ابراهيم الهاجري.. محسن بمال الله، ولم يخش الفقر

 القاهرة: كمال حسن


  


في نجد، وتحديدا عام 1905م، كان مولده. وما بين تلك السنة وحتى عام 1991عاش ومات أحد أبرز رواد العمل الخيري  في الخليج العربي.. إنه الشيخ  إبراهيم بن ناصر بن إبراهيم الهاجري،  الذي حفظ القرآن الكريم في أحد كتاتيب نجد، ونال شهادة الدكتوراة الفخرية من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان بالسودان. كان الرجل يحرص على التطوع بماله ووقته وجهده للإنفاق على كافة وجوه الخير والأعمال الإنسانية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بدءاً من إنشاء المساجد والمعاهد الدينية، وانتهاءً بصلة الرحم، ومروراً بما بينهما من مجالات الجهاد، والعلاج، ورعاية اليتيم، وبناء المساكن، وإفطار الصائم، وحفر الآبار. كما أسهم في مجال تشغيل الأيدي العاملة في الدول الفقيرة بإنشاء عدة مراكز مهنية لتعليم الحرف المختلفة كالنجارة، والحدادة، والحياكة.


وتحفل مسيرة الهاجري الإنسانية بكثير من العبر والمواعظ، وهي أمور أسهمت في توجيه حياته للعمل الخيري؛ فقبل أن يكمل الراحل  الكبير فترة الرضاعة ذاق مرارة اليتم مبكراً بوفاة  والده، وعمره لم يتجاوز السنتين، فتولى تربيته عمه عبد العزيز الهاجري، ورباه  وأدبه فأحسن الأدب والتربية؛  فحفظ  بعض القرآن  الكريم في الكُتَّاب في سن مبكرة، ثم تلقى دروسه في المدرسة المباركية،  ولما بلغ الفتى مبلغ الشباب اقتدى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبدأ العمل التجاري الصغير، ثم توسعت أعماله التجارية شيئا فشيئا؛ فانتقل للعمل في الإحساء والجبيل والمنطقة الشرقية بالسعودية، ثم قدم إلى الكويت، وزاول بها بعض الأعمال التجارية. وفي كل مراحله التجارية  وهو يحمل شعار الصدق والأمانة، ويدرك أن المال مال الله، وفيه حق معلوم للسائل والمحروم،  فراجت تجارة الصادق الأمين بعد أن استقر بالكويت، وصار من كبار التجار، وزاده الغنى تواضعا وتراحما والتصاقا بالأيتام وسد حاجاتهم.


 


وقفيات خيرية لرعاية الأيتام


 


من أول الأعمال الخيرية التي بدأ الهاجري  بها مسيرته في العمل التطوعي رعاية الأيتام والإنفاق عليهم؛ فهو اليتيم الذي ذاق مرارة اليتم، وإن كانت تلك الأعمال تتم بشكل فردي غير مؤسسي، لكن بعد مرحلة زمنية تحولت إلى كيانات مؤسسية تخدم الأيتام والأرامل في أكثر من مكان. وأنشأ دوراً لرعايتهم والعناية بهم في عدد من الدول الإفريقية والآسيوية، منها: دار الأيتام في كمبوديا؛ لتقوم على شؤونهم، وتوفر لهم الرعاية الكافية، وتعوضهم حنان الأب أو الأم. كما قام ـ رحمه الله ـ كذلك  بشراء قطعة أرض لزراعتها بالأرز سنويا، وتكون هذه الأرض ومحصولها وقفية دائمة للدار، فينفق من ريعها على تغطية نفقات المقيمين فيها من الأيتام، سواء الطعام والشراب أو غيرها من مستلزمات الحياة الكريمة لهؤلاء اليتامى، كما تكَّفل ـ أيضاً ـ بتغطية رواتب القائمين عليها، وكذلك الصيانة الدائمة للمكان. وقام ـ رحمه الله ـ بالمشاركة مع المرحوم عبدالله الربيعة بإنشاء دار أخرى للأيتام في مدينة بيشاور بباكستان الإسلامية، تسع  750 يتيما، وأنشأ وقفيات في عدة دول، منها: مزارع نباتية، ومزارع أبقار، ومزارع دواجن، وغيرها؛ ليصرف من ريعها على أوجه الخير، ورعاية الأيتام.


أدرك الراحل الكبير فضل بناء المساجد، و بدأ ببناء مسجد في الكويت، والذي تم تجديده وإعادة بنائه  وهو مسجد الهاجري بالجابرية، الذي بناه عام 1375هـ الموافق لعام 1955م، في القطعة الأولى (أ) بمنطقة الجابرية، وتولى بناءه وتجهيزه وفرشه من ماله الخاص. وتبلغ المساحة المخصصة للرجال في المسجد 2000 م2. بينما تبلغ مساحة مصلى النساء 300 م2.  ثم توسع ـ رحمه الله ـ فقام  ببناء أربعة مساجد بأراضي الحرمين الشريفين،  منهما مسجدان في العاصمة الرياض، ومسجد في كل من  الدمام، ثادق، الإحساء. وانتقلت فضيلة بناء المساجد للخارج؛ فأنشأ مسجدا في كابول بأفغانستان؛ لمساعدة ضحايا الحروب  في إحياء دور المسجد في الإسلام، كما قام بإعادة إعمار المساجد الأخرى التي هدمتها أو أثرت فيها الحروب، وإنشاء مسجد في (خير فانه) بالعاصمة الأفغانية كابول، و مسجد في سيراليون. و لم يكتف ببناء مسجد واحد أو عدة مساجد في قارة إفريقيا؛ إنما قام بإنشاء مساجد في كثير من المناطق  في السودان، وزنجبار، وكينيا، وزامبيا.


ومن بره وعطائه وجُودِه وسخائه أولى الهاجري عناية كبيرة للدول والأقليات المسلمة الصغيرة في شتى بقاع العالم؛ فأنشأ ودعم بالمال العديد من المستشفيات الخيرية  في إفريقيا، وآسيا؛ لخدمة المسلمين في تلك المناطق، إدراكا منه أن حاجة الإنسان للدواء والشفاء لا تقل عن حاجته للطعام والغذاء، فقام  بتأسيس مستشفى الهاجري والربيعة في بيشاور في باكستان، و قدم خدمات طبية مجانية لأكثر من مليوني أفغاني مهجر. وحرص على حفر كثير من الآبار الارتوازية في العديد من الدول الإفريقية كالسودان وأثيوبيا، وغيرهما.  وكان يقوم بتفطير الصائمين وإطعام الطعام على مدار العام.


وأدرك ـ رحمه الله ـ مكانة العلم؛ فأسهم بسخاء  في نشر العلم النافع، لا سيما العلم الشرعي، في كل مكان كلما تيسر له ذلك. وقد قام ـ رحمه الله ـ بتأسيس عدد غير قليل من المعاهد والمدارس والجامعات الدينية، منها معهد الهاجري للدعاة والأئمة بألبانيا بعدما تحررت من  الاستعمار الروسي؛  ليكون المعهد  نافذة يطلون منها على العلوم الإسلامية، ويدرسون فيه تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ويتخرج منه رجال يحملون مشاعل العلم والنور. كما انشأ  دار العلوم الإسلامية بكشمير،  والمعهد الأزهري، وقام بتجهيزهما بالكامل على نفقته؛ خدمة لطلاب العلم الشرعي. كما أنشأ جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان شمال العاصمة السودانية الخرطوم؛ استجابة لدعوة عدد كبير من العلماء ورجال الدين هناك، وأصبحت تلك الجامعة مؤسسة علمية عريقة، يقبل عليها آلاف الطلاب، وهي تخرج سنوياً ثمانية عشر ألفاً وخمسمائة طالب وطالبة.


ولإيمانه أن البطالة أخطر الآفات على الشباب المسلم؛ حرص أن يكون لكل مسلم حرفة يزاولها  ليأكل من عمل يده،  فعمل على إنشاء عدة مراكز مهنية في  كينيا، والسودان  لتعليم الحرف المختلفة كالنجارة، والحدادة، والحياكة. كما قام ببناء مساكن في السودان، فأنشأ عدة مساكن شعبية؛ لإيواء إخوانه المسلمين في السودان الذين هدمت بيوتهم من جراء السيول والفيضانات؛ نظراً لطبيعة بلادهم الصعبة، ومناخها الجوي المتقلب. ووصل به العمل الخيري إلى بناء صالات الأفراح والمناسبات لخدمة الأهل والجيران. و ضرب الهاجري بسهم وافر في ميدان الجهاد؛ فتبرع للمجاهدين الأفغان أثناء جهادهم ضد الشيوعية بمليون دولار نقداً بواسطة الهيئة الخيرية الإسلامية. كما تبرع للمجاهدين الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني، وكذلك المجاهدين الجزائريين في حربهم ضد الفرنسيين، و الإريتريين أثناء جهادهم ضد أثيوبيا. وتبرع للعراق أثناء حربه مع جمهورية إيران، وتبرع لتسليح الجيش المصري قبل العدوان الثلاثي وبعده، وأرسل له مجلس الوزراء المصري في نوفمبر من عام 1955م برقية شكر على هذا التبرع الكريم. و بادر ـ أيضاً ـ عام 1957م بالتبرع لأسر الشهداء المصريين الذين راحوا ضحية العدوان على مصر، وقد أرسل له الرئيس جمال عبد الناصر خطاب شكر في فبراير من عام 1957م؛ تقديراً له على تلك الجهود الكريمة.


وبعد عمر ناهز السادسة والثمانين عاماً حافلة بالبذل والعطاء والجود والسخاء، لقي المحسن إبراهيم ناصر الهاجري وجه ربه الكريم، في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1991م.  ليظل عمله الخيري ممتدا إلى يوم يقوم الأشهاد.