كل ما حدث؛ لأن هذه البلاد غيرت مجرى حياتي وكانت نقطة تحول منذ أن شاهدت صورة طفل محروق بقنابل النابالم الروسية، فكانت اللحظة التي أيقظتني لأقوم بمسؤوليتي تجاه إخواني المسلمين وأصبح من الصعب علي أن أنام هانئا منذ ذلك اليوم، فأفغانستان لها أفضال علي، ولكنني كأي مسلم غيور على دينه أصبت بخيبة أمل فبعد المعاناة والتضحيات الكثيرة ليس من جانبي فقط، بل من جانب المسلمين الذين ضحوا سواء على مستوى الأفراد والدول والمؤسسات فذهب كل عملهم بلا نتيجة، وكان الأكثر ضررا هم الأفغان البسطاء من أرباب العائلات الذين عاشوا في مخيمات باكستان وصبروا 12 عاما لكي يرجعوا إلى بيوتهم وقراهم وعادوا فلم يجدوا شيئا يعيلون به أنفسهم وأهلهم فلا تعليم ولا عيشة كريمة فهؤلاء كانوا أكثر إصابة مني، وخرجت جميع الأطراف الأخرى في القضية كلها وبقي حكمتيار ومسعود ورجالهما في كابل يتقاتلون فأصاب المدينة في السنة الأولى ما لم يصبها في السنوات الـ12 السابقة من الدمار والقتل.

• الغريب أن بقية قادة الجهاد استسلموا للواقع واكتفوا بالفرجة على المشهد دون أي موقف.
ـــ جزء من الشخصية المركبة في الإنسان الأفغاني صعوبة المراس، ولكي يحيد أحدهم عن رأيه فهذه عملية تكاد تكون مستحيلة، ومهمة أي صاحب مسؤولية من القادة عسيرة ولا يحسد عليها وأنت أمام اثنين في سن متقاربة والتنافس بينهما قديم وقوتهما العسكرية هائلة وكبيرة، سواء في حجم السلاح والذخيرة أو الأشخاص الذين لديهم استعداد أن يضحوا بكل شيء في سبيل هذه القضية بالذات، وزد على ذلك أن الطاعة بين أفراد أحزاب المجاهدين لا أقول مطلقة ولكن القادة ربوا المجاهدين على قضية الوصول إلى كابل والانتماء للحزب والولاء للشخص الموجود في السلطة، والدليل على ذلك أن الذي يعطي الدروس في الحزب الإسلامي حكمتيار نفسه، فهو أمام مجاهديه رمز قوة ووطن وشعب وقبيلة وهذا الرمز من الصعب الخروج عليه، ولذلك تعب وفشل كل من حاول التدخل لمعالجة أي من القضايا الشائكة.

• ألم تحاول من جهتك الضغط على حكمتيار لتقديم تنازلات؟
ـــ المجاهدون لا يعطونك جوابا قاطعا بنعم أو بلا، وإنما يتركونك تحاول فيما هم يبيتون النية على ما في رؤوسهم، وقد بذلت محاولة للإصلاح بين الاثنين بطريقة غير مباشرة لعدم معرفتي بمسعود، عن طريق قاضي حسين أحمد رئيس الجماعة الإسلامية في الباكستان، وسافرت إلى لاهور وشرحت له الوضع كما رأيته وكيف يمكن أن يتدخل لكننا وجدنا نفس النتيجة، فأنت قد تضغط على جهة لكن من يضغط على الطرف الآخر؟، والكل ينتظر الطرف الآخر ليقوم بالخطوة الأولى لعدم وجود استعداد لدى الطرفين للمبادرة، فعندما وجدت أن الأمور تتطور للأسوأ وأن الدين لا يخدم وألا أحد يسمع النداء وينظر للمصلحة العامة وأن الصراع أصبح على الكرسي، فلم يعد هناك عقل يؤيد البقاء في ظل هذه الأوضاع، ولا شرع يفتي بخلاف ذلك، فانسحبت وكذلك فعل كل من كان يخدم القضية.

• هل ما زلت على علاقتك بقادة الجهاد؟
ـــ لم تتوافر طريقة للالتقاء حتى الآن، ما عدا حكمتيار فقد التقيته منذ سبع سنوات عندما جاء للحج.

• هل فوجئت بالمصير الذي وصل إليه حكمتيار ليكون لاجئا في إيران؟
ـــ وماذا تتوقع أن يفعل؟، ليس أمامه خيار خصوصا أنه شخص مطلوب ومستهدف.

• وأين دور علماء المسلمين في هذه اللحظات العصيبة؟
ـــ كل الساحة كانت متروكة للعمل الفردي، ودور علماء المسلمين ظل فرديا أيضا، وهو من الأخطاء التي تعلمنا منها، فكان عمل المؤسسات الإغاثية كهيئة الإغاثة واللجنة منظما في الساحة، بعد أن كانت بدايتهما بالعمل الفردي البحت.

• لماذا لم توثق القضية بشكل علمي في ظل اهتمامك بها كشاهد عيان، وقد كانت لك محاولات سابقة في تلك الفترة؟
ـــ التوثيق يحتاج إلى وقت وجهد وعمل منظم، ولم يكن الوقت متاحا بالنسبة لي. وأنا أحب التوثيق، لكن لتوثق تاريخ قضية مثل أفغانستان فأنت تحتاج لفريق وتفرغ. والحقيقة أنني في مرحلة الجهاد تركت عملي وبيتي وأهلي لأكثر من خمس سنوات، والاستمرار في توثيق القضية يحتاج لسنتين أو أكثر، ولم يكن وضعي الشخصي يحتمل البعد أكثر مما كان، فعدت لأهتم بمسائلي الخاصة. ولكنني أتمنى أن توثق هذه القضية قبل أن يرحل شخوصها وتنسى، وقد حاولت أن استحث كثيرا من الزملاء على ذلك، وقد تم جزء من هذا الأمر من خلال رصد كل ما كتبه أو قاله عبد الله عزام في شريط مسموع أو مرئي أو من خلال مجلة أو صحيفة، ووثق في أربعة مجلدات فيها معلومات عن جزء من تاريخ القضية، لكن حساسية قضية أفغانستان منعت دراسة الكثير من المسائل، كما منعت الأشخاص الذين يملكون المعلومات من إتاحتها للناس خوفا من التضييق والمتابعة، لكننا بحاجة لمركز دراسات يهتم بهذه القضايا المفصلية في تاريخ الأمة.

• ما أخطر الأمور التي واجهها الجهاد الأفغاني وكانت تحتاج إلى دراسة؟
ـــ قضايا كثيرة، لكن ظاهرة التكفير غير المسبوق الذي شهدته ساحة بيشاور هي ما لم يحدث في تاريخ الأمة كلها، وكنا نحاربها كفكر هدام ومنحرف، لكن لم ينبر أحد لدراستها كظاهرة واستخلاص النتائج منها. وأعتقد أنها لو درست منذ تلك الأيام لاستطعنا أن نمنع الكثير من الأحداث التي حصلت فيما بعد، ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أمر آخر كان يحتاج إلى دراسة من علماء الاجتماع والنفس وليس علماء الدين فقط، وهو كيفية اقتناع الشباب الصغار الذين لم تتجاوز أعمارهم الـ20 بهذه المسألة المعقدة في سن مبكرة، وهي من الأمور التي أثرت على أمننا وبلادنا واقتصادنا، ورغم هذا فالاهتمام بها اقتصر على الجانب الأمني والديني، مع أننا لو جردناها فلن نجد فيها دينا؛ لأن الدين يبني ولا يهدم، ورغم ذلك ما زال الاهتمام بها ضعيفا جدا.

• هل اكتشفتم أثناء عملكم في اللجنة أن استراتيجيتكم تحتاج إلى تغيير لتتناسب مع الواقع على الأرض؟
ـــ اللجنة أنشئت كمؤسسة إغاثية بحتة، ولم يكن لها فكر يسيرها، وهدفها واضح جدا، ولم نكن نعمل في الظلام، فكل شيء مكتوب ومعلن ومعروف.

• قيل إنها لجنة إخوانية؟
ـــ لم تكن كذلك، وكلها تهم ليس لها أساس، ولا أعرف أحدا من الإخوان ولم أحتك به، وأجد في هذا الموضوع حزبية ضيقة في ظل إسلامنا الواس. وأتساءل: لماذا نحزبه؟، واللجنة لم يكن لها فكر عدا أهدافها.

• البعض قال إن ذهابكم إلى السودان كانت مغامرة متهورة دفعتم ثمنها غاليا؟
ـــ أهدافنا لم تتغير، فالهدف في أفغانستان والبوسنة والسودان كان إغاثيا، ولكن يجمعها عامل مشترك؛ أنها مناطق قتال وليست مناطق سلم، واللجنة كانت تعمل فيها لأنها مناطق خطر وأشد تضررا، وقلة من يعمل فيها إغاثيا، أما إن بحثت عن الكوارث الطبيعية فبلدان المسلمين مليئة بها، وكثير من المؤسسات الإغاثية موجودة في هذه المناطق، ولاحظ أن الغرب لا يفرق بين مصطلح الجهاد والإرهاب عنوة، ليس من باب الجهل وإنما من منطلق أنه خلط يخدم مصالحهم، ولم يكن هناك إرهاب الا بعد 11 سبتمبر 2001م وفي ذلك العام توقف العمل في أفغانستان والبوسنة ثم توقف في السودان، ليس بسبب أخطاء حصلت وإنما لانتهاء الحدث نفسه وهو خدمة المتضررين من مناطق القتال وبانتهائه انتهي عمل اللجنة.

• وهل جازفتم في الدخول إلى البوسنة والهرسك أيضا؟
ـــ لم نجازف، بل بادرنا بأداء واجبنا بعد أن أصاب مسلمي البوسنة اضطهاد مسلح فجأة وأصبحوا في ملجأ ليس فيه شيء، ومن رأى أبناء البوسنة في بداية القضية لوجد فيهم أطفالا أوروبيين من حيث الشكل واللون والصحة، ومن شاهدهم بعد ثلاث سنوات من القتل والتدمير لوجد اللجوء في أعينهم والضعف في أجسادهم، وبحكم معرفتنا بالعمل في الساحة فإن ترك هؤلاء المسلمين سيؤدي إلى نتائج أسوأ فنحن نريد أن نمنع بقدر ما نستطيع أن يصلوا إلى هذه النتيجة وهذا ما فعلناه.

• ألم يستدع هذا الاهتمام المفاجئ ببلد أوروبي أن تكون هناك أخطاء؟
ـــ كل شيء كان موثقا بطريقة سليمة، وحساباتنا البنكية مرصودة، ومن ورائنا مراجع قانوني يراجع كل سنة، وفي نفس اللجنة توجد لجان داخلية للمراقبة والمتابعة ولجان ميدانية، وكل من دقق في عملنا لم يجد أي نوع من التجاوزات التي يجب ألا تتم، حتى رواتب الموظفين كانت بموجب كوادر مكتوبة وقرارات كأنك في شركة، وبحكم ممارستي للعمل التجاري نقلت كل تجربتي إلى اللجنة.

• هل عادت كل مكتسبات اللجنة إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامية؟
ـــ اللجنة كانت غنية ولها قبول طيب عند الناس، وظللنا إلى أن انتهت قضية أفغانستان نصرف من تبرعات الناس، ثم بدأنا بعدها في تأسيس أوقاف خاصة بها وكلها سلمت بشكل رسمي، وما يأتي من دخل حاليا يصب في صالح الندوة، وليس لدي أي علم بما يفعل الآن فأنا بعيد عن الساحة.

• والمكتب الذي افتتح في أمريكا باسم منظمة البر الدولية؟
ـــ تم إقفاله أيضا، وهذا المكتب كونته وذهبت إلى أمريكا وسجلته رسميا وأخذت له إعفاء من الضرائب، بحيث يعفى كل من يتبرع للمكتب من الضرائب بشكل كامل، وسلمته بعد ذلك لغيري بموجب إجراء رسمي سجل قانونيا عن طريق أحد مكاتب المحاماة هناك.

• بصراحة؛ هل كانت تجربتك في العمل الجهادي والإغاثي مع اللجنة إيجابية أم سلبية بكل أفراحها وأتراحها؟
ـــ أنا لا أنظر إلى التجارب من باب الفشل في الحياة وإنما أتعامل معها كتجارب يبنى عليها، والموضوع ليس أفغانستان فقط وإلا لهان الأمر، ولكن أنظر إلى قضايا المسلمين الكبيرة التي كان يمكن أن تفرز شيئا للعالم الإسلامي، فأفغانستان واحدة، والبوسنة الثانية، وتركيا وما حدث فيها من محاولات للحكم من الأحزاب الإسلامية، وكيف استفادوا من تجارب 30 سنة سابقة حاول فيها المسلمون بلغة قديمة أن يمسكوا العصا بالعرض ففشلوا، فيما نجحت قيادات الأحزاب التركية الإسلامية في مسايسة العالم بلغة وفكر حديث. ونحن نريد أن نفعل هذا النوع من الدعوة حتى نستطيع أن نصل إلى الناس، والآن حمل القلم وإنشاء موقع على الإنترنت أكثر جدوى من حمل البندقية، فلا بد أن نستخدم وسائل تتناسب مع العصر.

• هل كانت رؤيتك تشاؤمية لموضوع الصراع على المياه في كتابك (المياه .. حرب المستقبل)؟
ـــ إطلاقا كانت رؤيتي واقعية وقراءاتي سليمة. ألا ترى ما يحدث في تركيا وحجب المياه عن سوريا الآن، صحيح أن الحديث قد لايكون عن حرب عسكرية بقدر ماهو صراع على المياه يحصل في كل مكان، والآن هناك أزمة ما بين دول حوض النيل، والنار تحت الرماد والمؤجج الحقيقي لها إسرائيل، وقارن بين استهلاك الفرد الإسرائيلي والفلسطيني فلا تجد مقارنة، ومع ذلك فإسرائيل تحتفظ بالأماكن في الضفة الغربية من أجل المياه، وفي جنوب لبنان استنفدت كل مياه نهر العاصي ولم يبق منه شيء، وكل حرب 1967م كانت من أجل المياه وعندما سيطرت إسرائيل على مواقعها في الجولان والسويس انتهت الحرب بالنسبة لها في الهجمة الأولى، وكل مؤتمرات المياه التي تحدث الآن تعيد وتكرر ما يحدث وتحتاج إلى حلول جذرية وتنظيم، لا أن يتم التقنين باتفاقيات ثنائية، فيما الدول القوية تهيمن وتسيطر.

• تحدثت أيضا في كتاب المواجهة بين الشمال والجنوب عن حاجة حضارة الإسلام لدولة تحتضنها وأنها غير موجودة على أرض الواقع، ما متطلبات هذه الدولة في رأيك؟
ـــ الإسلام الآن يحتضن دينا لا حضارة، والإسلام ليس دينا فقط، وإنما الدين جزء من مكونات الحضارة، وأية حضارة ليس فيها معتقد تموت، ولذلك انتهت كثير من الحضارات بسبب عدم وجود المعتقد، والذي يبقى مع الناس هو المعتقد. وفي الإسلام معتقد لا يغلب هو التوحيد، لكن لكي يبقى جوهر المعتقد متقدا، فلا بد أن تكون الحضارة من حوله، ولاحظ أن الدين انتشر في الشرق والغرب بالبعد الحضاري وهو الذي احتوى سكان تلك البلاد، وأعتقد أن المملكة الدولة المؤهلة لهذا الاحتواء الحضاري؛ لوجود أصول هذه الحضارة في بلادنا في مكة والمدينة، وأهم ما في الحضارة السلوك، ومجتمعنا يفتقد للسلوك الحضاري الإسلامي وترى ذلك في الشارع وتشاهد التناقض في التطبيق بين ما نفعله خارج المسجد من عدم التزام وعكس ذلك في داخله، ويوم أن تجد أحذية المصلين مرتبة في أماكنها فاعلم أن الأمة قد تغير سلوكها الحضاري.

• لك موقف خاص من القطاع الصحي يتناقض مع توجه الأسرة للاستثمار في القطاع الصحي، لماذا؟
ـــ ليس موقفا متناقضا ولكن أجيبك كمواطن، فأنا أتفادى الذهاب إلى أي مستشفى وأتحمل قدر المستطاع إلى أن يصبح الأمر ضروريا، والسبب مركب وأحد أجزائه عدم الثقة فيما تطرحه المؤسسات الصحية الموجودة في بلادنا، فأنا لا أثق في الطبيب ولا في المعمل ولا في التشخيص، ومن خلال تجارب عديدة حصلت؛ فالطبيب يأتي من دول تخرج جامعاتها بالآلاف سنويا ولا يجدون وظائف في بلدانهم فيصدرونهم لنا، ونحن بسبب الحاجة نقبل بالموجود في السوق فنوظفه طبيبا فيرتكب أخطاء كارثية، والجزء الآخر؛ عندما تبحث عن طبيب كفء من خلال مؤهلاته تجد الانتظار عنده بالأشهر بل بعضهم يعطي مواعيد بعد سنة، وهذه تدلل لك على ندرة الطبيب الكفء. وبالعموم فالعملية أصبحت تجارة وليس تطبيب إلا من رحم الله، ونحن لا نقول لا تكسب، لكن الطب والتعليم مهنتان فيهما قضايا إنسانية بداية، فلا بد أن يملك الممارس لهما الحس بالإنسان الذي يخدمه، ثم يأتي بعد ذلك المربح، أما أن يحملك الطبيب كشوفات وأشعة ومختبرا دون أن يكون لها داع فأنا لا أقول إن لديه تعليمات ولكن العرف السائد أن جزءا من دخل مؤسسته مرتبط بها، فأصبحت القضية في الغالب قضية مكسب، وأنا لا أعمم، ولكن هذه أصبحت سمة إلا من رحم الله.