العلامة ابن عثيمين.. الخير لم ينقطع رغم رحيل الجسد

القاهرة : يوسف عبد الوهاب


كثير منا يذكر العلم والورع عند ذكر العلاّمة الراحل الشيخ  محمد بن صالح العثيمين لكن هناك جوانب خيرية مضيئة فى شخصية الراحل الكبير لايعرفها الكثير من محبى الشيخ ربما لان الرجل بتواضع العلماء كان يصرف انظار الاعلام عن اعماله الخيرية رغم ان حياته رحمه الله كانت  حافلة بالخيرات، واصطناع المعروف، والسعي في مصالح المسلمين وقضاء حوائجهم، إلى جانب تعليم العلم ونشره ورعاية طلابه، وتيسير سبله، وكتابة الرسائل، والمؤلفات، والمحاضرات، وإصدار الفتاوى والتوجيهات. فأجرى الله على يديه الخير الكثير بسبب نيةٍ صالحة، وعزيمة لا تعرف الكلل والملل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فاللشيخ  رحمه الله  أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البرّ ومجالات الإحسان إلى الناس, والسعي في حوائجهم وكتابة الوثائق والعقود بينهم, وإسداء النصيحة لهم بصدق وإخلاص.


وبعد وفاته رحمه الله في مدينة جدّة قبيل مغرب يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال عام 1421هـ,  تنادى أبناؤه وذووه ومحبوه إلى تخليد ذكره من خلال عمل خيرى مؤسسي بإقامة مؤسسة خيرية تحمل اسم " مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية" لمواصلة الأعمال التي كان يقوم بها الراحل  في مختلف ميادين الخير والبر والإحسان ومنها  رعاية شئون طلبة العلم بجامع الشيخ رحمه الله في عنيزة و مساعدة الفقراء والمحتاجين من الأرامل والأيتام والمرضى و بناء المساجد والمشاركة في مشروعات النفع العام و دعم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم والجمعيات الخيرية بجانب  وضع أموال الزكاة والصدقة التي تستقبلها المؤسسة في مصارفها الشرعية و تحمُل نفقة الحج للمحتاجين الذين لم يسبق لهم أداء الفريضة ،وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته – رحمه الله تعالى – لنشر مؤلفاته, ورسائله, ودروسه, ومحاضراته, وخطبه, وفتاواه ولقاءاته, تقوم المؤسسة بواجب وشرف المسؤولية لإخراج كافة آثاره العلمية والعناية بها.


 


نسبه ومولده


ولد  العالم المحقق محمد ابن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن آل عثيمين في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ في عنيزة – إحدى مدن القصيم – في المملكة العربية السعودية.وألحقه والده – رحمه الله تعالى – ليتعلم القرآن الكريم عند جدّه من جهة أمه المعلِّم عبد الرحمن بن سليمان  الدامغ – رحمه الله -, ثمَّ تعلَّم الكتابة, وشيئًا من الحساب, والنصوص الأدبية في مدرسة الأستاذ عبدالعزيز بن صالح الدامغ – حفظه الله -, قبل أن يلتحق بمدرسة المعلِّم علي بن عبد الله الشحيتان – رحمه الله – حيث حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب ولمّا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره بعد.


وبتوجيه من والده – رحمه الله – أقبل على طلب العلم الشرعي، وكان فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله – يدرِّس العلوم الشرعية والعربية في الجامع الكبير بعنيزة, وقد رتَّب اثنين (1) من طلبته الكبار؛ لتدريس المبتدئين من الطلبة, فانضم الشيخ إلى حلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع  ـ رحمه الله ـ حتى أدرك من العلم في التوحيد, والفقه, والنحو ما أدرك ، ثم جلس في حلقة شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله, فدرس عليه في التفسير, والحديث, والسيرة النبوية, والتوحيد, والفقه, والأصول, والفرائض, والنحو, وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم.


وعندما كان الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان – رحمه الله – قاضيًا في عنيزة قرأ عليه في علم الفرائض, كما قرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله – في النحو والبلاغة أثناء وجوده مدرّسًا في تلك المدينة.ولما فتح المعهد العلمي في الرياض أشار عليه بعضُ إخوانه (2) أن يلتحق به, فاستأذن شيخَه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله – فأذن له, والتحق بالمعهد عامي 1372 – 1373هـ. ولقد انتفع – خلال السنتين اللّتين انتظم فيهما في معهد الرياض العلمي – بالعلماء الذين كانوا يدرِّسون فيه حينذاك ومنهم: العلامة المفسِّر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي, والشيخ الفقيه عبدالعزيز بن ناصر بن رشيد, والشيخ المحدِّث عبد الرزاق الأفريقي – رحمهم الله تعالى -.


 


ريادة في العلم الشرعي


وفي أثناء ذلك اتصل بسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله -, فقرأ عليه في المسجد من صحيح البخاري ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية, وانتفع به في علم الحديث والنظر في آراء فقهاء المذاهب والمقارنة بينها, ويُعدُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – هو شيخه الثاني في التحصيل والتأثُّر به.ثم عاد ابن عثيمين إلى عنيزة عام 1374هـ وصار يَدرُسُ على شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي, ويتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة, التي أصبحت جزءًا من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة, حتى نال الشهادة العالية.وتوسَّم فيه شيخه النّجابة وسرعة التحصيل العلمي فشجّعه على التدريس وهو ما زال طالبًا في حلقته, فبدأ التدريس عام 1370هـ في الجامع الكبير بعنيزة.ولمّا تخرَّج فى المعهد العلمي في الرياض عُيِّن مدرِّسًا في المعهد العلمي بعنيزة عام 1374هـ. وفي سنة 1376هـ توفي شيخه العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله تعالى – فتولّى بعده إمامة الجامع الكبير في عنيزة, وإمامة العيدين فيها, والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع؛ وهي التي أسسها شيخه – رحمه الله – عام 1359هـ.


ولما كثر الطلبة, وصارت المكتبة لا تكفيهم؛ بدأ فضيلة الشيخ - رحمه الله – يدرِّس في المسجد الجامع نفسه, واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها حتى كانوا يبلغون المئات في بعض الدروس, وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل جاد, لا لمجرد الاستماع, وبقي على ذلك, إمامًا وخطيبًا ومدرسًا, حتى وفاته – رحمه الله تعالى ، وبقي الشيخ مدرِّسًا في المعهد العلمي من عام 1374هـ إلى عام 1398هـ عندما انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, وظل أستاذًا فيها حتى وفاته- رحمه الله تعالى ،ووكان يدرِّس في المسجد الحرام والمسجد النبوي في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية منذ عام 1402هـ , حتى وفاته – رحمه الله تعالى – .


وحصل العالم الراحل على  جائزة الملك فيصل – رحمه الله – العالمية لخدمة الإسلام عام 1414هـ فيما ظهرت القدرات العلمية الفذة له  خلال أكثر من خمسين عامًا من العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى حيث اهتم رحمه الله  بالتأليف وتحرير الفتاوى والأجوبة التي تميَّزت بالتأصيل العلمي الرصين, وصدرت له العشرات من الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب واللقاءات والمقالات, كما صدر له آلاف الساعات الصوتية التي سجلت محاضراته وخطبه ولقاءاته وبرامجه الإذاعية ودروسه العلمية في تفسير القرآن الكريم والشروحات المتميزة للحديث الشريف والسيرة النبوية والمتون والمنظومات في العلوم الشرعية والنحوية.


 


الخير لم ينقطع


وتخليدا لذكراه العطرة اتخذت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية"  من محافظة عنيزة، مسقط رأس الشيخ الراحل ، مقرا لها؛ تدير فيه أعمالها وتزاول نشاطها الخيري التطوعي وتسعى لتحقيق الأهداف المرجوة بإذن الله تعالى حيث تعتمد المؤسسة في تسيير أعمالها الأنظمة الإدارية علي لائحة الجمعيات والمؤسسات الخيرية المعتمدة من وزارة العمل والشؤون الإجتماعية، التي تعطي قراراتها وإجراءاتها صفة الشورى، وتقوم إدارة الشؤون الخيرية بالإشراف على لخدمات الاجتماعية والمساعدات المالية والعينية ومستودع المواد الغذائية والمساجد ومشروعات النفع العام فيما تتكون موارد المؤسسة من الدخل الذي تحققه المؤسسة من غلة الأوقاف الموقوفة عليها وو الهبات والإعانات والوصايا والأوقاف والمنح والتبرعات العينية والنقدية التي تقبلها المؤسسة والاستثمارات و شراء وبيع الأراضي والعقارات بأنواعها المختلفة .


وتعد حياة ابن عثيمين ممتدة باعماله الخيرية العظيمة فبناءً على توجيهاته "رحمه الله تعالى " أنشئ له موقع خاص على شبكة المعلومات الدولية من أجل تعميم الفائدة المرجوة  وتقديم جميع آثاره العلمية من المؤلفات والتسجيلات الصوتية فبجانب أعماله العلمية عضويته في هيئة كبار العلماء و المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تطوع بعضوية لجنة التوعية في موسم الحج من عام 1392هـ إلى وفاته – رحمه الله تعالى حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر, ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية ،و ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عنيزة من تأسيسها عام 1405هـ إلى وفاته،و ألقى محاضرات عديدة داخل المملكة العربية السعودية على فئات متنوعة من الناس, كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم.


 


رحمه الله تعالى على الشيخ ابن عثيمين فقد كان من الراسخين في العلم و تحلَّى بصفات العلماء الجليلة وأخلاقهم الحميدة والجمع بين العلم والعمل الخيرى   فجزاه الله عن أمته خير الجزاء .