مساجد القارات الست تبكي رجل الخير الكويتي ..محمد عبدالمحسن الخرافي

* أسس 23 مسجدا في الكويت وقارات العالم الست


* أقام 18 مركزا تطوعيا لتدريب الحاسب الآلي بالكويت وبوركينافاسو ومالاوي وغينياو مالي و إندونيسيا و بنجلاديش وكمبوديا


*أنشأ قرية للفقراء في سيرلانكا وقام بتجهيز منازل للمحتاجين في البحرين ولبنان وألبانيا


*أوفد مجموعة من  التائبين عن تعاطي المخدرات لتأدية الحج والعمرة على نفقته الخاصة


 


القاهرة: كمال حسن


استطاع الشيخ الراحل محمد عبد المحسن ناصر الخرافي عبر مسيرة طويلة في العمل الخيري أن يعيش حياة أخرى ممتدة بعد رحيل جسده، من خلال مشروعاته الخيرية في الكويت ودول أخرى، وضع لبنتها الأولى فرعاها من بعده الأولاد والأحفاد؛ فكما جاء في كتاب "محسنون من بلدي "، الصادر عن بيت الزكاة الكويتي، وهو كتاب يشمل السير العطرة للمحسنين الكويتيين الذين توفاهم الله تعالى، فإن مؤسسات خيرية سميت باسمه، منها: مدرسة ومعهد محمد عبد المحسن الخرافي (السنغال)، وقاعة محمد عبد المحسن الخرافي، ومدرسة محمد عبد المحسن الخرافي بالكويت. ولم تشغل الخرافي عن مسؤوليته الاجتماعية ـ كرجل أعمال مسلم ـ مسؤوليات مناصبه السياسية والاقتصادية العديدة؛  فقد تولى عدة مناصب، منها: رئيس مجلس إدارة البنك الوطني الكويتي، والنائب الأول لرئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت، ورئيس لجنة تنمية الصناعة في وزارة التجارة، وعضو بالغرفة الخليجية للتجارة والصناعة، وعضو في مجلس المعارف، وهو من مؤسسي الخطوط الجوية الكويتية، وعضو مجلس إدارة شركة ناقلات النفط الكويتية، ومؤسس مجموعة الخرافي سنة 1956، وهو والد ناصر الخرافي ـ رئيس مجموعة الخرافي الحالي ـ وجاسم الخرافي ـ رئيس مجلس الأمة الكويتي.


المولد والنشأة


       ولد محمد بن عبد المحسن بن ناصر بن عبد المحسن بن حسن بن عبد الله الخرافي في منطقة القبلة بمدينة الكويت، عام 1919م. و ينتمي إلى عائلة عريقة، تعود أصولها إلى قرية " الزلفى"، إحدى قرى منطقة نجد في الجزيرة العربية. وكان جده  "ناصر" يمتلك  سفناً للنقل الشراعي، وكان الجد يعتمد على ابنه عبدالمحسن، الذي تعلم أصول التجارة من خلال أسفاره المتعددة؛ فكان الساعد الأيمن لوالده. وبعدما شب وأصبح قادراً على الكسب تزوج، ورزقه الله تعالى في عام 1338هـ (1919م) بمولود أسماه محمداً؛ تيمناً باسم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وصار "محمد" وحيد أبويه؛ فانعقدت عليه الآمال العريضة بعد أن مات كل إخوته صغاراً. وعندما بلغ محمد الخرافي السادسة من عمره التحق بالكتاب، ثم التحق بمدرسة الملا محمد صالح العجيري، وفي تلك المدرسة أتقن القراءة والكتابة، وتعلم تجويد القرآن الكريم. وعندما كبر واتسعت  أنشطته التجارية عقب ظهور النفط كان لديه إيمان مطلق وعقيدة لا تتزحزح أن في ماله حقا معلوما للسائل والمحروم؛ ففتح بابه لكل محتاج، ولم يرد سائلاً أبداً. وقد كان حريصاً على أن يكون ذلك سراً بينه وبين ربه؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وأوصى ذريته من بعده بالاستمرار في أعمال الخير.


أعمال خيرية متنوعة


تنوعت الأعمال الخيرية للراحل الكبير، ولم يقصرها على نشاط معين؛  ففي مجال "عمارة المساجد" داخل الكويت: قام  ـ رحمه الله ـ ببناء عشرة مساجد، توزَّعت في المدارس والمراكز التعليمية الكويتية؛ فقد كان يدرك دور المسجد في الإسلام. كما أسس مسجداً باسم والده المرحوم عبدالمحسن ناصر الخرافي ووالدته المرحومة نورة أحمد الخرافي، في منطقة البدع بالسالمية.


أما خارج الكويت، فشيد – رحمه الله – ثلاثة عشر مسجداً، توزعت في معظم قارات العالم؛ ففي  قارة إفريقيا  قام – رحمه الله – ببناء ستة مساجد في كل من: ساحل العاج، والسنغال، وغينيا بيساو، وتوغو، والنيجر، وغينيا كونكري. وفي قارة آسيا قام ببناء ثلاثة مساجد: اثنان منها في لبنان، والثالث في بنجلاديش. وفي أوروبا وأمريكا قام بتشييد أربعة مساجد: اثنان منها في أمريكا، والثالث في هولندا، والرابع في إنجلترا.


دور للأيتام في 4 دول إفريقية


- أما في مجال رعايته للأيتام، فقدم  – رحمه الله – الدعم المادي للكثير من الجمعيات الخيرية التي ترعى اليتامى؛ لتمكينها من القيام برسالتها، فقام بإنشاء دُورٍ كاملة للأيتام تتكفل بتربيتهم، وتعليمهم، وتوفير كافة متطلباتهم، منها: دار الأيتام في بوركينا فاسو، ودار الأيتام في مالي، و دار الأيتام في سيريلانكا، و دار المؤمنات في دولة مالاوي. كما أسهم في تأسيس العديد من المراكز الإسلامية بالشكل العصري، ليشمل المركز، بجانب المسجد ومصلى النساء، المستوصف الطبي، والصيدلية، والمكتبة، وفصول الدراسة، وقاعة المحاضرات، وصالة الألعاب، وغرف التدريب المهني.. ومن هذه المراكز المركز الإسلامي في بوركينافاسو، المركز الإسلامي في مالاوي، المركز الإسلامي في غينيا بيساو، المركز الإسلامي في مالي، المركز الإسلامي في إندونيسيا، المركز الإسلامي في بنجلاديش، المركز الإسلامي في كمبوديا.


ولأنه ـ رحمه الله ـ فهم الإسلام، وعرف أنه دين العلم؛ فقد ساير العصر في تطوراته التكنولوجية؛ فاهتم بنشر العلم من خلال المدارس والمعاهد التي شيدها. ومن العلوم التي كان يحرص على نشرها في المجتمع علوم الحاسوب (الكمبيوتر)؛ فقد كان يؤمن بأن الأمة بحاجة إلى علم الحاسوب وما يستجد فيه من نظريات وتطبيقات؛ ولذلك بادر إلى فتح العديد من مراكز الكمبيوتر، فأقام داخل الكويت أحد عشر مركزاً للحاسوب في بعض المدارس، والمعاهد، ومراكز الشباب، وبيوت القرآن الكريم، والسجن العمومي (سجن طلحة). وخارج الكويت أقام  معهد التدريب على الحاسوب في بوركينا فاسو، و معهد التدريب على الحاسوب في مالاوي. وتؤدى هذه المراكز دورها في خدمة الجهات والمؤسسات المعنية بأيسر الطرق وأسرعها، ويتابع أبناؤه هذه المراكز بالرعاية والاهتمام؛ لتحديث الأجهزة وإصلاحها.


وعي بمفاهيم التنمية المستدامة


وفي ضوء فهمه كرجل أعمال وسياسي ناجح لمفاهيم الصدقة الجارية القريبة من مفهوم التنمية المستدامة؛ حرص الراحل الكبير  على تهيئة الشباب للعمل المهني، وتدريبهم على الأعمال الحرفية والمهن الصناعية التي يحتاجها المجتمع، خاصة في الدول الإسلامية ذات الكثافة السكانية العالية، والتي توجد فيها أعداد كبيرة من الشباب بلا عمل، فأنشأ  ورشة تأهيل في مدينة جدو بالصومال، بإشراف جمعية محبة الإسلام، و مركز تدريب في مدينة دكار في السنغال، بإشراف بيت الزكاة، و معهدا للأيتام في مدينة بوقور بإندونيسيا، بإشراف جمعية إحياء التراث الإسلامي، و معهد تدريب مهني في مدينة فاكها دنوي في سيريلانكا، بإشراف بيت الزكاة، ومعهد تدريب (ميكانيكا) بمدينة كنانور بالهند، بإشراف جمعية المقر السني. وفي داخل دولة الكويت أقام مجمع ورش في مدرسة عبدالمحسن ناصر الخرافي المتوسطة للبنين في منطقة بيان؛ وذلك لتدريب الطلبة على مزاولة الأعمال الحرفية والصناعية المهمة في الكويت.


منازل الفقراء


ولبَّى الشيخ محمد عبدالمحسن الخرافي دعوة بيت الزكاة في الكويت لبناء قرية للفقراء في سيرلانكا تضم 20 منزلاً. و قام بتجهيز منازل للفقراء في كل من البحرين ولبنان وألبانيا، بإشراف بيت الزكاة أيضاً، كما قام  ببناء العديد من الصالات والقاعات لدعم الجهود الإنسانية والخدمات الاجتماعية؛ فداخل الكويت أسس قاعة محاضرات لجنة التعريف بالإسلام؛ لاستقبال الداخلين الجدد في الإسلام، وتلقينهم الشهادة، وتعريفهم بالإسلام. ويبلغ عدد الذين يعلنون إسلامهم في هذه القاعة سنوياً ما يقارب ألف مهتدٍ. وكذلك  صالة للمؤتمرات في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، ومركز تدريب ومحاضرات بالأمانة العامة للأوقاف بالدسمة، و صالة اجتماعات وندوات بثانوية الجزائر (بنات) بالشامية، و صالتا تسجيل بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت في كيفان، و صالة في مقر اتحاد الطلبة بالقاهرة في جمهورية مصر العربية الشقيقة، و قاعة متعددة الأغراض في مانشستر بإنجلترا، وذلك بإشراف مجلس أمناء المدارس الإنجليزية.


وأسهم الخرافي في دعم اللجان الخيرية الكويتية، وكان – رحمه الله – يشعر بتعاطف كبير تجاه إخوانه المسلمين المحتاجين في كل مكان؛ فحرص على أن يقدم لهم خدماته للتيسير عليهم، وإصلاح أحوالهم، فقام  بشراء الأراضي والمزارع وملَّكها للفقراء والمساكين في عدة دول، ومن ذلك شراء مزرعة أبقار في بوركينا فاسو، ومزرعة أسماك في بنين، ومزرعتي حمضيات وأرز في تشاد، وتمليك هذه المزارع للفقراء والمساكين في هذه الدول. كما قام بشراء عقار ووقفه في مالاوي؛ ليستفيد المسلمون من ريعه في سد احتياجاتهم. وكان هدفه من شراء هذه المزارع والعقارات والأراضي، وتمليكها الفقراء والمساكين؛ توفير مصدر دائم للرزق لهم، من خلال الاعتماد على النفس، دون مد الأيدي لسؤال الآخرين.


وحرص الراحل الكبير على إدخال البهجة إلى قلوب الفقراء الذين يتوقون إلى حج بيت الله الحرام ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً؛ فقام بإيفاد (50) مسلماً كل عام لأداء فريضة الحج على نفقته الخاصة. و مجموعة من طلبة البعوث الأفارقة والآسيويين – الدارسين بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بالكويت، وكذلك أبناء دور الرعاية الاجتماعية – إلى الديار المقدَّسة لأداء العمرة، و مجموعة أخرى من التائبين عن تعاطي المخدرات، بإشراف لجنة بشائر الخير.    


رعاية المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة


وفي مجال رعاية المعوقين، شيد مطبعة لطباعة الكتب الخاصة بالمكفوفين بطريقة (برايل) في شهر إبريل عام 1996م، وكانت أحدث مطبعة بالشرق الأوسط في ذلك الوقت، حيث تقوم بطباعة هذه الكتب للدول الخليجية والعربية والإسلامية. وقام ببناء صالة ألعاب رياضية خاصة بالمكفوفين، مع توفير كل تجهيزاتها داخل مدرسة النور. ووجه اهتماماً خاصاً لفئة أطفال الداون (المنغوليين)؛ حرصاً منه على رعايتهم ومساعدة ذويهم في علاج مشكلتهم، وذلك من خلال تجهيز فصول خاصة بهم في خمس مدارس رياض أطفال بمختلف المحافظات، وإشراكهم مع الأطفال الأصحاء. كما قام بإنشاء مركز لتوفير الرعاية المنزلية للمسنين بالسرة، وقد خُصَّص لها فريقان طبيان مع سيارتين مجهزتين تقومان بخدمة المريض مجاناً داخل منزله، من خلال زيارته أكثر من مرة في الأسبوع، وإراحته بذلك من عناء التنقل إلى المستشفيات، وخاصة العجزة وكبار السن. وأنشأ ناديا للطفل في جناح الأطفال بمستشفى الصباح، بإشراف صندوق إعانة المرضى. وقام بتجهيز مركز رابطة السكر بمنطقة كيفان؛ ليؤدي دوره في علاج مرضى السكر بالكويت، وإعداد البرامج العلاجية لهم، وتقديم الخدمات العلمية للمختصين، إضافة إلى تنظيم المؤتمرات والندوات الخاصة بشؤون مرضى السكر. وقدم الدعم المالي لصندوق إعانة المرضى، فضلاً عن دعم بعض المرافق الصحية في البلاد، مثل: مستشفى الرازي، ومستشفى ابن سينا، ومستوصف الشامية. وخارج الكويت شيَّد مدارس خاصة للمعوقين والمكفوفين في كل من: الهند، وباكستان، وسيلان (سريلانكا)، و زودها – يرحمه الله – بكل ما يحتاجه المعوقون من وسائل الرعاية والتعليم الكفيلة بالمساهمة في حل مشاكلهم، ومساعدتهم على أن يكونوا أعضاء منتجين في مجتمعهم.


أياد بيضاء في العلم النافع


ومن إسهامات الراحل الكبير في دعم الأنشطة العلمية، أنه كان أحد مؤسسي مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، و أنشأ خمسة مختبرات لغوية في كل من: مدرسة الشامية المشتركة للبنات بمنطقة الشامية، ومدرسة خولة المشتركة للبنات بمنطقة الشويخ، ومدرسة عبدالعزيز حسين للبنين بالشويخ، ومدرسة عبدالمحسن ناصر الخرافي للبنين في منطقة بيان، ومدرسة الجزائر مقررات – بنات في منطقة الشامية. و أقام مختبراً للعلوم في مدرسة المنصورية المشتركة بمنطقة المنصورية. و أنشأ فصولاً دراسية في مركز تقويم الطفل بالشويخ. و أقام معرضاً علمياً متنقلاً، ومجهزاً بأحدث الأجهزة العلمية، في النادي العلمي. و أنشأ مكتبة مدرسية في مدرسة خولة المشتركة للبنات بالشويخ.


أما  خارج الكويت، فحرص ـ رحمه الله ـ على تهيئة الظروف التربوية والتعليمية للنهوض بأبناء المسلمين في كل مكان؛ فشيَّد مدرسة في كل من: الصومال، والسنغال، وبوركينا فاسو، ومصر، وغينيا كوناكري، وغانا، وتشاد، وبنجلاديش، ولبنان، وغينيا بيساو. و امتد نشاطه العلمي إلى أمريكا؛ حيث بنى مدرسة بولاية ميرلاند، وشارك في بناء مدرسة أخرى بولاية شيكاغو، وأقام مركزاً علمياً في واشنطن يعرف باسم (دار الأرقم). وأقام معهداً للغات في مدينة لكهنؤ بالهند، كما أقام مكتبة في غينيا بيساو، وساهم بدفع رواتب المدرسين العاملين في بعض المدارس الإسلامية في النيجر، بالتعاون مع بيت الزكاة في الكويت. وخصص الكثير لإعادة تأهيل كلية العلوم بجامعة الكويت بعدما شب حريق هائل في الكلية، في بداية العام الدراسي 1987م، وأتلف أقساماً علمية بكاملها – وهو ما هدد بتوقف الدراسة فيها، وتعريض الطلاب وإدارة الجامعة لمشكلة ضياع الوقت في انتظار إصلاحها –، وفور علمه بما جرى سارع لإصلاح الكلية، وإعادة تأهيلها للدراسة، وانتظم الطلاب في دراستهم مرة أخرى. وساهم في تأسيس إذاعة داخلية في واشنطن بأمريكا لخدمة التجمع الإسلامي.


هكذا نهاية حياة حافلة بالعطاء


وخلال الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت قام محمد الخرافي الوطني بتقديم المساعدات العاجلة لعدد من أبناء الكويت في الخارج، الذين نزحوا عن الوطن فراراً من بطش المحتلين، وقدم العون المادي لعدد كبير من  الجمعيات الخيرية الكويتية  التي وجدت نفسها بعد الغزو في مأزق مالي صعب يهدد بتوقف أنشطتها الخيرية. واستمر عطاء الراحل الكبير حتى آخر أيام حياته في السادس من سبتمبر عام 1993م، الموافق لعام 1414هـ، حيث وافته المنية بعد مسيرة عطرة في العمل الإنساني.