غنيمة المرزوق .."أم الخير" في الكويت ومشروعاتها الخيرية تخطت الحدود

# أول من ابتكر فكرة طبق الخير في الكويت يعود ريعه للفقراء واليتامى

# سخرت الصحافة لعمل الخير فأكسبت المنهة خيرية الكلمة والرسالة

# تكفلت بتعليم ألف طفل في ارتريا حتى  إكمال مارحلهم التعلمية

#  صاحبة مشروع قرى حنان الكويتية في السودان عام 1984م

#
جامعة قرقيزيا منحتها «الدكتوراه الفخرية» لأعمالها الخيرية في قرقيزيا


اعداد- إسراء البدر
 
     قبل أيام رحلت رائدة طبق الخير، وأم اليتامى كما يحلو للأشقاء الكويتيين تسميتها، وكما كانت تحب أن تكنى, إنها الصحفية، وراعية الأعمال الخيرية، ومؤسسة الكثير من أعمال البر والخير، الأستاذة: غنيمة المرزوق ـ رئيس تحرير مجلة "أسرتي" الكويتية, فهي لم تكن ترعى العمل الخيري فقط، لكنها رعت أقلاما صحفية, فلست أنسى أول جائزة في مجال الصحافة حصلت عليها عندما كنت في العاشرة من عمري في مسابقة للأطفال في مجلة "أسرتي" الكويتية، وكانت المسابقة إكمال قصة للأطفال, وكانت الجائزة عبارة عن دمية لأم تحمل طفلها, ولقد عنت هذه الجائزة لي الشئ الكثير؛ لأنها حفزت عندي ملكة القراءة والتأليف، واحتفظت باللعبة وأهديتها لابنتي فيما بعد.

الصحافة ورسالة الخير
الرائدة غنيمة المرزوق لم تكن بصماتها في مجال الصحافة فحسب، ولكنها كانت راعية لأعمال الخير، وسخرت الصحافة لتشجيع أعمال البر والإحسان، ليس فقط على صعيد دولة الكويت، إنما كان ذلك على المستويات العربية والعالمية, فلا أحد يستطيع أن يتجاهل أن المجتمع الكويتي كان ـ ولا زال ـ ممثلا بأفراد ومؤسسات يدا للخير في أصعدة مختلفة. وربما النشأة التي نشأت فيها الفقيدة غنيمة المرزوق في بيت عرف عنه الكرم والجود ساهم كثيرا في إثراء روح الخير ومؤازرة الغير, فلقد ولدت في حي "القبلة"، أو كما ينطقها أهل الكويت "الجبلة"، كان والدها يعمل في التجارة، وكذلك جدها لوالدها، الذي عاش في الهند. كانت الكويت تتكون من ثلاثة أحياء مشهورة، هي: 'قبلة'، 'وسط'، و'شرق'، وبعد أن أكملت دراستها الثانوية سافرت إلى القاهرة لتدرس الصحافة، لتعود بعد ذلك وتؤسس أول مجلة تعنى بشؤون الأسرة في الكويت والخليج، وهي مجلة "أسرتي".. وأم هلال - رحمها الله - كانت أول رئيسة تحرير مؤهلة ومعنية بالأسرة وقضايا المرأة، فقد حددت أهدافها في بداية عملها عندما أصدرت أول عدد من مجلة "أسرتي". وتعكس افتتاحية العدد الأول من المجلة هذه الأهداف، التي تلخصت في بناء أسرة متماسكة وسعيدة، مرتبطة بجذور ومبادئ نابعة من كوننا مجتمعاً مسلماً وعربياً، دون أن يكون هذا الارتباط عائقاً أو قيداً على حركتنا نحو الحداثة والمعاصرة، من دون الانسلاخ عن الجذور أو التحلل من القيم والمبادئ.


أول من ابتكر طبق الخير

وهي أول من ابتكر فكرة (طبق الخير) في الكويت، ليصبح بعد ذلك تقليداً يتبعها فيه كل من يريد السير على هذا الدرب من الأفراد والجمعيات، حتى نعرف كم لها من "إنجازات" في هذا المضمار. وقد كتبت الصحفية حمدية خلف كتابا عن سيرة حياة الأستاذة: غنيمة المرزوق «دانة من بحر الكويت»، شرحت فيه فكرة طبق الخير، وقالت: "كانت الفكرة ـ كما شرحتها أم هلال في اجتماع تحريري ـ أن هذا الاحتفال المزمع إقامته سنسميه مهرجان «طبق الخير»، وهي دعوة لكي يقدم كل قادر منا طبقاً للمهرجان من أي مطبخ كان، كويتياً أو تركياً أو مصرياً أو ... حسب أصناف الأكل: شرقية أو غربية، والكويت ملتقى لحضارات كثيرة وأطباق لذيذة يقدّمها المتبرع لهذا المهرجان، ويتم تسعيرها بسعر خيري، أي أكثر مما يتكلف، وعلى سبيل المثال: طبق «اللقيمات» الكويتي، وهو صنف حلو يقدّمه الكويتيون لضيوفهم مع القهوة بالهيل أو مع شاي الضحى، يتكلف ديناراً أو دينارين مثلاً، يتم تسعيره بخمسة دنانير، وهكذا يأتي الجمهور ليقتني أطباقاً يحبها بسعر مرتفع قليلاً، وتذهب حصيلة هذا المهرجان لعمل مشروع كل عام، يخدم اليتامى والفقراء من الأطفال بهذه المناسبة العزيزة على كل مسلم.. وأضافت صاحبة الفكرة: "إن لهذه الفكرة هدفاً أبعد من جمع المال لعمال الخير، لديَّ هدف تربوي من ورائه"!
     جاء موعد «طبق الخير»، وقام الإعلام الكويتي بالإعلان عن الفكرة، وكرّست غنيمة المرزوق جهودها ومكانتها لدى الأسر الصديقة والقريبة لشرح فكرتها وما وراءها، واستنفرت أسرة تحرير «أسرتي» لهذه الفكرة الإنسانية وإنجاحها، ووجدت منذ عامها الأول صدى كبيراً لدى الكويتيين. أرادت لهذا المشروع الديمومة والاستمرارية، وأن يكون نموذجاً يحتذى في تعاون مؤسستين من أجل صنع الخير، وهكذا صار المهرجان عيداً في «أسرتي» ولسيدات الجمعية الثقافية، كانت رئيستها في هذا الوقت «لولوة القطامي».
    كانت كل من: غنيمة المرزوق ولولوة القطامي تحرصان على تقديم طبق خير جميل أعد خصيصاً لهذا الغرض إلى سمو أمير الكويت في ذلك الوقت، المغفور له الشيخ جابر الأحمد، يدفع للطبق الأول الفائز مبلغاً قيماً؛ تشجيعاً لعمل الخير وهدفه، وكان تبرع سموه السخي يضاف إلى ريع المهرجان، ويرفع من حصيلته المادية والمعنوية بشكل كبير، وكانت المفاجأة الحقيقية أن يخصص دخل المهرجان في كل عام لإقامة قرية في بلد يحتاجها، تضم وترعى وتأوي وتعلم في كنفها الأطفال اليتامى. بدأت بقرية «حنان» في لبنان بعد الحرب الأهلية التي خلّفت المئات من الأطفال اليتامى بلا أب أو أم، أو من دونهما معاً، وسميت قرية «حنان الكويت في لبنان»، ثم تبعها من نفحات «طبق الخير» مشروع أكثر ضخامة هو قرية (حنان السودان).
 
افتتاح مدرسة في باكستان من تبرعات غنيمة المرزوق
 
امراة
بألف رجل
هي بنت بألف رجل ـ كما وصفها الكاتب المصري رجاء النقاش ـ الذي عرفها من «بيت الكويت» بالقاهرة، وزاد إعجابه وتقديره لها عندما قام الزعيم الإريتري عثمان صالح سبي بزيارة للسيد رجاء في مكتبه بمجلة الدوحة، وراح يحدثه عنها وعن ذهابها لإريتريا، وتكلفها بتعليم ألف طفل إريتري إلى حين إكمال مراحلهم الدراسية. وكانت قبل ذلك صاحبة مشروع (قرى حنان) الكويتية في السودان عام 1984، وفي لبنان بعد الحرب الأهلية، لإيواء اليتامى، وتعليمهم، وتدريبهم على حرفة يعتاشون من ورائها بتعبهم وجهدهم.
     وقد جاء في كتاب «دانة من بحر الكويت»، والذي وثق حياة غنيمة المرزوق, جاء على لسان عبداللطيف الهاجري ـ مهندس متخرج من أكبر الجامعات الأميركية، آثر أن يتفرغ للعمل الإسلامي لإيمانه به، وهو مدير عام القطاعات في لجنة الرحمة العالمية ـ: "الوالدة غنيمة سمعت عنها قبل أن أراها، كان ذلك في بداية عملنا الخيري، كانت ترسل بانتظام في مناسبات مختلفة مبالغ ولا أعرف من يرسلها، ولكنني أعرف فقط أن من يرسلها اسمها غنيمة، كنا ثلاثة أشخاص ذهبنا لمقابلتها بعد أن اتصلنا بها، واكتشفنا أن المحسنة المجهولة هي غنيمة المرزوق، ذهبت أنا والشيخ أحمد الدبوس وجمال عبد المنعم، أحد الإخوة العاملين معنا، كانت لدينا خطط وأفكار لما تريد معرفته عن عملنا، فوجئنا بها تقول: (أي مشروع كبير هاتوه لي أنفذه)".
 
 
لجنة زكاة عثمان وكان لـ غنيمة دور كبير في انشاءها
 
أم الخير
وعندما سئل الهاجري عن اللقب الذي يمكن أن يلقب به غنيمة المرزوق, أجاب: «حقيقة ممكن أن اسميها اسماً لا يفهمه الآخرون جيدا، لكنني أنا من واقع عملي معها ومعرفتي بما تفعل اسميها «أم الخير»؛ لأن أي شخص يعرض عليها خيراً للمسلمين والمحتاجين ما ترده، ولأنها تضع بصمتها في كل مشروع تقيمه، وكل عمل كبيراً كان أم صغيراً، ولهذا السبب يقلد مشاريعها الكثيرون، وهي تستحق عن جدارة هذا اللقب، كما يمكنني ـ أيضا ـ أن اسميها «أم الأيتام»؛ فللامانة لا يوجد مشروع للأيتام إلا وكان لها السبق الأول، ولها عندنا في اللجنة أربعة مشاريع تخص الأيتام، وأكبر المشاريع لدينا يكون لها السبق فيها".
    ولقد تحدث الفصل الثالث من كتاب ( دانة من بحر الكويت ) عن حياة الراحلة وتأثرها بشخصية  رسول الإنسانية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ، ولأنها تأثرت بهؤلاء، وترى في الدين القيم مظلة وملاذا للفكر والقيم؛ انعكس ذلك على حياتها فكرا وعملا.
      وتقول إن صنَّاع الحضارة الإسلامية الدعاة والعاملون في المجالات الخيرية والإنسانية، وتخص بالتقدير «صندوق إغاثة المرضى»، الذي أسسه ويديره مجموعة من الأطباء الكويتيين، ويقوم بدور فاعل فيه الدكتور عادل التوحيد، وهدفه مساعدة المرضى (غير الكويتيين) في الكويت، مثل: مرضى السرطان والكلى والكبد الوبائي، وهناك مساهمون كثيرون من المحسنين الكويتيين في هذا الصندوق يمدونه بالدعم، لذلك يقوم بدور حضاري، ويؤدي رسالة إنسانية كبيرة لهذه الفئة.
 
 
مركز السيدة غنيمة المرزوق أحد المشاريع الخيرية الإسلامية للراحلة في ألبانيا
 
 مشاريع خيرية
 
مشاريع خيرية ساهمت فيها الاستاذة غنيمة المرزوق:
● مساهمة بالوقف الخيري لتعليم أبناء المسلمين في أمريكا، والذي أنشأه الطبيب عمر الألفي وزوجته.
● مساهمة بشراء مبنى لمسلمي إنكلترا بمدينة نورويتش أونوريج.
● إنشاء جامعة في قرغيزيا بدول آسيا الوسطى.
● إنشاء كلية ثانوية في كشمير.
● إنشاء كلية للبنات في ألبانيا.
● إنشاء كلية فهد المرزوق في باكستان.
● إنشاء مدرسة في سراييفو.
● إنشاء مصنع للألبسة في البوسنة.
● إنشاء مشروع (الوردة الجريحة) في البوسنة للمسلمات اللواتي تعرضن للاغتصاب.
● المساهمة في صندوق إعانة المرضى بتقديم أطراف صناعية لضحايا حرب الشيشان.
• شاركت في تأسيس العمل التطوعي للمرأة الكويتية، مثل: دعوتها إلى مهرجان "طبق الخير"، ودعوة الجمعية الثقافية النسائية لمشاركتها في تطبيق الدعوة.
 
 
أم القرقيزيين 
 
      اهتمت الفقيدة كثيرا بالعمل الخيري، ولها بصمات كثيرة على التعليم في الخارج، ومنحتها جامعة قرقيزيا درجة «الدكتوراة الفخرية»؛ لأعمالها في مجالات الخير في قرقيزيا.
    وقد تم تكريمها من قبل الأمانة العامة للعمل الخيري بجمعية الإصلاح الاجتماعي؛ تقديرا لجهودها ومساهماتها وتبرعاتها السخية في مختلف المجالات الخيرية في الكويت وخارجها، ولحصول جامعة محمود قشغري بجمهورية قرغيزيا - التي تبرعت أم هلال ببنائها - على جائزة دولية لمساهمتها في تطوير التعاون بين أوروبا وآسيا، ولتقوية العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول بنتائج نشاطها على مدار 11 سنة منذ تأسيسها، وذلك في إطار لقاء «قمة رؤساء أكسفورد» في بريطانيا في عام 2010م، فتعدى أثرها العمل الخيري والتعليمي إلى الأثر الاقتصادي والثقافي الدولي.
    وكان الحفل برعاية المستشار راشد الحماد ـ نائب رئيس الوزراء ـ، ووزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومن اللطائف كلمة الشيخ د. جاسم مهلهل الياسين، التي قال فيها: "لغنيمة المرزوق من اسمها نصيب؛ فهي «غنيمة» للعمل الخيري ولبلدها ولشعبها وأولادها وأرحامها، و«مرزوق» بأن جعلت الدينار في مكانه ومحله، وهذا بتوفيق الله، يوفق الإنسان في اسمه وعمله".
      أما نائب سفير قرقيزيا في السعودية فقد قال: "أنا أحد خريجي الجامعة الكويتية القرقيزية، التي أنشئت على يد من يعشقون البذل في ميادين الخير، وأهل قرقيزيا أحبوا أهل الكويت في الله، وأولهم أمنا غنيمة فهد المرزوق.. أم هلال، بل أم القرقيزيين".
     لقد رحلت غنيمة المرزوق ولكن أعمالها خالدة في نفوس من قدمت لهم العطاء وبذلت لهم المعروف، وستثمر على مر الزمن ـ إن شاء الله ـ أجيالا تحذو حذوها في البذل والعطاء والإيثار والتفاني في أعمال الخير.