محمد عبده يماني .. رجل العمل الخيري

 


أهالي مكة وجدة ودعوا الفقيد بحب جارف وحزن عميق


 كتبت: مروة رسلان


وصفه وزير الثقافة والإعلام السعودي ـ عبد العزيز خوجة ـ  بأنه "رمز من رموز العمل في الخدمة الإنسانية"، وهذا هو الوصف الدقيق  الذي ينطبق على الدكتور: محمد يماني ـ وزير الإعلام السابق، والمفكر الإسلامي والجيولوجي القديم ـ صاحب الأيدي  البيضاء على الكثير من الجمعيات الخيرية، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم بشكل خاص، حتى إن آخر كلماته كانت دفاعا عن  جمعيات تحفيظ القرآن في مكة المكرمة، والتي ساهم في تأسيسها.


عمله الخيري


وبذلك  يعتبر يماني من الشخصيات الإسلامية الاجتماعية  الناشطة  التي أثرت العمل الخيري بعد تقاعده من العمل الحكومي،  فكان الدكتور يماني رئيسا لعدة جمعيات تعنى بهذا المجال، منها: جمعية "أصدقاء القلب"، وجمعية "اقرأ"، كما أنه رأس  مجالس إدارة اثنتي عشرة مؤسسة وشركة تُعنى بمجالات الثقافة والنشر والصحة والعلوم والتعليم والتنمية، بعضها محلية، وأكثرها عربية وعالمية. ولا ننسى  مساهمته في  العديد من المؤسسات الخيرية  و تبرعاته الخيرية  لها،  كتبرعه بـمبلغ  18 مليون ريال لترميم مقبرة "حواء" بجدة.


ولا ننسى  جهود الراحل التي ساهمت  في إنشاء مساكن للفقراء بالقرى التابعة لينبع، من خلال عرضه لظروف هؤلاء الفقراء أمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث تكللت جهوده بإنشاء المشروع السكني للفقراء والمحتاجين في قرية" النباه" بمحافظة ينبع. وترجع قصة بناء هذه القرية عندما زار الراحل قرى ينبع النخل، وقرى ينبع البحر، وبالأخص قرية النباه، والتي تبعد 60 كم شمال ينبع  البحر، وعندما رآها أخذ يردد أنه لن يسامحنا الله، نحن نشرِّق ونغرِّب لخدمة  الناس، وهذه الأوضاع في بلادنا! وما هي إلا أيام قليلة ويتبرع ولي العهد  بمبلغ مالي لجمعية البر بينبع، والذي ساعد في أقامة قرية للأسر من المحتاجين، فتم تشييد خمسين وحدة سكنية  لأهل النباه، ليستكمل البناء في عهد  خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ويصبح مجموع الفلل السكنية يتجاوز المائتي وحدة سكنية، فتصبح قرية البناة مدينة حديثة تتوافر فيها كل مقومات الحياة بعد أن كانت مساكن أهلها الصناديق والعشش.


 


يماني كان حاضرا في أبرز المناسبات


عمله الدعوي


بالإضافة إلى مجهوده الدعوي، فقد كان يمتلك ـ رحمه الله ـ الصفات الحميدة والمزايا الإنسانية النبيلة التي خلقت منه " داعية إسلاميا"،  فطاف الكثير من الدول في مختلف بقاع العالم في سبيل الدعوة والإرشاد والتوجيه والنصح ونشر الدين الإسلامي، فكان المحصول الذي جناه دخول المئات من الرجال والنساء إلى دين الإسلام، حيث أصبح سفيرا في الدعوة إلى الله، سفيرا بصفاته الحميدة ومزاياه النبيلة الإسلامية، لا بمنصبه الرسمي؛ فقد كان يتمتع بروح عالية، ومعنويات متفردة،ولم تخل أحاديثه أو ندواته ومحاضرته من الدعابة أو الفكاهة  التي عرفها الجميع عنه.


محراب العلم


وهذا يوضح لنا أن يماني ـ رحمه الله ـ كان محبا لوطنه ومدينته مكة المكرمة، التي ولد فيها في عام 1940، وتلقى تعليمه الأولي بالحرم المكي الشريف، ودرس المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية بمدارس الفلاح، وتخرج فيها عام 1963. ونال يماني درجة بكالوريوس العلوم تخصص جيولوجيا من جامعة الملك سعود عام 1967، ثم حصل بعدها على الماجستير في الجيولوجيا من جامعة كورنيل بأميركا، كما حصل عام 1970 على الدكتوراة فيها، وعمل معيدا بكلية العلوم جامعة الرياض (الملك سعود) عام 1967، ثم محاضرا، ثم أستاذا مساعدا، ثم أستاذا، فوكيلا لوزارة المعارف للشؤون الفنية عام 1972، فوكيلا لجامعة الملك عبد العزيز، ثم مديرا لجامعة الملك عبد العزيز، فأهتم بالشأن التعليمي والبحثي، وأسهم إسهامات كان لها أثر واضح، فاستطاع أن يجعل للجامعة دورا مهما في المجتمع الأكاديمي، حتى تم تعيينه وزيرا للإعلام خلال الفترة من1975-1983، فكان له دور بارز في تطوير الإعلام إبان توليه الوزارة، وتفانيه في تقديم الرؤى لتقدُّم هذا البلد، فخرج من وزارة الإعلام تاركا بصمة لن تنسى؛ فأصبح واحدا من أبرز وزراء الإعلام في السعودية. و أخيرا عودته مرة أخرى إلى محراب العلم  بجامعة الملك عبد العزيز في جدة ليعمل أستاذاً للجيولوجيا فيها مرة أخرى، وكان بهذا  أول من يحاضر بعد تركه الوزارة، فأصبح  من  الشخصيات النادرة التي تحولت بعد التقاعد لعمل أقل.


 


شارك الناس في أفراحهم واتراحهم


موقف نبيل


وتفرغ  للأمور الاجتماعية ومساعدة الناس والمحتاجين من خلال تقديمه الشفاعة لكل من يطلب مساعدته، لذلك لم يكن يفرغ مكتبه الموجود  في برج دلة بجدة من الوفود التي تتقاطر عليه من الزائرين والمحتاجين. ومن مواقفه النبيلة التي تشهد على دماثة خلقه وحبه للخير وتواضعه الجم،  موقفه في تأمين كل احتياجات الإعلاميين دون أن يترك هذا الأمر للعاملين معه، وذلك كان عند وفاة الملك خالد ـ رحمه الله ـ في عام 1982، حيث كان الصحفيون والمراسلون متواجدين في المطار في استقبال الوفود المعزية، وكان هو شخصياً حريصا على تأمين الوجبات للصحفيين، ويشرف على ذلك بنفسه؛ حرصاً منه على دورهم المهم، في وقت كانت الوفود السياسية تصل على مدار الساعة.


مفكر إسلامي


وبذلك  كسب خلال سنوات عمله التقدير والاحترام في المشهد الفكري والثقافي العربي، في ظل ارتباط معظم مؤلفاته الخمسة والثلاثين  بسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآل بيته والصحابة، وغيرها من الموضوعات الإسلامية، ومن أهمها كتابه الشهير " علموا أولادكم محبة رسول الله "، حيث اعتمد ـ رحمه الله ـ على العقلانية والحكمة والموعظة الحسنة في التعامل مع الجمهور، متخذا نظريته الوسطية في كافة تعاملاته؛ مما جعله في مقدمة المثقفين والمفكرين في العالم العربي والإسلامي .


كوماندوز


مما جعله جديرا للحصول على عدد من الجوائز والأوسمة العربية والعالمية في المجال الإنساني، فنال وشاح الملك عبد العزيز، و الذي يعد من أعلى الأوسمة والمنح الملكية  التي تمنحها الحكومة السعودية لصاحب الإنجاز والعطاء، كذلك نال الميدالية التقديرية من حكومة أبو ظبي، والميدالية التقديرية من حكومة قطر، وبراءة وسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى من الملك حسين، وبراءة وسام الاستحقاق الوطني درجة ضابط أكبر من رئيس جمهورية فرنسا، ووسام إيزابيل لاكوتولييكا الكبير مع براءته من ملك إسبانيا، ووسام (مهابوترا أوبيروانا) مع براءته من جمهورية إندونيسيا، وسام برتبة قائد (كوماندوز) من جمهورية موريتانيا. 


رحيل


رحل الدكتور: محمد يماني، الرجل البار بوالديه، رجل الخير المؤتمن على أموال الغير لتوزيعها على الفقراء. رحل وترك لنا مدرسة من المثل و الأخلاق والأمانة. ورحيله خسارة لن تعوضها الأيام؛ فقد فقدنا عمادا من أعمدة العمل الخيري الإسلامي، فقد كان الراحل مهتما بقضايا العمل الخيري حتى آخر لحظات في حياته؛ فقبل وفاته كان اليماني  يناقش شؤون  أمر حلقات القرآن أثناء اجتماعه مع أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل،  وأصيب هناك بجلطة دماغية، نقل على إثرها إلى المستشفى السعودي المستشفى الألماني، بجدة وفيها فارق الحياة عن عمر يناهز 70 عاما.