د.عبد الحق حميش الباحث في مجالات العمل الخيري الإماراتي لـ ( مداد):
15 اغسطس 2007 - 2 شعبان 1428 هـ( 11922 زيارة ) .
د.عبد الحق حميش  الباحث في مجالات العمل الخيري الإماراتي لـ ( مداد):
 
الجمعيات الخيرية الاجتماعية قد نجحت في جانب ومازالت تترنح في جوانب أخرى
 
الابتعاد عن النمطية ومواكبة العصر أبرز وسائل النجاح لأي عمل خيري
 
أطالب الجمعيات باقامة "بنوك الفقراء" واستحداث مشاريع إنتاجية للأسر المتعففة
 
دعوى إغلاق الجمعيات الخيرية باطلة.. ولابد من تخفيف القيود البيروقراطية عليها
 
الاستعانة بالكوادر الإعلامية المتخصصة  لتفعيل التواصل بين الجمعيات وأفراد المجتمع
 
حاوره أحمد الشريف- دبي
 
الدكتور عبد الحق حميش استاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الشارقة أحد ابرز المهتمين بمجال العمل الخيري في الامارات، وأجرى العديد من الدراسات والابحاث الاكاديمية في مجال العمل الخيري، وحاضر في عدد كبير من المؤتمرات والندوات المعنية بالجمعيات الخيرية، موضحا دورها في خدمة الفقراء والمحتاجين، ومناديا بدعم انشطتها ومجالات عملها في الدول العربية والاسلامية، ومختلف الدول الفقيرة، مستندا الى احكام الشرع الذي يدعو لكفالة اليتيم ومساعدة المحتاجين والمتعففين.
 
وفي حوار مع 'مداد' دعا حميش الجمعيات الخيرية الى الابتعاد عن النمطية والتقليدية في عملها، وإدخال أساليب جديدة في خدماتها تواكب العصر.
 
واقترح أن تجمع هذه الجمعيات التبرعات بالاتفاق مع بعض البنوك عبر آلات الصراف الآلي، وعدم الاقتصار على المساعدات المباشرة للمحتاجين والبحث عن سبل متطورة كبنوك الفقراء واستحداث مشاريع عمل إنتاجية للأسر تكون مصدر دخل ثابت لها وترفع من مستواها المعيشي.
 
كما دعا الى تخفيف القيود البيروقراطية على مؤسسات العمل الخيري، وتوفير الدورات التدريبية لكوادرها حتى يؤدوا الدور المطلوب منهم بالصورة المثلى.
 
وهذا نص الحوار:
 
** كيف تقيمون عمل الجمعيات الخيرية في الامارات والوطن العربي؟
قامت الجمعيات الخيرية بدور أساسي ومتنوع في المجتمع الإماراتي والعربي إلا أن أبرز أدوارها يتمثل فيما تقدمه من مساعدات في المجال التعليمي أو في مجال رعاية الفئات الخاصة او مجال المساعدات الإنسانية والمادية، وتقديم المساعدات النقدية والعينية للمسلمين، وغيرهم  وتوزيع الصدقات والزكاة ورعاية الأيتام والفقراء داخل الامارات وخارجها، بالإضافة الى ذلك تقوم هذه الجمعيات ببناء المساجد والمدارس والعيادات في الدولة الفقيرة.وهي تؤدي هذه الادوار بمستوى جيد.
 
تترنح في جوانب
 
**اذن انتم لاترون في عملها أي قصور؟
حتى نكون صرحاء فإن الجمعيات الخيرية الاجتماعية قد نجحت في جانب ومازالت تترنح في جانب آخر ونجحت بشكل ما في الجانب الخيري , ومن السلبيات الكبيرة التي وقعت فيها الجمعيات بسبب عملها ترسخ انطباع لدى الكثير من أبناء المجتمع بأن هذه الجمعيات خاصة بالفقراء والمحتاجين, وزاد من الفجوة بين أفراد المجتمع والجمعيات ان الجمعيات في البلاد العربية انحصر عملها في تقديم بعض المساعدات العينية الموسمية فقط ، ولم تطور من جهودها وأعمالها الخيرية ، ولم تواكب العصر بل ما زالت في أعمالها التقليدية ، وهذا لا يقلل من الأعمال المتميزة التي ظهرت في بعض البلاد العربية دون البعض الآخر ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى حالة الرخاء والوفرة في تلك البلاد دون غيرها .
 
** بما انكم ترون انها لم تطور جهودها، كيف يتحقق هذا التطوير لنفعل دور الجمعيات؟
ان مسؤولية العمل الخيري والاجتماعي كبيرة جدا تحتاج لبذل المزيد من الجهد والإخلاص والسعي الدائم في التطوير وتلمس حاجة الفقراء والمحتاجين وغيرهم من أبناء المجتمع لأنها خدمة لكافة شرائح المجتمع
 
و من أجل تطوير عمل الجمعيات الخيرية نقترح:
 
·  التخصص في العمل الخيري والاجتماعي أمر مهم ولا تستطيع الجمعية الواحدة القيام بكل المسئوليات والمهام الاجتماعية مع تنوعها.
 
· استقطاب الكفاءات والطاقات المتخصصة والتعاطي معها بصورة توجد حالة تفاعل مشترك مع أنشطة الجمعية وبرامجها.
 
·عدم الاقتصار على المساعدات المباشرة للمحتاجين والبحث عن سبل متطورة كبنوك الفقراء واستحداث مشاريع عمل إنتاجية للأسر.
 
· إفساح المجال للعمل الخيري وفصله عن العمل الدعوي وتخفيف القيود البيروقراطية من أجل تفعيل النشاط الخيري بصورة أكبر.
 
· تطوير الكوادر الإدارية في الجمعيات الخيرية من خلال البرامج التدريبية والمؤتمرات المختلفة.
 
· الاستعانة بالكوادر الإعلامية المتخصصة التي تستطيع تفعيل التواصل بين الجمعيات وأفراد المجتمع
 
وتستطيع المرأة أن تحرك العديد من الطاقات النسائية في المجتمع وتشارك بصورة فعالة، فهناك ضرورة لتفعيل العنصر النسائي في ميادين العمل الخيري التطوعي .
 
لاتواكب العصر
 
** قلتم ان بعض الجمعيات لاتواكب العصر، ماذا تعني بذلك؟
 اقصد ان الجمعيات الخيرية عليها البحث عن أساليب متطورة لجمع التبرعات كما عملت بعض الجمعيات بالاتفاق مع بعض البنوك لأخذ عمولة درهم او ريال واحد عن كل عملية تتم عبر الصراف الآلي، أو كما قامت جمعية أخرى في دولة الإمارات العربية المتحدة وبترتيب مع أحد البنوك باستحداث طريقة تسديد تبرعات مباشرة من حساب المتبرع لحساب الجمعية عبر الهاتف الجوال وبصورة سريعة جدا. كما أن على البنوك أن تحدث من أنظمتها بحيث توفر خدمات ميسرة ومتطورة لتحسين سبل جمع التبرعات عبرها.
 
**ذكرتم ان الجمعيات الخيرية الاسلامية يمكن ان تقدم مساعدتها لغير المسلمين؟
من سماحة الإسلام وإنسانيته أنه أجاز الوقف وأعمال الخير والبر المتنوعة على غير المسلمين من أهل الذمة، من أصحاب الديانات الأخرى المحتاجين إلى ذلك؛ إشاعة للخير، وإسعادًا للجنس البشري الذي كرمه الله تعالى، وتوفيرًا لمتطلباته الفطرية في حياة كريمة، ولقد ثبت أن صفية زوج النبي  وقفت على أخ لها يهودي، وأن عمر بن الخطاب أجرى الصدقة على أهل الذمة ، وهذا معروف ومشهور في كتب السيرة والفقه .
 
تحدث بنعمة الله
 
**بعض الجمعيات الخيرية تتفاخر بما تقدمه من مساعدات هل هذا السلوك جائز ؟
في الحقيقة أنا لا أراه تفاخر بقدر ما هو التحدث بنعم الله ، ولعلها تريد من الآخرين الاقتداء بها ، ولا مانع أن يكون هناك تنافس في عمل الخير فهذا شيء محمود ، والجمعية لما تعلن عن إنجازاتها وأعمالها فهي تفعل ذلك لكي تشجع الناس على التبرع وزيادة الأعمال ليس من أجل فلان أو جهة معينة وإنما من أجل انتشار الخير وتعميمه والله يعلم بالسرائر .
 
**تتعرض الجمعيات الخيرية العربية لهجمة شرسة من الغرب منذ احداث 11 سبتمبر، وتصاعدت اصوات تطالب  بتجميد اموالها، ما تعليقكم ؟
يجوز لنا أن نلتفت لمثل هذه الدعوات ، وفي كل العالم تعمل الجمعيات الخيرية جنبا إلى جنب مع الجهود التي تقوم بها الحكومات المختلفة ، وذلك لأن الحكومة قد تعجز في الوصول إلى جميع الناس وتلبية احتياجاتهم ، فكان لابد من استمرار هذه الجمعيات في القيام بأعمالها مع وجوب الالتزام بالقوانين والتشريعات التي تنظم أعمال هذه الجمعيات ، أما دعوى غلق هذه الجمعيات فهذا كلام باطل ومردود ، ولا يمكن أن نغلق أبواب الخير ففي كل عصر وفي كل زمان ومكان هناك محتاجون وفقراء ومساكين في حاجة إلى من يدعمهم ويساعدهم .
 
وأنا أدعو الى تطوير أعمال الجمعيات الخيرية والارتقاء بجهودها وأن يتعاون الجميع في الجهود التي تقوم بها هذه الجمعيات ، ونحن ندعو إلى تحسين أداء الجمعيات والإشراف الجيد على أعمالها وليس غلقها وتجميد أموالها ..
 
وإن إساءة بعض الجمعيات في تصرفاتها لا يعني أن العمل الخيري اليوم هو سيئ ولابد من الوقوف في وجهه بل نقول علينا الأخذ بيد هذه الجمعيات وتشجيعها على الأعمال الصالحة ولا مانع أن تتابع الدولة أو السلطات أعمال الجمعيات حتى لا تنحرف عن الأهداف المعلومة والمتعارف عليها لعمل هذه الجمعيات .
 
**تؤيدون الاصوات المطالبة بقيام اتحاد يجمع الجمعيات الخيرية لتوحيد جهودها ؟
لا مانع من اتباع أي وسيلة تحقق للجمعيات الخيرية التطور والنمو ورفع من مستوى المساعدات والأعمال الخيرية التي تقوم بها هذه الجمعيات ، وأيضا من أجل قطع الطريق أمام كل دخيل قد يستغل هذه الجمعيات في أعمال مشبوهة وغير شرعية أو مخالفة للقوانين ، وتوحيد الأعمال والتنسيق ربين الجهود أمر تشجعه الشريعة الإسلامية ولا مانع منه ما دام يحقق المصلحة العامة ، ويفيد العمل الخيري.
 
**هل ترون يقصرون اعمال الخير على شهر رمضان المبارك فقط فما حكم الشرع في ذلك ؟
من الملاحظ نشاط الجمعيات الخيرية في شهر رمضان المبارك وذلك نظرا للحالة الإيمانية التي يكون عليها المسلمون في هذا الشهر الفضيل ، وبمجرد ما ينقضي الشهر الكريم ، ينكمش العمل الخيري ويقل ، وكأنه صار مرتبطا بشهر رمضان المبارك فقط ، وهذا من الأخطاء الكبيرة عند طائفة كبيرة من المسلمين الذين يعبدون الله ويرتقون في منازل العابدين الخاشعين في شهر رمضان وإذا ما انتهى الشهر توقف عن العبادة وعن أعمال البر والخير .
 
 يجب أن يكون العبد مستمرا على طاعة الله , ثابت على شرعه , مستقيم على دينه , لا يراوغ روغان الثعالب , يعبد الله في شهر دون شهر , أو في مكان دون آخر , لا ... وألف لا ..!! بل يعلم أن ربّ رمضان هو ربّ بقية الشهور والأيام .... قال تعالى : (  فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَك.. )  هود 112 , وقال تعالى : (  ... فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ... ) فصلت 6 .
 
** وما الحكم في من لايهتم بعمل الخير  ولايعير الجمعيات الخيرية اي اهتمام، ولايتبرع لها او يدعم خدماتها رغم دورها الكبير في المجتمعات الاسلامية؟
لا يجوز للمسلم أن يتأخر على فعل الخيرات بل الواجب أن يسارع إليها كما وصف الله تعالى المؤمنين (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين).
 
أهاب الله عز وجل بالمؤمنين أن يسارعوا إلى العمل الصالح الذي يوصلهم إلى المغفرة والدرجة الرفيعة فقال عز وجل ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين).
 وقد امتدح الله الذين يسارعون إلى العبادات بكل أنواعها من غير كسل ولا إبطاء فقال ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين).
والمؤمنين الصالحون تكون نسبة سرعتهم كافية لأن يسبقوا غيرهم إلى الخير
 
وقد أهاب الله بهؤلاء الصالحين بالتسابق وليس بالسرعة فقط  : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(
 
وبعد أن أهاب الله بالمسارعين المتسابقين عاد عز وجل فامتدحهم بما يميزهم يوم القيامة حتى جعلهم الله معسكراً مستقلاً مقابلاً جميع المؤمنين برغم قلتهم وندرتهم في كل عصر فقال تعالى: ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين).
 
وهكذا بقي السابقون والمتسابقون هم الطليعة الأولى يوم القيامة لذا كرر الله النداء فقال: ( فاسبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير) وقال: ( فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ).
 
عدم الاعتماد على الصدقات
 
**حكم من يعتمد في حياته على مساعدات الغير ولا يسعى في سبيل الرزق؟
اذا كان الإنسان قادرا على الكسب والعمل فلا يجوز له شرعا أن يعتمد على مساعدات الجمعيات الخيرية، إنما الجمعيات أعمالها وما تقدمه من مساعدات فهو للمحتاجين العاجزين عن العمل كالمرضى والمعاقين والأرامل والعجائز أما الشاب القادر على العمل فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من الجمعيات ، والشريعة الإسلامية شريعة تشجع على العمل والجهد ولا تريد من الناس مد أيديهم واتكالهم على المساعدات والتبرعات والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ' اليد العليا أفضل من اليد السفلى '
 
ولهذا ندعو الجمعيات الخيرية أن تتأكد من المحتاجين ولا تشجع الناس على المسألة والاتكال عليها وتتحرى في توزيع المساعدات على المحتاجين الذين يستحقون المساعدة .
 
إبطال الصدقات
 
** البعض يدعم العمل الخيري لتحقيق اهداف شخصية كالشهرة الاعلامية، او يتبعونها بمن واذى..فما حكم الشرع في هؤلاء؟
قال تعالى في محكم التنزيل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين).
 
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب' .
 
وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ' لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر'  .
 
لا تبطلوا: إبطال الصدقة الحرمان من ثوابها، وبطلان العمل عدم ترتب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجباً أم كان متطوعاً به، فإن كان العمل واجباً فبطلانه عدم إجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختل شرط أو ركن من العمل، وإن كان العمل متطوعاً به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعاً بين أدلة الشريعة.
 
بالمن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتعريض بها؛ كأن يقول: أحسنت إليك .
 
والأذى: السب والتشكي، قال القرطبي: قال علماؤنا: فمن أنفق في سبيل الله ولم يتبعه مناً ولا أذى كقوله: ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر، والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل، والحزن على ما سلف من دنياه؛ لأنه يغتبط بآخرته .