الملك فيصل " طيب الله ثراه "...الخير فى أمتى الى يوم القيامة

القاهرة: يوسف عبد الوهاب

 

 

صعب للغاية الحديث عن العمل الخيري داخل الشارع الإسلامي دون ذكر المغفور له الملك فبصل بن عبد العزيز " طيب الله ثراه " صاحب الأعمال الخيرية العديدة، ليس في بلاد الحرمين فحسب؛ ولكن في عديد من دول العالم؛ فقد رحل بجسده لكن بقي ذكره في تلك المؤسسات الخيرية، فقد كان مسلما ملتزما، محبا للخير. ومع أنه كان منظما ومقتصدا إلا أن الجود والكرم وعمل الخير كانت من المكونات الجوهرية لشخصيته،  وكان اهتمامه كبيرا بقضايا الفقراء، وتوجيه الأعمال الخيرية لإعانتهم على مواجهة ظروف الحياة. وقد عبر عن ذلك الشعور الإنساني الرائع صاحب السمو الملكي الأمير محمد الفيصل ـ رئيس مجلس أمناء مؤسسة الملك فيصل الخيرية ـ الذي قال: " إننا سعداء جدا في كنف أب لا تشعر بعظمته في قلوب أسرته فحسب، وإنما تشعر بها في عيون أبناء وطن بأكمله. إن حب والدنا والشعور بالالتزام والمسؤولية زرعا فينا الرغبة بل الحاجة إلى تأكيد روح الإيثار التي عرف بها لتظل حية وباقية". وكان الملك فيصل- بالفطرة- إنسانا عظيم التواضع والنبل والاستقامة، وكان مسلما ورعا، ملتزما، متمسكا بعقيدته.


و كانت الأعمال الإنسانية للراحل الكبير متوجهة إلى تحقيق الرخاء للناس أينما كانوا، وبخاصة في الدول الفقيرة، وكانت رؤاه عالمية في وقت كان يركز فيه معظم الناس على القضايا الوطنية. وقد قام - رحمه الله - من خلال تدشين المشروعات الاقتصادية الطويلة المدى والبرامج الاجتماعية الهادفة، بتقديم الدعم المادي والمعنوي للإسهام في تنمية دول كثيرة في هذا العالم، وإلى ذلك تسعى مؤسسة الملك فيصل الخيرية جاهدة لتجسيد حلم الملك الراحل  في أن يصبح العالم مكانا أفضل  من خلال مشروعات خيرية تصل إلى مختلف الناس، وتلبي بعض احتياجاتهم الملحة، فسخاء أهل الخير يتكامل مع استثمارات المؤسسة ليزيد من قدرة أبنائه البررة على مساعدة أكبر عدد من المحتاجين .

 

السيرة الذاتية

ولد فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - في مدينة الرياض في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية في عام 1906م. وهو الابن الوحيد لوالدته التي تنتسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -. وقد اعتنى والده الملك عبد العزيز - رحمه الله - بتربيته تربية عربية إسلامية، كما كان لوالدته دور في حسن توجيهه بحكم انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - الذي قاد حركة الإصلاح الديني في منطقة نجد. ومنذ نعومة أظفاره أخذ الفيصل يتشرب صفات القيادة من والده الملك عبد العزيز - رحمه الله، وقد أثر ذلك في سلوكه - رحمه الله - فعرف بالحزم، والحلم، وحسن الإدارة، مما دفع بالملك عبد العزيز - رحمه الله -  إلى إسناد أدوار قيادية إليه في سن مبكرة. وجريا على عادة البدو كان فيصل يقيم مجلسا مفتوحا لمناقشة القضايا المختلفة، ولرد المظالم. ولم يكن الملك فيصل- رحمه الله- سياسيا ماهرا ودبلوماسيا محنكا فحسب؛ وإنما كان رجلا مثقفا مطلعا محبا للشعر والأدب.

 


مؤسسة الملك فيصل الخيرية

ومن المؤسسات الخيرية للمغفور له التي يصعب الحديث عن العمل الخيري دون ذكرها "مؤسسة الملك فيصل الخيرية"، وهي مؤسسة خيرية أنشئت عام 1396هـ، وتعمل في نطاق  معين يتمثل في برنامج منح وخدمات أكاديمية يقدمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وجوائز عالمية مشهورة تقدمها الأمانة العامة لجائزة الملك فيصل العالمية في خمسة مجالات هي: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، والأدب العربي واللغة، والطب، والعلوم. ولدى المؤسسة برنامج منح موجه إلى طلاب الدراسات العليا في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية.  ويضم  مجلس الأمناء للمؤسسة كُلا من  صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ـ المدير العام للمؤسسة، ورئيس هيئة جائزة الملك فيصل العالمية، وصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل ـ رئيس مجلس إدارة مدارس الملك فيصل،  وصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل ـ رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، و أصحاب السمو الملكي الأمير عبد الرحمن الفيصل، والأمير سعد الفيصل، و الأمير بندر الفيصل، و الأمير محمد العبد الله الفيصل.

 

ويضع مجلس الأمناء الحالي لمؤسسة الملك فيصل الخيرية السياسات العامة عبر إدارة فاعلة ترك لها المجال للقيام بواجباتها التنفيذية معتمدة على روح الفريق. وداخل المؤسسة بعض الإدارات التي تعمل في ظل منظومة متكاملة منها: الإدارة المالية، ومهمتها إعداد التدفق النقدي اللازم للاستثمارات والمشروعات الخيرية، ومصروفات الأقسام الأخرى وفقا للميزانية المجازة من مجلس الأمناء والجمعية العمومية لمؤسسة الملك فيصل الخيرية، وأيضا "إدارة الاستثمار "، ومهمتها  تحديد المجالات والفرص الاستثمارية التي تدعم المشروعات الخيرية للمؤسسة، ودراسة هذه المجالات والفرص، وتقديم دراسات الجدول للمشروعات الجديدة، والتفاوض بشأنها مع الجهات الأخرى عند الضرورة. وتقوم هذه الإدارة بالتأكيد على مدى مطابقة المشروعات الاستثمارية لأحكام الشريعة الإسلامية. وهناك إدارة الممتلكات للمحافظة على أصول المؤسسة وممتلكاتها، والإشراف عليها وتنميتها. وكذلك إدارة البرامج والبحوث، ومهمتها الموافقة على المشروعات الخيرية والمنح الدراسية، وتقوم الإدارة بدراسة طلبات المساعدة، وفي ضوء ذلك يحدد المستحقون لها. وقد تم صرف (1.3) مليون ريال في المنح الدراسية والمساعدات للجهات المختلفة، وتبلغ ميزانية عام 2002م (2.54 مليون ريال).


وأنشئت مؤسسة الملك فيصل من أجل المحافظة على التراث الإسلامي، وتنمية الثقافة الإسلامية، ومد يد العون للمسلمين الأقل حظاً. وتقوم المؤسسة بأنشطة مختلفة، منها: تقديم جائزة الملك فيصل العالمية السنوية. حيث تأمل المؤسسة أن تحقق تلك الجوائز فائدة ملموسة للمجتمع الإنساني من خلال تكريم من ساهموا بدور فاعل في خدمة الإسلام والمسلمين، والمفكرين والعلماء ممن أثروا المعرفة الإنسانية، ونفعوا بفكرهم وبحوثهم عدداً كبيراً من الناس. وتمنح جائزة الملك فيصل العالمية في مجالاتها الخمسة سنوياً، ومنحت الجائزة منذ إنشائها سنة 1399هـ/1979م إلى (189) فائزاً من (38) دولة. ولما تتميز به من دقة وأمانة في اختيار الفائزين اكتسبت سمعة عالمية طيبة، وتبوأت مكانة مرموقة بين كبريات الجوائز في العالم، حتى أصبحت واحدة من أرقى الجوائز العلمية. و تقوم المنظمات الإسلامية والجامعات والمؤسسات العلمية في أرجاء العالم بترشيح من تراه مؤهلا في كل فرع من فروع الجائزة الخمسة. ولا تقبل الترشيحات الفردية، ولا ترشيحات الأحزاب السياسية. وتُعلن أسماء الفائزين بالجائزة عادة في نهاية السنة الهجرية أو الشهر الأول من كل عام ميلادي، كما يُحتفل بتسليمها خلال شهرين من هذا الإعلان، وذلك في مقر المؤسسة في الرياض. ويرعى تلك المناسبة خادم الحرمين الشريفين،  أو من يمثله. وقد أكسب هذا الاحتفال مؤسسة الملك فيصل الخيرية مزيداً من الشهرة.

 


نوبل العالم الإسلامي

وتتيح جائزة الملك فيصل العالمية الفرصة للمؤسسة لتكافيء الذين أوقفوا حياتهم للعلم، وحققو إنجازات فريدة، وتحولا إيجابيا في مجالات إبداعهم. وهذه الجوائز تمنح لمن خدموا الإسلام والمسلمين، وللعلماء الذين كان لنتائج بحوثهم الأثر في تحقيق تقدم جوهري في تخصصاتهم العلمية خدمة للإنسانية. وهذا الحافز يشجع على توسيع البحوث العلمية وتطويرها لارتياد آفاق جديدة في ميداني الطب والعلوم. و هناك شرطان لا بد من تحققهما للحصول على الجائزة هما: الاستحقاق والتميز. ولا أدل على المكانة العلمية للفائزين بالجائزة، وأهمية بحوثهم من عشرة منهم فازوا بجوائز نوبل تقديرا للأعمال نفسها التي أهلتهم لنيل جائزة الملك فيصل العالمية، بل إن أربعة من العلماء الستة الذين فازوا بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء في عام 2001م، هم من الذين سبق لهم نيل جائزة الملك فيصل العالمية. و تحددت غايات الجائزة في العمل على خدمة الإسلام والمسلمين في المجالات الفكرية، والعلمية، والعملية، و تحقيق النفع العام لهم في حاضرهم ومستقبلهم، والتقدم بهم نحو ميادين الحضارة والمشاركة فيها، و تأصيل المثل والقيم الإسلامية في الحياة الاجتماعية وإبرازها للعالم، و الإسهام في تقدم البشرية وإثراء الفكر الإنساني. فالشخص الذي حملت الجائزة اسمه، كانت نيته خالصة لخدمة القضايا الإنسانية كافة، وهذا ما ساعد على تبني الجائزة الكثير من القيم التي قد لا تتوافر لأية جائزة أخرى.

 


أعمال خيرية خالدة

وأوقف الملك فيصل حياته لخدمة الإسلام، وكان إنشاء مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية حلقة وصل مهمة تربط الأجيال المعاصرة بالإنجازات الحضارية غير المسبوقة للإسلام. و يضطلع المركز بالمحافظة على التراث الإسلامي، والتعريف به، وتشجيع الباحثين على الاستمرار في درب العطاء الذي مهده الأجداد في عصر النهضة الإسلامية. ويعد المركز منبرا يعبر عن عظمة الثقافة الإسلامية.


كما قامت مؤسسة الملك فيصل الخيرية بإنشاء صرح تعليمي باسم "مدارس الملك فيصل". وتقع هذه المدارس بحي السفارات بمدينة الرياض، على مساحة قدرها مائتا ألف متر مربع. وجاء في مشروع إنشاء المدارس أنها أهلية غير تجارية، ترمي إلى بناء شخصية الطالب بناءً متميزا يؤهله لممارسة دور قيادي في مجتمعه، ويمكن فيه الولاء لدينه، وعقيدته، ويصنع منه باحثا دائما عن المعرفة الحقيقية. ومن جملة أهدافها ـ أيضا ـ تنمية قدرات الطلاب في المجالات الروحية والتعليمية والثقافية في ظل القيم الإسلامية والأصالة العربية، واكتشاف المواهب الكامنة في الطلاب والعمل على تنميتها، وغرس الصفات الكريمة والمثل العليا في نفوسهم، مما يجعلهم يمارسون العادات السليمة، والسلوك القويم، وتنمية المهارات القيادية لديهم، ودفعهم إلى التفاعل والمشاركة بإيجابية، وتنمية حب الاستطلاع لديهم، وتعويدهم البحث عن المعارف والعلوم في مظانها، وغرس حب الانتماء إلى الوطن وتاريخه وحضارته في نفوسهم، وتطوير قدراتهم، وتأهيلهم للتعامل مع التقنيات الحديثة. وتقدم المدارس منحا دراسية للطلاب المتفوقين الذين لا يقدرون على سداد الرسوم الدراسية؛ تجسيدا للمباديء الخيرة لمؤسسة الملك فيصل الخيرية.

 


من أكبر المساجد في العالم

ومن الأعمال الخيرية للراحل الكبير مسجد الملك فيصل في العاصمة الباكستانية " إسلام أباد "، وهو واحد من أكبر المساجد في العالم، وتبلغ مساحته (5000) متر مربع، ويمكنه استيعاب (80) ألف مصلِّ، وهندسته فريدة من نوعها؛ حيث بني على شكل خيمة عربية، وليس له قبة.


وتم اقتراح بنائه عام 1969 بعد زيارة قام بها الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1966، ثم أقيمت مسابقة دولية شارك بها مهندسون من (17) دولة، وفاز بها تصميم مهندس تركي،  وتم بناء المسجد عام 1986، وتكلف حوالي (130) مليون ريال سعودي تبرع بها الملك فيصل؛ لذا سمي المسجد على اسمه هو والشارع المؤدي له ..  رحم الله  الملك فيصل – فأعماله الخيرية كثيرة يصعب حصرها.