دور مؤسسات المجتمع المدني في التربية المدنية
1 ديسمبر 2016 - 2 ربيع الأول 1438 هـ( 3222 زيارة ) .
المصدر :مداد

كتب: د. فؤاد الصلاحي

مع بداية التسعينات من القرن العشرين تزايد الاهتمام بالمجتمع المدني وأصبح الحديث عنه حاضرا في مختلف الفعاليات ، وتزايد الاهتمام الشعبي به من خلال النظر إلية كقنوات واليات تعمل على تمكين الأفراد والجماعات وإبراز نشاطاتهم في المجال العام باستقلالية عن مؤسسات الحكومة ، هنا اتسعت دائرة نشطاء المجتمع المدني من حيث الحجم الكمي ومن حيث الأنشطة والمساهمات التي يعملون بها ... وقد ارتبط حضور المجتمع المدني كمفهوم وكعملية بانهيار النظم السياسية الشمولية وبروز التحولات السياسية والاقتصادية التي شملت غالبية دول العالم الثالث وجميع الدول أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي الآمر الذي أطلق عليه بعض الكتاب الموجه الثالثة من التحول الديمقراطي في العالم . وارتبط اهتمام المواطنين به بالنظر أليه كمؤسسات غير حكومية تمكن الأفراد من تحرير ذواتهم من تسلط وقمع البنى الدولانية وتفعيل المشاركة الشعبية في مجمل السياسيات التي تؤثر في حياتهم وفى مستوى معيشتهم . ونحن في اليمن برز الاهتمام بالمجتمع المدني في إطار دولة الوحدة ( 22 مايو 1990 ) التي ارتبط إعلانها بإقرار الديمقراطية والتعددية السياسية ، ووفقا لذلك تعتبر اليمن حديث العهد بالديمقراطية بل وتعتبر جميع الديمقراطيات العربية ديمقراطيات حديثة تنتمي إلى التكتل الموسوم بالديمقراطيات الناشئة ، ووفقا لذلك تعتبر التربية المدنية أو الثقافة المدنية – أو يجب إن تعتبر كذلك - من أهم نشاطات مؤسسات المجتمع المدني وفى أولوية أجندتها بشكل عام . الجدير بالذكر إن هذه المؤسسات لا يزال اهتمامها بالتربية المدنية اهتماما محدودا وموسمي يرتبط بأجندة المانحين أكثر من ارتباطه برؤية تلك المؤسسات لنشاطاتها الوطنية والتنموية .

 

  تحديد مفهوم المجتمع المدني

المجتمع المدني يشير إلى الطبيعة المدنية ذات البناء المؤسسي والتعاقدي والتي تميز الدولة والمجتمع، وهنا يكون حضور دولة الحق والقانون ( وهى دولة مؤسسية حديثة ) تعبيرا عن مدى نضج وتبلور المجتمع المدني وهذه الدولة يمنح الأفراد كيانا قانونيا مستقلا ، وهذا المعنى يعبر عن مجتمع يقوم على الديموقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان وتداول السلطة وسيادة الشعب ،، والمجتمع المدني بالمفهوم الخاص يشير إلى مجمل المؤسسات ألاقتصاديه والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تتصف بكونها : غير الحكومية / غير ارثيه / لا تهدف إلى الربح / طوعية الانتماء إليها / حداثية في بنيتها وتكوينها . ويرتبط نشاطها عضويا بفلسفة المجتمع المدني ( منظومة الثقافة المدنية ) التي تتضمن مجموعة القيم الثقافية اللازمة لنشاط المجتمع المدني وهى قيم حداثيه تتباين مع القيم القبليه والعصبوية ومع قيم النظم الشمولية ، و تشكل مجموعة المحفزات والدوافع لسلوك الأفراد ونشاطاتهم في مؤسسات مدنيه ، ويمكن رصد أهم مفردات الثقافة المدنية كما يلي :

1. العمل الجماعي .

2. المساواة .

3. التسامح .

4. احترام الآخر .

5. تعدد الآراء والأفكار .

6. تعدد الانتماء السياسي والاجتماعي .

7. إدارة الاختلافات بطرق سلمية .

8. نبذ العنف ثقافة وخطاب وممارسة .

9. الابتعاد عن العصبوية الموروثة .

10. حق المرأة في المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

11. المرونة وسعة الأفق والرؤية .

12. الوعي بحقوق المواطنة .

13. التضامن والمساندة والعطاء .

14. المشاركة .

وهذه الفلسفة المدنية تستند إلى المصادر الدينية والأخلاقية والفلسفية (المدنية/ القانونية ) و تركز على إن تؤسس وتنمى في الأفراد ثقافة المشاركة والفاعلية والمبادرة واحترام الآخر والتسامح ونبذ العنف والاعتراف بالتنوع والتعدد ، والتي بدورها تشكل سندا اجتماعيا وسيكولوجيا دافعا لنشاطات الأفراد في المجال السياسي والاجتماعي . من جانب آخر يمكن القول إن مؤسسات المجتمع المدني تشكل وسائط اجتماعيهsocial agents بين الفرد ( المواطن ) والدولة ( السلطة )، وتتضمن فاعليتها في تنظيم الفاعلين الاجتماعيين من خلال قنوات مؤسسيه أهلية تعمل على تمكين الأفراد من المشاركة في المجال العام ، وتعتبر مؤسسات المجتمع المدني من أهم قنوات المشاركة السياسية الداعمة لمسار التطور الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة . وهذه المؤسسات المدنية بتعددها وتنوع نشاطاتها يعتبر تواجدها الامبيريقى في واقع المجتمع أهم العلامات المائزة للتحول الديمقراطي ، وهذا الوجود المتعدد للمؤسسات المدنية يسعى إلى توسيع الفضاء السياسي والفضاء الجمعوى الأهلي وتدريب المواطنين على العمل الجماعي لتحقيق المصالح الخاصة والعامة وإرساء ونشر وتعميم ثقافة مدنية تدعم تحقيق الديمقراطية والمواطنة المتساوية ويتعلم الشعب من خلالها كيف يعبر عن مصالحه ويدافع عنها وكيف يشارك في العمليات السياسية والتنموية التي تؤثر على حياته . في هذا السياق يمكن القول إن مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها مؤسسات أهلية يفترض بها إن تكون قريبة من الناس تشكل قنوات تعمل على تمكين الأفراد من التعبير عن مطالبهم والدفاع عن حقوقهم وتفعل مشاركتهم الجماعية في تحقيق متطلباتهم الاقتصادية هنا يمارس الأفراد نشاطات متعددة ومتنوعة ترتكز جميعها على محددات ثقافية تتجسد في فلسفة المجتمع المدني التي تشكل في مجملها الثقافة المدنية المغايرة للثقافة التقليدية . بمعنى آخر يمكن القول انه في مؤسسات المجتمع المدني يدخل الفرد في شبكة جديدة من العلاقات والتفاعلات ويمارس مهام وأنشطة متعددة جميعها تضيف أليه ويتعلم منها الحوار والتفكير العقلاني ، اكتساب مهارات ومعارف مجتمعية محلية وعالمية ، تأكيد ثقة الأفراد بأنفسهم كذوات فاعلة أي نضج وتنمية شخصياتهم ، تنمية شخصية فاعلة ومشاركة تنمويا وسياسيا على المستويين المحلى والوطني ( تحمل المسؤولية ) تعزيز عمليات التضامن والتساند بين مختلف الأفراد والجماعات .

  مفهوم التربية المدنية وطرق اكتسابها

التربية المدنية هي عملية تثقيفية توعوية تهدف إلى إكساب الأفراد ثقافة حديثة تتمحور حول طبيعة المواطنة المرتكزة على منظومة الحقوق المد نية والسياسية ، وتتحقق التربية المدنية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية ضمن مؤسسات رسمية أو أهلية . والتربية المدنية هي العملية التي تشكل البعد الرئيسي في ترسيخ المواطنة وحقوق الإنسان وبناء المجتمع المدني . ويمكن تعريف عملية التنشئة السياسية والاجتماعية بأنها : عملية تهدف إلى إكساب الأفراد وعياً سياسياً جديداً يمكنهم من تحقيق مشاركة إيجابية وفعالة أي يمكنهم من الوعي بطبيعة المجال السياسي الذي ينبغي عليهم المشاركة فيه ،، بمعنى آخر يمكن القول أنها عملية تهدف إلى رفع مستوى وعي الأفراد السياسي والاجتماعي وإكسابهم قيماً وأفكارا وتصورات واتجاهات سياسية ومعرفية حديثة تبلور وعيهم وتخلق لديهم قناعات قيميه وثقافية بأهمية الثقافة المدنية حتى تترسخ لديهم كسلوك ممارس وهنا تصبح ليس فقط منهجاً للحكم بل وأسلوب للحياة بعبارة أخرى نقول إن مهمة التنشئة السياسية تعميق المفاهيم الجديدة في وعي الأفراد والمجتمع من أجل تحقيق تكامل بين البناء السياسي الحديث ومنظومة القيم الثقافية الداعمة له ..ومن أهم مؤسسات التنشئة السياسية : مؤسسات المجتمع المدني ( نقابات / جمعيات /منظمات / أندية / مراكز/ أحزاب/ جامعات ) وسائل الإعلام المختلفة ( مسموعة / مرئية / مقروءة ) إضافة إلى مؤسسات التعليم العام . وكل منها تقوم بأدوارها في مجال تنمية الوعي السياسي والاجتماعي حتى يمكن خلق ثقافة سياسية حديثة وخلق وعي جمعي ينتشر في أوساط كل أفراد المجتمع .

ومعنى ذلك أن عملية التنشئة السياسية والاجتماعية تحول معاني وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني من أفكار وتصورات مجردة إلى وعي مدرك لدى الأفراد والجماعات التي تحول ذلك الوعي إلى سلوك ممارس في الواقع المعاش ، فالثقافة المدنية حتى يتقبلها الأفراد ويرتبطون بها ويدافعون عنها لابد من أن تتأسس وتترسخ في وعيهم ومداركهم كقناعات معرفية راسخة . وبشكل عام يمكن القول إن التربية المدنية تهدف إلى :

1. رفع نسبة التثقيف والمعرفة بالمجال السياسي والاجتماعي .

2. تجديد في أنماط العلاقات والتفاعلات .

3. خلق ثقافة متحررة من البنى العصبوية .

4. ترسيخ ثقافة التسامح والتفاهم ونبذ العنف.

5. ترسيخ فكرة احترام القانون وحقوق الأفراد .

6. ترسيخ مفهوم الحكم الجيد من خلال حق الأفراد في المساءلة والمحاسبية .

7. ترسيخ مفهوم الشفافية في الدولة والمجتمع .

إضافة إلى دورها في هندسة العلاقات البشرية وفق مداخل ثقافية وسيكولوجية ، تتضمن برمجة اجتماعيه للسلوك الإنساني ، وهنا يكون للمجتمع المدني دوره الإبداعي من خلال الدور التثقيفي والتوعوى ، ذلك إن الثقافة ـ بمفهوم غرامشى ـ يمكن إن تتحول إلى أداة للفعل السياسي بالاتكاء على مجمل القوى الاجتماعية الصاعدة والتي تتطلع إلى عالم جديد ولابد لها من إن تملك وعيا جديدا قادرا على صنع التغير والتحول ، فالدعوة إلى ثقافة جديدة هي أو معناها الدعوة إلى ممارسات ومبادرات من شانها ن تخلق إنسانا جديدا ومجتمعا جديدا.

  ثنائية الثقافة المدنية والثقافة التقليدية

لما كان التحول الديمقراطي المعلن عام 90م يعبر عن أهداف وتطلعات غالبية أفراد المجتمع في بناء دولة وطنية حديثة تكون فيها المواطنة المتساوية هي المحك الأساس للوجود الاجتماعي للأفراد والجماعات فان ترسيخ هذا التحول وتجذيره يتطلب بالضرورة تجديدا في المنظومة الثقافية السائدة ونقصد بذلك ثقافة مدنية تؤسس لوعى جديد يتبلور عمليا في أنماط السلوك والعلاقات والتفاعلات بين الدولة والمجتمع وبين مختلف الأفراد والجماعات ، هذه الثقافة تشكل وعياً ضدياً للتقليدية والعصبوية وما يرتبط بها من قيم ثقافية ، وهنا تتجلى في الواقع المجتمعي إشكالية تعكس صراعاً ثقافياً (قيمياً وسلوكياً) بين مرجعيتين متباينتين تنتمي كل منهما إلى مجال زمني ومعرفي مغاير ، وتعبر كل منهما عن قوى اجتماعية محددة . وذلك يعنى إن التحول إلى الديمقراطية في المجتمع اليمنى     ( وفى أي مجتمع ) ترتبط به وتترافق معه بروز إشكالية الصراع والتداخل والتأرجح بين نمطين من المحددات الثقافية والقيمية تعكس طبيعة السياق المجتمعي العام ومسار تطوره التاريخي . ولما كان المجتمع اليمني المعاصر يُصنف بأنه مجتمع تقليدي فإن الموروث الثقافي لا يزال يؤثر في مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية . أن الواقع الراهن في المجتمع اليمني – والعربي بشكل عام - يشهد صراعاً بين الثابت والمتحول في القيم والمعايير وأنماط السلوك في إطار جملة من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يتعرض لها منذ بداية حقبة التسعينات من القرن العشرين ، فالتحول السياسي نحو الديمقراطية هو تعبير عن محاولة الخروج من البناء التقليدي العصبوي ومنظومته الثقافية الموروثة والولوج إلى مرحلة الحداثة السياسية التي تنتمي إليها الدولة الوطنية والتطور الرأسمالي بكل محدداته وتداعياته . إن محاولة بناء دولة مؤسسية ديمقراطية في اليمن وترسيخ وجودها اجتماعياً وسياسياً لابد وأن تتأسس معه ثقافة حديثة تجدد وتطور وعى الأفراد وفق عملية ممنهجة .

وتكمن أهمية التربية المدنية في مجتمع كاليمن ( وفى المجتمع العربي بشكل عام ) من خلال مستويين هما الأول : يرتبط بواقع المجتمع ومكوناته في إطار تشكله التاريخي والثاني يرتبط بواقع السياق الحضاري العالمي الذي لا يمكن الانعزال عنه ، وهنا يمكن القول انه في إطار بناء دولة حديثة ديمقراطية وفى إطار تنمية المجتمع وتحديثه تشكل الثقافة والمعرفة بكل مجالاتها مدخلا هاما لايمكن تجاوزه أو إغفاله ، ذلك إن البناء الديمقراطي وتحقيق التحديث والتنمية لايمكن إن يتم إلا من خلال تنمية الإنسان ذاته أي بناء قدراته علميا ومهاراتيا ومعرفيا وثقافيا وهنا تكون الثقافة المدنية من أهم آليات البناء المعرفي والحضاري للفرد وللمجتمع معا . فالتحول إلى مرحلة الحداثة والدولة الوطنية الديمقراطية لابد له من تغيير وتجديد الإطار الابيستيمولوجى المحدد لذهنية الأفراد واتجاهاتهم وتصوراتهم المحددة لأنماط العلاقات والتفاعلات بعيدا عن مفاهيم وثقافة البنى التقليدية ( القبلية / العشائرية ) ، أي لابد من تجاوز منظومة الثقافة العصبوية المرتبطة بمجتمع اللادولة بما يتضمنه هذا الأخير من بنى ومؤسسات وعلاقات وثقافة ولوجا إلى مرحلة متقدمة في تشكلاتها المؤسسية والمعرفية ومعنى ذلك إن اتجاه المجتمع اليمنى في مسار تطوره بالخروج التدريجي من مرحلة اللادولة ومحدداتها من الأعراف والتقاليد ومن محيطها المكاني الضيق إلى مرحلة الدولة القائمة على محددات القانون و التعاقد الاجتماعي وبتوسيع الإطار المكاني وفق مفهوم الوطن كل ذلك يتطلب بالضرورة تربية مدنية يكتسب الأفراد من خلالها هويتهم الوطنية والحضارية ويكتسبون معارف وثقافة تنظم وتحدد أنماط العلاقات والتفاعلات بين الدولة والمجتمع وبين أفراد المجتمع ذاته وبينهم وبين غيرهم من المجتمعات والشعوب .

  دور التربية المدنية في دعم وترسيخ بناء الديمقراطية والدولة الحديثة

لما كانت اليمن تندرج في إطار مجموعة الديمقراطيات الناشئة فان بناء الديمقراطية وترسيخ مقوماتها يتوقف على الوعي بضرورتها ( وعى الدولة والمجتمع ) وذلك يتطلب قوة وإرادة لتأصيلها في الفكر والثقافة والسلوك وفى المرجعية الحضارية بصفة عامة ، ومعنى ذلك إن الديمقراطية وحقوق الإنسان في اليمن يحتاجان إلى تاسيسهما في وعى الأفراد والجماعات ، والى تاسيسهما في منظومة الثقافة السائدة وأساليب وطرق التنشئة الاجتماعية ومؤسسات التعليم والإعلام والتثقيف الحزبي ، بما يحولهما إلى قناعة راسخة وهنا يتم تأصيلهما في السلوك اليومي لجميع الأفراد والتدرب عليها من خلال ممارساتهم في مؤسسات المجتمع المدني الحديث ،،، وتعتبر مؤسسات المجتمع المدني مدارس أولية لتعليم وتعلم الديمقراطية وممارستها وهى لذلك تعتبر ذات أهمية كبيرة في التربية المدنية ، ففي مؤسسات المجتمع المدني ( منظمات ، جمعيات ، أندية ، نقابات ، أحزاب ،.. ) يشترك الفرد في عدد من الممارسات مثل ( الاشتراك في عمليات الانتخاب المحددة لتشكل الهيئات القيادية التصويت الترشيح التعبير عن الرأي المناقشات والحوار التثقيف والتدريب ) وهنا لم تعد الديمقراطية مفهوم مجرد بل أصبحت واقعا يمارسه الفرد مع آخرين في مجتمعه المحلى وهنا لم تعد الديمقراطية مفهوم عالمي يرتبط بالدول الغربية بل أصبح من خلال بيئته محليا يعبر عن عمليات التداخل والترابط المتزايد بين المحلى والعالمي وهنا تتجسد الحداثة السياسية من خلال اعتماد مفرداتها الثقافية واكتساب دلالاتها .

إن وضع الديمقراطية في الوطن العربي في الماضي كما في الحاضر بنفي الشريك عن الحاكم لذلك فان تجديد الفكر العربي ومكوناته المعرفية يكون اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة وطنية وحضارية ليس من اجل التقدم وحسب ولكن من اجل الحفاظ على الوجود العربي ذاته .فالديمقراطية بمفهومها العام تتضمن احترام حقوق الإنسان وبناء المجتمع المدني ، كل ذلك يشكل إطارا جديدا في واقع وفكر المجتمع العربي المعاصر ، الآمر الذي يتطلب لنجاح واستدامة التحول الديمقراطي أن تحدث تحولات بنائية وهيكلية شاملة في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع بل وفى السيكولوجية الفردية والجماعية معا. وذلك يعنى ضرورة التحرر من الحواجز النفسية إمام التحديث الثقافي والمعرفي والسلوكي وذلك يتطلب ( كما يرى الجابري ) تكسير البنية الذهنية اللاشعورية التي يتم داخلها تعميم وتثبيت الرؤى الأحادية القمعية والتقليدية أي لابد من القطع المعرفي مع الفكر والثقافة ذات النسق الأحادي اللاتسامحي .

ولما كان النظام السياسي العربي يتصف بكونه نظام عصبوي فهو لذلك نظام مغلق يعيد إنتاج مجاله السياسي الضيق وبذلك يكبح حركية التطور المتراكم في مختلف المجالات ، هنا نقول إن إقرار مبداء المواطنة باعتباره مصدر لحق المساواة السياسية هو حجر الأساس في نظام الحكم الديمقراطي ، وان إنكار ذلك يحول دون فرص التحول السلمي إلى الديمقراطية ويفتح الباب للفتن والحروب الأهلية ،، ووفقا لمنظور الفكر السياسي الغربي ، إن ظهور الدولة يترافق مع ظهور الأمة وان الدولة الوطنية هي التي تتعالى عن العصبويات ، وتمثل التجسيد القانوني للامه ، وتكتمل معالم الدولة الحديثة باستقلالية المجتمع المدني عن المجتمع السياسي وفصل السلطات خشية إن من يملك السلطة قد يميل لإساءة استعمالها وهنا ولدت الحريات السياسية العامة ، ذلك إن الدولة تصبح توتاليتاريه طالما أنها تدعى حق إدارة جميع الشؤون والتطابق مع المجتمع ، ولكي تكون الدولة مطاعة في الواقع لابد لها إن تصبح شرعيتها مقبولة في وعى وضمير المحكومين ، والشرعية لابد إن تتجلى في وفاق جمعي واتفاق كلى على القواعد والمبادئ الأساسية المحددة والمنظمة للدولة وسلطاتها أهمها الاعتراف بكيان الفرد وحقوقه الطبيعية والمدنية. الدولة لم يكتمل بناء مقوماتها الحداثية ( المؤسسية والإدارية والتنظيمية ) فهي لذلك تعبر عن عدم اقتناعها باستقلالية العمل الأهلي باستمرار سعيها المباشر وغير المباشر نحو اختراق الفضاء المدني الحديث ، رغم اتجاهها في خطابها السياسي الرسمي إلى التأكيد على دعم وتشجيع العمل الأهلي وضمان استقلاليته ، وهنا تبرز الازدواجية في شخصية الدولة التي تكشف عن أسسها التقليدية الراسخة .

إن الديمقراطية في المجتمع العربي تعتبر شعار يكتنفه الغموض ويحتدم حوله الجدل والصراع بل والاقتتال إضافة إلى المزايدة في رفع الشعارات المعبرة عنه ، الآمر الذي يفرز عوائق عدة إمام تنمية فكر ثقافي ديمقراطي يعترف بالآخر ويتحاور معه وينبذ العنف ويقبل التسامح ويعلى من أهمية المواطنة المتساوية . المتغيرات الثقافية المرتبطة بالديمقراطية تحاول أن تؤسس لها وجود قانوني ومعرفي وسلوكي في أرض الواقع ، (لم تتولد بعد قناعات واستجابات إيجابية للديمقراطية لدى غالبية أفراد المجتمع ) حيث لا يزال هؤلاء يرتبطون عاطفياً ومعرفياً بالمؤسسات التقليدية ومنظومتها القيمية، بل إن هذه الأخيرة تستند عليها عدداً من القوى الاجتماعية والسياسية في تحقيق مصالحها وفرض وجودها السياسي في المجال العام ، ووفقاً لذلك فإن هذه القوى تحاول خلق وعي ضدي تجاه المتغيرات السياسية الحديثة بحجة عدم ملاءمتها للواقع المجتمعي في اليمن . واهم تلك الحوامل المطلوب تعميمها وإبرازها ضرورة إشاعة الثقافة المدنية لدعم التحول الديمقراطي الناشئ ذلك انه من غير الممكن للديمقراطية كبنية واليات وقواعد إن تنضج وتترسخ على مستوى الممارسة السياسية إلا في ظل بنية ثقافية تقوم على المساواة وحرية التنظيم المجتمعي أحزاب وجمعيات ولا يمكن لمؤسسات المجتمع المدني بوصفها ابرز أدوات قنوات العمل السياسي إن تكون فاعلة في سياق العملية الديمقراطية دون إطار ثقافي يساعد في ترسيخ قيم ومبادئ الممارسة الديمقراطية (أي تعميم نمط جديد من الثقافة السياسية ) ولما كان من غير الممكن إقامة بنية سياسية حديثة (مؤسسية وقانونية ) خارج الإطار الثقافي السائد مجتمعيا فهنا لابد من خلق ثقافة سياسية حديثة تتوافق وتتلازم مع تلك البنية السياسية الحديثة أيضا .

  دور التربية المدنية في تجسيد ودعم قضايا المواطنة وحقوق الإنسان

إن تجاوز ثقافة العنف والتعصب القبلي والعشائري يتطلب تجاوز المرجعيات التقليدية التي تتعدد وتتنوع في إطار تكويناتها القبلية والعشائرية إلى ثقافة التسامح والإنصاف والمواطنة المتساوية التي تتشكل في تكوينها الحداثي كما تعبر عنه دولة المؤسسات والقانون التي تعتبر الناظم الرسمي لمختلف التكوينات التقليدية في إطار مفهوم الوطن والمواطنة المتساوية ، هنا نتجوز عملية التشتت المكاني المحدد وراثيا لانتماء الفرد ووجوده الاجتماعي إلى عملية التوحد الوطني والقومي بمحدداتها الثقافة والمعرفية التي تشكل وعيا جمعيا يعبر عن الهوية المشتركة بين أبناء الوطن الواحد ، والوعي بمفهوم الوطن يعد من أهم مفردات الثقافة السياسية الحديثة التي يكتسبها الإنسان في إطار عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية ( الرسمية / الأهلية ) . ولما كانت أهم محددات الدولة الحديثة ارتكازها على مفهوم المواطنة فتكون التربية المدنية من أهم آليات اكتساب الأفراد والجماعات لمواطنتهم من حيث الوعي بحقوق وواجبات المواطنة كما تجسدت في إطار الدستورية والقانونية الناظمة في الدولة والمجتمع ، ووعى المواطن بمواطنته تتحقق من خلال مفاهيم المساواة الحرية الإنصاف المشاركة ليس بالنظر إليها كمفاهيم مجردة بل أيضا كمفاهيم تتجسد على ارض الواقع ، وهنا لا يكون المواطن سلبي تجاه ما يحدث في مجتمعه من متغيرات وتحولات بل يكون مساهم في تحقيق ذلك التغيير والتحول .

إن توعية أفراد المجتمع بمفهوم حقوق الإنسان بالنظر إليها كمنظومة متكاملة من الحقوق والحريات لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية بل تتضمن أيضا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وان يتعلم أفراد المجتمع إن حقوق الإنسان هي الحقوق المتأصلة في طبيعتنا والتي لا يتسنى بغيرها إن نعيش عيشة البشر ، وهذه الحقوق تكفل إمكانية تنمية واستثمار ما نتمتع به من صفات البشر التي تستند إلى تطلع الإنسان المستمر إلى حياة تتميز باحترام وحماية كرامته المتأصلة في ذاته كانسان .

وهى تعبر في مضمونها عن جوهر العمل الإنمائي الهادف إلى تحقيق رفاهية الإنسان وحماية حقوقه وعلية فانه يقاس نجاح عمل أي حكومة أو دولة تجاه شعبها بما تحققه من إنجازات وما تقدمه من خدمات وما تتيحه من حريات وخيارات يمارس الأفراد في إطارها كل أنشطتهم وعلاقاتهم . إن حقوق الإنسان تعنى في مضمونها ودلالاتها معنى سياسي واجتماعي هو- إن الشعب وحده مصدر السلطة – وان الدولة ذات أساس تعاقدي مع الشعب الذي يمنحها المشروعية أو لا يمنحها ، وذلك معناه إن السلطة في الدولة غير شخصية وغير مطلقة فهي سلطة القانون الذي ينفصل عن شخص الحاكم والخاصية الأساسية هنا إن السلطة السياسية مقيدة بالقانون وهذا الأخير هو الذي يعبر عن الإرادة العامة للمجتمع ومن ثم فالناس يمتثلون له طواعية ، والقانون هنا يحقق التضامن الاجتماعي ويعمق الوحدة الوطنية ، والوعي بالقانون هو تعبير عن وعى جمعي مشترك بين كل أفراد المجتمع وجميعهم يشكلون مصدره ، حالما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد . إن تنمية الوعي بحقوق الإنسان أصبح من أهم مجالات البحث والدراسة في علم الاجتماع السياسي علاوة على كونه من أهم مجالات التنمية والتحديث في أي مجتمع من المجتمعات خاصة مجتمعاتنا العربية التي تتصف بارتفاع معدلات الأمية وتدنى مستويات التعليم والثقافة وضعف مستويات التحديث والتحضر مقابل تزايد فاعلية البنى التقليدية والوعي العصبوي الذي يشكل نقيضا للوعي الوطني والحداثى ويضعف الانتماء المشترك إلى الوطن . إن الثقافة المدنية تعمل على إرساء أنماط جديدة من العقلانية في المجتمع ، من حيث دلالاتها في تجسيد وعى الأفراد بحقوقهم المدنية والسياسية وممارساتها وهى عملية تتشكل وفقا لها علاقة انتماء حقيقية بين أناس يشعرون بحرية الاختيار وبناء المجتمع الذي ينشدون العيش فيه وفق مبداء المواطنة المتساوية .

  دور التربية المدنية في تفعيل المشاركة السياسية

تعتبر المشاركة السياسية جوهر العملية الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات ووفقا لذلك يرى بعض الباحثين إن الدولة الحديثة تتميز عن الدولة التقليدية بالمدى الواسع الذي يشارك بمقتضاه الأفراد والجماعات في العمل السياسي وكلما تزايد حجم المشاركة في العمل السياسي من الذكور والإناث كلما دلل ذلك على شرعية النظام الحاكم ، وكلما تزايد حجم المشاركة السياسية كان ذلك مؤشر ايجابي يعبر عن صحة العلاقة بين الدولة والمجتمع . في اتساع فرص أفراد المجتمع للولوج إلى المجال المدني من خلال تكوين المؤسسات الحداثية التي ينتظم من خلالها نشاطات المجتمع باستقلالية عن الإدارات الحكومية وهى فرص تعمل على اتساع حجم مشاركة أفراد المجتمع في مجالات التنمية البشرية بل وحجم تمثيلهم سياسيا واجتماعيا من خلال الجمعيات والمنظمات الأهلية بكل تنوعها وبالتالي تمكينهم من المشاركة في الشأن العام .

إن ضعف المشاركة السياسية والشعبية واتساع حجم الأغلبية الصامتة - السلبية السياسية – إضافة إلى تدنى الوعي الحداثي ، تشكل جميعها قيودا على تطور الديمقراطية وبناء المجتمع المدني وهنا لابد من بلورة وعى سياسي حديث يخلق لدى أفراد المجتمع قناعة كاملة بان الديمقراطية كنظام حكم تعد اقل النظم شرا على الإنسان ،، في هذا السياق يجب على نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان تكثيف دورهم التوعوى الهادف نحو تنشئة سياسية حديثة ( تربية مدنية ) ترتبط بمحددات عصرنا الراهن ومتغيراته ، أي تنمية شخصية الفرد باعتباره مواطن ديمقراطي ( تنمية الذات السياسية للفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية - التعليم والتعلم -رسميا وأهليا ) يشارك في مجمل العمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتترسخ في وعيه رؤية حداثية لطبيعة النظام السياسة باعتباره معبرا عن حاجات المجتمع وأهدافه وان الحاكم يأتي من خلال أصوات المواطنين وان أفراد المجتمع هم الذين يمنحونه المشروعية .

 

إن المجتمع اليمنى - و العربي - مجتمع مسكون بالماضي وان بنيته الذهنية تتصف بتركيزها على الماضي والحاضر مع انسداد آفاق المستقبل ، هذه العقلية تعجز عن إدراك العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان ، بين التاريخي والبنائي المتحول ، وفى الواقع اليمنى تعمل الأحزاب والتنظيمات السياسية على التوظيف السياسي للعصبيات التقليدية من اجل تحويلها إلى آلية لتنظيم مصالحها الخاصة ولنجاحها في ذلك تعتمد أسلوب الإقصاء والعنف ويغيب عنها أسلوب الحوار والتسامح وهذه العملية التي تتداخل فيها محددات الوعي والانتماء تقليديا وحداثيا إن الديمقراطية تعتبر ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة انطلاقا من كونها منهج وأسلوب حاية تفرضه ضرورات التعايش السلمي ، وان تدنى الوعي الحداثي بالديمقراطية ومنظومتها الثقافية يؤدى إلى تعظيم دور العوامل التقليدية التي تشكل اتجاها ووعيا ضديا للحداثة أي استمرارية المجتمع الأبوي ، وهنا يلعب الموروث الثقافي دورا سلبيا في تشكيل عملية التنمية السياسية خاصة في بعدها الثقافي والمعرفي . ولما كانت مؤسسات المجتمع المدني هي آليات فاعلة في تحقيق تنمية المجتمعات المحلية وإشباع حاجات الأفراد والجماعات باعتمادهم على الجهود الذاتية فان نجاح ذلك يرتبط بوعي الأفراد بأهمية وفوائد العمل التضامني والتعاوني وهنا تكون مؤسسات المجتمع المدني من أهم آليات التمكين والمشاركة الشعبية ، وهنا أيضا تتزايد عمليات التمكين والمشاركة للمرأة وضرورة تمثيلها في المجالس المحلية المنتخبة وفى مختلف مجالس الجمعيات والتنظيمات الأهلية . ومعنى ذلك إن تغيير وعى المجتمع المحلى تجاه المرأة يتطلب نشاطا ثقافيا موجها من خلاله يكتسب الأفراد قناعات جديدة تترسخ تدريجيا في وعيهم الفردي والجمعي