المحامي والناشط الحقوقي السوري رديف مصطفى لـ( مداد)
22 يوليو 2007 - 8 رجب 1428 هـ( 10408 زيارة ) .
 المحامي والناشط الحقوقي السوري رديف مصطفى لـ( مداد):
 
العمل الأهلي التطوعي في المجتمع السوري مجرد تقليد اجتماعي بسبب غياب العقلية المؤسساتية
 
تغيير المنظور الحكومي وتقديم التبرعات والتمويل غير المشروط..جسور عبور الجمعيات للمستقبل
 
نعم العمل الخيري عندنا  عمل هامشي حكومي بغطاء أهلي
 
الجمعيات الأهلية المرخصة أدوات حكومية، والمستقلة لم تمنح الترخيص
 
الجمعيات فصول متقلبة..وقوانين جيدة حاضرة وتطبيقات غائبة
 
تعديلات قانون الجمعيات سيدفع بعمل الجمعيات إلى الأمام شريطة التطق
 
اعتبر المحامي والناشط الحقوقي رديف مصطفى أن العمل الأهلي في سوريا هامشي جدا ، وهو مجرد عمل حكومي بغطاء أهلي ، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن العمل المدني لا يزدهر إلا بالتعاون مع الحكومة ،وأن إحدى أهم أركان الدولة الحديثة هي الجمعيات والمنظمات الأهلية والمدنية .
 
وأشار المحامي مصطفى ، في حوار مع " مداد " ، إلى أن الجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية والمدنية في سوريا تعيش واقعا صعبا، مؤكدا على أن تغيير واقعها ، والانطلاق نحو الأمام يقتضي تغييرا في المنظور الحكومي إلى العمل الأهلي والمدني ، وتشجيع رجال الأعمال على تقديم المساعدات والتبرعات ، وقبول التمويل غير المشروط. تعديلات قانون الجمعيات سيدفع بعمل الجمعيات إلى الأمام ، شريطة التطبيق االواقعي
 
مضبوط سلفا
 
كمحامٍ وناشط في حقل حقوق الإنسان كيف تقرأ واقع العمل الأهلي التطوعي في سوريا ؟
أود الإشارة ابتداءً وقبل الإجابة على هذا السؤال إلى أن الفرق شاسع ، من الناحية المعرفية ، بين العمل المدني والعمل الأهلي من حيث المدلولات التي يشير إليها كل منهما، إلا أنهما يشتركان في الجانب التطوعي.
 
وربما يشترك العملان في أنهما من المفترض أن يكونا مستقلين عن العمل الحكومي وكلاهما يتوخى النفع العام بشكل نسبي .
 
بالعودة إلى سؤالكم فالعمل الأهلي التطوعي في سوريا هامشي جداً وحتى بالكاد تستطيع تلمسه. وهذا يعود بشكل أساسي إلى التدخل الحكومي بحيث لا يخرج عن الإيقاع المحدد والمضبوط سلفا.
 
بغطاء أهلي
 
في الواقع السوري ..كيف يمكن توصيف العلاقة بين العمل الأهلي والعمل الحكومي ؟
في الواقع السوري العمل الحكومي يهيمن على كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وهو ينسحب على العمل الأهلي والمدني.
 
وفي حالات كثيرات يكون العمل الأهلي هو مجرد عمل حكومي بغطاء أهلي ويتضمن أهدافا وغايات سياسية. ففي ظل المادة الثامنة من الدستور السوري التي تخول الحزب الحاكم قائداً للدولة والمجتمع يصعب الحديث عن عمل أهلي ومدني مستقل،على الرغم من أن العمل المدني لا يزدهر إلا بالتعاون الحكومي نفسه0
 
لم تمنح الترخيص
 
هل أنت مع الرأي القائل، والذي يتردد كثيرا، بأن الجمعيات الأهلية في سوريا تدور في فلك الحكومة ؟
نعم هذا صحيح بالنسبة للجمعيات المرخصة، حيث تحولت إلى أدوات تستخدمها الحكومة في إدارة المجتمع ومراقبته.و بمرور الزمن باتت هذه الجمعيات خاوية من كل الدلالات الاجتماعية والمهنية.
 
أما بالنسبة للجمعيات المستقلة فهي لم تمنح الترخيص وتعرض أنصارها عموماً للمضايقة من قبيل اتهامها باللاوطنية ، والارتباط بالخارج بهدف تهميشها وإقصائها نهائيا .
 
 فصول متقلبة
 
إذا كان هذا واقع الجمعيات الأهلية في سوريا ، وإذا كانت الجمعيات بوجه عام تنشأ بمبادرة ذاتية وتتوخى النفع العام .. فكيف يمكن تشجيع المواطنين على دعم الجمعيات والانخراط فيها؟
بداية أؤكد بأن المجتمع الأهلي والعمل الأهلي ليس طارئاً على مجتمعاتنا. وهي عرفته منذ أيام الحكم العثماني.فوجود جمعيات أهلية ومدنية ، تعكس مصالح مختلف تعبيرات المجتمع بكل إبعاده ، يعبر عن الحالة الطبيعية لأي مجتمع في سيرورته التاريخية. وأنا أعتقد بأن الجمعيات التي انتشرت في سوريا كالفطر بعد خطاب القسم الأول (منذ سبع سنوات ) كانت نتاج حراك سياسي واجتماعي لاقى رواجاً جيداً من قبل المواطنين وانخرطوا فيها ودعموها،ولكن الشتاء القارس  بعد ( ربيع دمشق ) جعل هذا الموضوع محفوفاً بالكثير من المخاطر وربما يكون للإعلام المستقل دورا هاما في التشجيع على هكذا أعمال علما بأنه شبه مغيب في سوريا.
 
الجمعيات الأهلية من أركان الدولة
 
ولكن متطلبات الواقع والتطورات الحاصلة حولنا تدفع إلى تبني رؤى جديدة لوعي أهمية دور الجمعيات الأهلية في بناء المجتمع بأبعاده كلها ، أليس كذلك؟
بالتأكيد نحن بحاجة إلى رؤية جديدة في ظل العولمة وتكنولوجيا المعلومات وفي ظل اعتماد آليات اقتصاد السوق لاسيما وأن هناك واقع جديد على الصعيد العالمي يقوم على دعوات وممارسات قوية وجدية تعمل على الحد من العمل الحكومي لصالح العمل المدني وترك المجالات للمبادرات الفردية والأهلية لصالح المجتمع.
 
وأنا أعتقد بأن الدولة الحديثة ينبغي أن تقام على ثلاثة أضلع: ضلع هو الحكومات، الضلع الثاني هو المؤسسات الوسيطة، والضلع الثالث هي الجمعيات والمنظمات الأهلية والمدنية. عندها فقط يمكن أن يتطور العمل الأهلي والمدني0
 
قوانين حاضرة وتطبيقات غائبة
 
يقال إن حركية الجمعيات الأهلية في سوريا مرتبطة بشكل أو بآخر بمدى اقتراب القانون السوري من حاجاتها .. كيف تقرأ ذلك ؟
أنا أعتقد بأن هذا أمر طبيعي بمعنى إذا كان القانون قريباً من حاجة الجمعيات المدنية والأهلية فإن العمل المدني سيكسب دفعاً قوياً مع ملاحظة وجود الكثير من القوانين الجيدة في سوريا ولكنها تعاني من مشكلة عدم التطبيق أو عدم المساواة في التطبيق بين المواطنين وفق مبدأ سيادة القانون.
 
تعديلات قانون الجمعيات
 
هل تعتقد إن إجراء تعديلات على قانون الجمعيات السورية سيدفع بعملها إلى الأمام أم أن واقع الجمعيات بحاجة إلى قانون جديد ؟
لا شك بأن قانون الجمعيات السوري بحاجة إلى تعديلات وإجراء هذه التعديلات سيدفع بعمل هذه الجمعيات إلى الأمام شريطة تطبيق القانون والعمل بمبدأ سيادة القانون. ثم أن هذه الموضوع يتعلق بضمان استقلالية القضاء ونزاهته وهذه أيضا مشكلة في سوريا في ظل تبعية السلطة القضائية للسلطة التنفيذية0
 
جسور عبور
 
كثيراً ما يدور الحديث حول صعوبات وعوائق لإشهار الجمعيات وقبول المساعدات والتبرعات من الخارج والداخل ؟ هل هذا صحيح وما هي مبرراته وأين تكمن الحلول؟
نعم هذا صحيح. فمثلا جمعيات حقوق الإنسان في سوريا جميعها غير مرخص لها لهواجس أمنية وسياسية  وفي ظل هذا الواقع وضعف التمويل تعاني الجمعيات السورية عموماً .
 
وأنا أعتقد بأن الحلول تكمن أولاً في تغيير المنظور الحكومي إلى العمل الأهلي والمدني ومنح جمعياته التراخيص القانونية ،ثم تشجيع رجال الأعمال السوريين لتقديم الدعم والتبرعات لهذا الجمعيات ثانيا،وثالثا قبول التمويل غير المشروط من جهات غير حكومية حتى ولو كانت خارجية 0
 
الإيراد العرَضي والإيراد الثابت
 
تعتمد الجمعيات الأهلية في سوريا على تبرع عرضي من المحسنين وأهل الخير. فكيف يمكن لهذه الجمعيات تأمين إيرادا ثابتا يساهم في تطوير عمل هذه الجمعيات ، وبالتالي قيامها بمشاريع ومبادرات تنعكس على المجتمع بشكل إيجابي ؟
لا أعتقد في ظل الظروف الراهنة بأن الجمعيات السورية قادرة على تأمين إيراد ثابت والذي يشكل عنصراً أساسياً وجوهرياً في تطوير عمل أي جمعية. ولكن بهذه التبرعات والمساعدات التي تقدم من المحسنين وأهل الخير يمكن القيام ببعض الأشياء التي تنعكس إيجابياً على المجتمع شريطة الاهتمام المهني بالكادر المدير، بمعنى إجراء عملية التأهيل المهني للكادر القائم على إدارة هذه الجمعيات من المنظور الاقتصادي .
 
 ليس عندنا عقلية مؤسساتية
 
يقال أن العمل الأهلي التطوعي في المجتمع السوري هو مجرد تقليد اجتماعي لم يصل حتى الآن إلى مفهوم العمل المؤسساتي كيف تقرأ ذلك ؟
المشكلة هي أنه ليست في سوريا عقلية مؤسساتية بشكل عام وبالتالي فإن معظم الأنشطة يندرج في إطار المبادرات الفردية ، والجمعيات الأهلية والمدنية في سوريا تحمل عموما طابع ثقافتنا السياسية والاجتماعية. لذلك يجب أن لا نتوهم بأن يكون العمل المؤسساتي هو الطابع المميز لهذه الجمعيات وربما نحتاج إلى وقت غير قصير للتحرر من مخلفات الماضي والانطلاق من جديد . فالديمقراطية ليست مجرد شعار بل هي ممارسة و تجربة وتربية وثقافة.
بواسطة : رديف مصطفى