الشيخ محمد بن صالح بن سلطان .. رجل الأعمال الذي أدرك أن ماله لله

* نشأ يتيما فكان همه الأول رعاية الأيتام والأرامل


* اهتم ببناء المساجد ودعم الجمعيات الخيرية وتأسيس جيل يحفظ كتاب الله  


* أعماله الخيرية لم تقتصر على المملكة وامتدت للأقليات المسلمة شرقا وغربا


 


كمال حسن - القاهرة


 


أدرك الشيخ محمد بن صالح بن سلطان ـ رحمه الله ـ  المتوفى  15 رجب 1424هـ، في وقت مبكر من حياته مسؤوليته الاجتماعية فيما منحه الله تعالى من نِعَم وخيرات؛  فراعى حقوق الفقراء والمساكين والأيتام في مال الله الذي استخلفه فيه، فالراحل الكبير كان مثالا لرجل الأعمال المسلم، وكانت أعماله محل تقدير القيادة الحكيمة في المملكة العربية السعودية، " حيث حصل الفقيد الكبير على درع من الأمير سلمان بن عبد العزيز ـ أمير منطقة الرياض، رئيس جمعية البر الخيرية ـ لدعمه الجمعية، ومساهمته في مجلس إدارتها حتى عام 1422هـ، وشهادة تقدير من أمانة مدينة الرياض؛ تقديرا على توليه رئاسة المجلس البلدي حتى عام 1392هـ، وشهادة تقدير وشكر من الرئاسة العامة لجماعة حركة الدعوة الإسلامية في جمهورية سيراليون، وشهادة شكر من لجنة أصدقاء المرضى؛ تقديرا لدعمه المادي، ودرع تكريم من مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر؛ تقديرا لإسهاماته في القطاع الخاص والقطاعات الصحافية والخيرية.


اليتيم وهموم اليتامى


ولد الشيخ محمد بن صالح بن سلطان ـ رحمه الله ـ يتيماً في مدينة حريملاء بقرب العاصمة الرياض عام 1337هـ حيث توفي والده في سن مبكرة؛ فكان في رعاية عمه  الذي اقترن بوالدته آنذاك، وتلقى الشيخ الراحل  تعليمه الأولي في كتاتيب حفظ القرآن الكريم، ثم سافر في سن مبكر من حريملاء إلى الرياض بمعية الشيخ حسن بن محمد بن دغيثر. وفى مرحلة الشباب التحق ـ رحمه الله ـ  بالعديد من الأعمال الحكومية، من بينها: كاتب للبرقيات في ديوان الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ، وتدرج في المناصب حتى وصل  عام 1383هـ   لمنصب رئيس مكتب الشؤون الإسلامية في الديوان الملكي. واستمر عمله حتى تقاعد من الإدارة الحكومية عام 1384هـ، وثم انتقل إلى العمل الاستثماري الخاص، فكان عضوا مؤسسا في مجلس إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية، ثم رئيساً لمجلس الإدارة، حيث تكرر انتخابه رئيسا للمجلس على مدى عشرين عاماً حتى وفاته ، رحمه الله.


وساهم ، رحمه الله ، في  العديد من الأعمال الخيرية داخل وخارج المملكة؛ فقد كان عضوا رئيسيا  في  بعض اللجان التي شكلت لجمع التبرعات لبعض الشعوب الإسلامية لمواجهة الكوارث والمحن التي تعرضوا لها، فكان قلبه ينبض مع كل محنة تلم بالمسلمين داخل بلاد الحرمين وخارجها، فقد  خصص  من ماله وأرباحه السنوية  دعماً سنوياً لمعظم الجهات والمؤسسات الخيرية داخل المملكة، والتي يزيد عددها عن ( 400 ) جهة، منها الجمعيات الخيرية التي تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية، والجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، ولجان أصدقاء المرضى، ومكاتب توعية الجاليات والدعوة والإرشاد، بالإضافة إلى هيئة الإغاثة الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي.  


أعمال خيرية بل حدود


ومن أعماله الخيرية العديدة ـ رحمه الله تعالى ـ إنشاء ودعم  عدة جمعيات خيرية، منها: جمعية البر بالرياض، والجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بمنطقة الرياض (إنسان)، و جمعية الأطفال المعوقين، و دعم صندوق الحياة الفطرية في المملكة، وتأسيس دار الجماعة للمناسبات في محافظة حريملاء، ومشروع الأمير سلمان للإسكان الخيري بالرياض، و إنشاء ودعم كلية الأمير سلطان الأهلية.


ومن أبرز أعمال الراحل الكبير الخيرية مدارس الصالحية لتحفيظ القرآن الكريم للبنين والبنات بحريملاء، حيث أسسها على نفقته الخاصة منذ ما يربو عن ربع قرن، وأولاها عنايته؛ وكان يدفع رواتب المدرسين والموظفين ومكافآت الطلاب الشهرية، حيث يصرف لكل طالب 200 ريال شهريا، كما  كان يصرف في نهاية العام في حفل مكافآت الحفظ مبلغ أربعة آلاف ريال لمن حفظ القران الكريم كاملاً، وقد تخرج من هذه المدارس عشرات الطلاب من حفظة كتاب الله تعالى. ولم يكتف الراحل الكبير بالعناية بتحفيظ الأولاد كتاب الله تعالى، بل عني بتحفيظ البنات كتاب الله الكريم، ففي عام 1408هـ تم افتتاح المدرسة الصالحية للبنات،  والتي حظيت بنفس الرعاية والمميزات التي حظيت بها مدارس البنين، و بلغ عدد الطالبات اللاتي حفظن القرآن الكريم كاملاً قرابة 400 طالبة.


وعندما لمس ، رحمه الله ، معاناة بعض أهالي الرياض من نقص مياه الشرب، والحصول عليها من الآبار بالطرق البدائية؛ نفذ في محافظة حريملاء شبكة مياه متكاملة تتكون من بئر وخزان لتجميع المياه، وشبكات تم إيصالها إلى المنازل. وعندما وجد عائلات فقيرة ليس دور مناسبات ساهم مع اللجنة الأهلية بمحافظة حريملاء في بناء قصر الاحتفالات بمحافظة حريملاء، ودعمه بحوالي 800 ألف ريال؛ ليحتضن القصر  جميع المناسبات الرسمية، و المساهمة في تخفيف أعباء وتكاليف الزواج على الشباب، مقابل أجور رمزية. ولم يغفل استقطاب الشباب وتنمية مهاراتهم وهواياتهم والقضاء على وقت الفراغ فيما يعود عليهم بالمنفعة؛ فتبرع  لإنشاء نادي الشعيب الرياضي.  


وتعد جائزة الشيخ محمد بن صالح بن سلطان للتفوق العلمي والإبداع في التربية الخاصة نموذجا فريدا من الأعمال الخيرية التي تساهم في دعم مسيرة التنمية الشاملة، حيث كرمت في دورتها  السابقة  ٤٠ طالباً وطالبة من ذوي الإعاقة، في  تظاهرة  اجتماعية عكست قيم  التكافل والترابط في العمل الخيري البناء. ويبلغ إجمالي ميزانية جائزة الشيخ محمد بن صالح بن سلطان للتفوق العلمي والإبداع في التربية الخاصة سبعمائة ألف ريال  لدعم البرامج التوعوية والتدريبية والإعانات الاقتصادية للأسر والمعاهد والبرامج في التربية الخاصة، فضلا عن الجائزة العلمية، والتي قيمتها( مائتا ألف ريال) خصصت لتوزع بين أربعين فائزا وفائزة، بواقع خمسة آلاف ريال لكل واحد منهم.


وتهدف الجائزة إلى الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، وتقدير إبداعاتهم وتشجيعها، وتفعيل مشاركاتهم الإيجابية بالمجتمع، وتوعية المجتمع بقدراتهم. أما مجالات الجائزة فتتمثل في التفوق الدراسي في المراحل الدراسية الثلاث، والتفوق في حفظ القرآن الكريم وتجويده، والإبداع الفني، والإبداع العلمي. وتستهدف الجائزة طلاب وطالبات معاهد التربية الخاصة، وبرامج التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم بالمملكة. ورغبة من  أسرة الشيخ  الراحل في مواصلة أعماله الخيرية لما فيه نفع جميع فئات المجتمع، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة؛ جاءت رعاية جائزة الشيخ محمد بن صالح بن سلطان لملتقى عنيزة لذوي الاحتياجات الخاصة.


وتركز جائزة الراحل الكبير على طلاب وطالبات معاهد وبرامج التربية الخاصة في جميع مناطق المملكة، واضعة جملة من الأهداف النبيلة، منها: الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، وتقدير إبداعاتهم، وتشجيعها، و تفعيل مشاركتهم الإيجابية في المجتمع، و توعية المجتمع بقدرات ذوي الاحتياجات الخاصة وإبداعاتهم. كما نؤكد تواصل أعمال الشيخ محمد بن صالح بن سلطان الخيرية واستمرارها في نفع جميع فئات المجتمع، بما فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة.


وتتنوع مجالات الجائزة  لتشمل التفوق الدراسي (ابتدائي ـ متوسط ـ ثانوي)، التفوق في حفظ القرآن الكريم وتجويده، التفوق الأدبي (الشعر ـ كتابة القصة)، التفوق الفني (الرسم ـ الأعمال اليدوية والفنية)، التفوق العلمي (الاختراع العلمي، والإبداع). فيما تضع أمانة الجائزة معايير وشروط الترشيح، منها: أن يكون من طلاب أو طالبات معاهد وبرامج التربية الخاصة المنتظمين (ابتدائي ـ متوسط ـ ثانوي)، متفوقا في أحد المجالات المذكورة، حسن السيرة والسلوك، و أن يكون تفوقه جهداً شخصياً.


وتتكون الموارد المالية للجائزة السنوية من المبالغ المالية التي خصصها صاحب الجائزة، وتصرف حسب القواعد المنظمة للجائزة. فيما تبلغ قيمتها للفرد الواحد خمسة آلاف ريال، وتشمل40 فائزاً وفائزة.


رحم الله الشيخ الراحل، وجزاه خيرا على ما عمل من خير لخدمة خير أمة أخرجت للناس.