تحليل الاحتياجات التنموية.. مدخل لرفع الكفاءة والفعالية في أداء القطاع الخيري
3 يونيو 2018 - 19 رمضان 1439 هـ( 212 زيارة ) .

                                                         

كتب:  د. محمد ناجي عطية
باحث بالمركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد)

 

أدى بروز العولمة في عصرنا الراهن إلى توسع غير مسبوق في التقنية وأساليب التفكير، زادت معها قناعة العملاء بأهمية رفع مستوى جودة الأداء في المنتجات والخدمات التي تقدمها لهم مؤسسات المجتمع المختلفة، مما دفع هذه المؤسسات للحاق بركب التطور المعاصر الهائل في محاولة لحجز مكانها الجديد فيه، وهذا كلفها الكثير من الموارد في سعيها للبحث عن الأساليب الحديثة في تحقيق رضا عملائها الذين أصبحوا أكثر وعيا وذكاء باحتياجاتهم التي يعرضها المتنافسون في معركة ناعمة من التطور التقني والفكري.

وهذا بدوره فرض على مختلف قطاعات المجتمع - ومنها مؤسسات القطاع الخيري- أن تعيش جولات من التوسع في الإنفاق على البرامج التي تظن أنها تؤدي إلى رفع مستوى تميزها وجودة أدائها، سواء كان ذلك بواسطة تنفيذ البرامج التدريبية الحديثة التي يقدمها المدربون الأكفاء، أو المناهج العلمية الحديثة مثل: التخطيط الاستراتيجي، بطاقة الأداء المتوازن، برامج الجودة المتنوعة، التميز المؤسسي، وغيرها مما تنتجه الأبحاث والمدارس الإدارية المعاصرة بكل تنوعاتها وتعدد منابعها.

وهذه بحد ذاتها ظاهرة جيدة ومرحلة متقدمة في التفكير خاصة لدى صناع القرار في القطاع الخيري، بعد مضي عقود من الزمن ساد فيها الاعتماد على أنماط محددة في قيادة وإدارة أعمالها اعتمد أكثرها على محاكاة التجارب المشابهة، والتركيز على برامج ومناشط بعينها وتكرارها في مختلف مجالات القطاع، وتم التركيز فيها على أنواع من برامج تطوير الأداء ربما لا تتناسب مع مستوى الطموح والدور المأمول الذي يُنتظر بلوغه من هذا القطاع الحيوي والمهم في حياة المجتمعات.

ولعل السبب في ذلك يعود إلى رغبة قادة القطاع الخيري في اللحاق بركب التقدم الحضاري المعاصر والاستفادة من نتاج الأبحاث والدراسات العلمية التي تتوارد بشكل مكثف ومتسارع، لكن هذه الرغبة تظل بحاجة إلى الكثير من إمعان التفكير في مدى ملائمة هذه المنتجات الحديثة لواقع العمل الخيري من جهة، وتحقيق احتياجات المستفيد النهائي وأثرها في سد حاجاته الحقيقية من جهة أخرى.

وكل هذه المفاهيم تتأرجح بين عدد من المصطلحات الحديثة التي تؤثر تأثيرا مباشرا في طبيعة القرار لدى قادة القطاع الخيري في تبني البرامج التي يتوقعون أنها ترفع من كفاءة الأداء لدى مؤسساتهم، وتلك المصطلحات هي: الأداء، الإنتاجية، الكفاءة، الفعالية، وعلاقتها باحتياجات المستفيدين بصفتها لب العمل الخيري وغايته وسبب وجوده، إذ أن ما دونها مجرد وسائل ومقدمات لنتيجة واحدة مفادها: ما أثر هذه المفاهيم وغيرها في تحسين الإنتاجية وتلبية احتياجات المستفيدين الذين يخدمهم القطاع الخيري؟

إن حسن التعامل مع هذه المصطلحات وفهم حقائقها ووسائل تطبيقها واستشراف عمق تأثيرها من قبل صناع القرار في مؤسسات القطاع الخيري أصبحت ضرورة لشدة الاحتياج اليها في ترشيد العمل الخيري، وإعادة تركيز البوصلة على السبب الوحيد لوجودها وهو المستفيد النهائي، والذي يدفعهم إلى توجيه كافة قراراتهم في ذلك الاتجاه دون غيره، لاسيما ونحن نعيش في عصر من أبرز سماته الترويج غير المسبوق للأفكار والبرامج الحديثة، وما رافقها من توفر للفرص الكبيرة والعروض المغرية الكثيرة التي أفرزت تشتتا ذهنيا كبيرا قد يميل بقرارات القطاع بعيدا عن مجالات تركيزه الأساسية.

وفيما يلي تفصيلا للمصطلحات السابق ذكرها، في محاولة لتوضيح أوجه الترابط بينها، وعلاقة تحليل الاحتياجات التنموية بالأداء والإنتاجية والكفاءة والفعالية.

مفهوم الكفاءة يهتم بالعلاقة بين المخرجات والمدخلات في عملية ما، ويمكن تلخيص معناها بالسؤال: هل حققت المدخلات والموارد المبذولة في العملية للمخرجات والنتائج المرجوة منها، وكم تبلغ تلك النسبة؟

كما عرفت الكفاءة Efficiency بتعريفات مشهورة أبسطها: "عمل الأشياء بشكل صحيح،"Doing thigs right" ويعني تحقيق النتائج المخططة بأقل قدر ممكن من الوقت والجهد والتكلفة (3).

وتبذل المنشآت العامة والخاصة ومنها مؤسسات القطاع الخيري جهودا كبيرة في تطبيق مفهوم الكفاءة، فعلى سبيل المثال: حينما تنفق جمعية ما موارد وتجهيزات بهدف ضبط دوام العاملين من خلال البصمة، وبعد التقييم تجد أن تلك الموارد قد حققت النتيجة المباشرة بنسبة كبيرة، تدل " أداء العمل بشكل صحيح" وهو معنى كفاءة المؤسسة في التخطيط والتنفيذ لبلوغ النتائج المباشرة. لكن السؤال الذي يبرز هنا: هل أداء هذا العمل الصحيح وتحقيق هذه النتيجة المباشرة يعد كافيا لتحقيق الإنتاجية والأداء الأمثل؟، إنه لن يكون كافيا إلا إذا كان أصل هذا العمل صحيحا، ومعناه أنه يسير في نفس سير المنشأة باتجاه أهدافها وليس باتجاه آخر، فهو يسهم في تحقيق جزء محدد من منظومة الأهداف الكلية للمنشأة ولا يصادمها.

وفي المثال السابق، يبرز السؤال التالي: طالما أدى استخدام نظام ضبط دوام العاملين من خلال البصمة إلى تحقيق كفاءة عالية في انضباط العاملين، فهل تمت دراسة مخاطر هذا الإجراء على معنويات العاملين؟ حيث أنه لن يكون صحيحا وفعالا إذا تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في تذمر وسخط العاملين الذي يؤثر في ضعف الروح المعنوية لديهم فيقود بالنهاية الى انخفاض مستوى انتاجيتهم، والتأثير على أهداف المنشأة الكبرى، حينها يمكن الحكم على هذا الإجراء غير صحيح ومحل نظر ولا يحقق الإنتاجية والأداء الأمثل.

وهذا يقودنا الى مفهوم الفعالية Effectiveness  والتي عرفت بعدة تعريفات أبسطها: "عمل الأشياء الصحيحة "،Dong Right Thing  وهذا يعني ليس مجرد توفير الوقت والجهد والمال فحسب، كما هو في مفهوم الكفاءة، بل أيضا لابد من تحقيق الأهداف المخططة وأفضل النتائج المطلوبة. (3)

فقد تكون عملية صعود السلم الطويل المرهق في وقت قياسي لأداء مهمة ما، عملا جيدا لإثبات كفاءة الأداء، لكن هذا العمل لن يكون كافيا إلا إذا توفر عنصر آخر ملازم له بالضرورة، مفاده أن يكون السلم مسنودا إلى الحائط الصحيح دون غيره باعتباره الهدف والسبب الوحيد لإنشاء العمل ابتداء، وإلا فما فائدة تلك الكفاءة في الأداء إذا لم تحقق الهدف بعينه، بل قد يعتبر نوع من الهدر وسوء التخطيط، وهذا العنصر هو ما اسميناه الفعالية.

إن أي اختلال في مفهومي الكفاءة والفعالية، كاستخدام إجراءات تعزز مستوى الكفاءة بمعزل عن دراسة آثارها والنظر في مدى صحة هذه الإجراءات ومدى تحقيقها للفعالية، فهذا يؤدي إلى الهدر وضعف الإنتاجية.

إن الأداء المطلوب هو الذي يعكس الإنتاجية والتي تتكون من: النتائج والمخرجات المباشرة على المدى القريب، والغايات المطلوب تحقيقها على المدى البعيد، وفي هذا تعبير عن ضرورة وجود البعد التشغيلي والاستراتيجي في تفكير قادة المنشاة، حيث أنه لا يمكن الحكم بأن المؤسسة قد حققت مستويات عالية من الأداء إذا كان ذلك قد كلفها موارد أكثر من الموارد المخططة، أو قصرت في تحقيق الأهداف بالجودة المطلوبة وفي الزمن المحدد. (1)

وبناء عليه، فإن من الخلل أن تخضع المنشآت إلى طرق تفكير معينة ينتج عنها اتخاذ قرارات استراتيجية أو تشغيلية تؤدي الى توجيه العمل والموارد باتجاه لا يجمع بين الكفاءة والفعالية معا في التفكير، فعلى سبيل المثال: الاهتمام بالوسائل بمعزل عن غاياتها، أو الاهتمام باللوائح والنظم والمبالغة في ذلك، أو الإغراق في استخدام التقنية والوسائل المساعدة الأخرى، وكل ذلك دون دراسة وافية لعلاقاتها بالاحتياجات الحقيقية أو الغايات النهائية للمنشاة. فهذا السلوك كثيرا ما يوقعها في فخ العشوائية والارتجالية وتوجيه القرارات والأنشطة والموارد باتجاهات قد تميل بها بعيدا عن تحقيق القدر المخطط من احتياجات المستفيدين، مما يسبب الهدر وهو الفقد والضياع للأموال والجهود، إما بصرف قدر زائد عن الاحتياجات، أو بما لا يحقق الغايات.

وهذا يقودنا الى العامل الأكثر أهمية والذي يؤثر بشكل مباشرة في الربط بين مفهومي الكفاءة الفعالية، ويحقق الإنتاجية والأداء الأمثل، وهو تحليل احتياجات المستفيدين الذين تخدمهم مؤسسات المجتمع ومنها جميع الجهات الخيرية، فإنها من المفترض أن تصمم أعمالها وبرامجها وتوفر مواردها المادية والبشرية بناء على تلك الاحتياجات، كأساس لوجودها مع كافة برامجها وأنشطتها.

يشكل تقدير احتياجات المستفيدين من خدمات الجهات الخيرية حجر الأساس في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، كونه يوفر المعلومات الأساسية التي تعتمد عليها خططها، ويساعدها في ترتيب أولويات الخدمات التي تقدمها للمستفيدين فضلا عن بناء الرؤى التنموية المستقبلية للمجتمعات. (5)

والاحتياج أو الحاجة تعني الفرق بين الحالة المرغوبة والواقع الفعلي الحالي، وتعرف بأنها: حالة عدم توازن يشعر بها فرد أو جماعة أو مجتمع نتيجة الإحساس بالرغبة في تحقيق هدف معين يحتاج تحقيقه إلى توفر إمكانيات أو موارد معينة. (5)

والاحتياج التنموي هو كل ما تحتاجه عملية التنمية لمجتمع معين من موارد مالية، بشرية، بناء قدرات وغيرها، هذه الاحتياجات تُعكس في شكل خطط وبرامج ومشاريع يحتاج إليها المجتمع، وتقوم بها الجهات المهتمة بالجوانب التنموية في المجتمعات ومنها الجهات الخيرية. (6)

أما عملية تحليل أو تقييم الاحتياجات التنموية للمستفيدين فتعني: دراسة مجتمع معين من حيث توفر موارده التنموية (الطبيعية، البشرية، والمجتمعية)، تحديد المشكلات التنموية وترتيب أولوياتها، وتحديد الأنشطة التنموية اللازمة لمعالجة تلك المشكلات. (6) كما تعني تحديد الفجوات التنموية بين الظروف الراهنة والأوضاع المطلوب الوصول إليها، وغالبا ما يستخدم هذا التحليل كمدخل لتحسين حياة أفراد أو برامج التعليم والتدريب، والمنظمات، أو المجتمعات المحلية. (7)

وعملية تحليل الاحتياجات التنموية أداة مهمة من أدوات إدارة العمل التنموي، فهي تساعد في بناء قدرة أفراد المجتمع على الإسهام في تحديد مشكلاتهم وتحليلها والمشاركة في التفكير في الحلول الممكنة واتخاذ قرارات بشأن أفضليات الأعمال التي يتم القيام بها باستخدام الموارد المتاحة، كما تساعد في وضع الخطط التنموية بحسب رؤية أعضاء المجتمع أنفسهم. (6)

وتأتي أهمية عملية تحليل وتقدير الاحتياجات من كونها أداة مهمة تؤدي الى التحديد الدقيق لاحتياجات المجتمع بشكل عام، واحتياجات المستفيدين من برامج التنمية (الرعاية والإغاثة في الظروف الطارئة) بشكل خاص، مصحوبة بتوفير معلومات أساسية وبدرجة عالية من الدقة حتى يتم الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات المستقبلية، وبناء الخطط التنموية التي تلبي الاحتياجات الحقيقية للمستفيدين، مع تقديم أفضل المقترحات للاستخدام الأمثل للوقت والموارد المتاحة، والطرق الممكنة لتحسين البرامج والخدمات، فضلا عن الترتيب الموضوعي لأولويات الأنشطة والبرامج المستخدمة، والتقدير الموثوق لحجم الموارد والاحتياجات المطلوبة.(5)

والخلاصة أن تحليل وتقدير الاحتياجات التنموية يكتسب أهمية خاصة كونه يمثل التشخيص الذي يسبق وصفة العلاجات الناجعة المبنية على الكشف الصحيح عن موطن الداء والتقدير السليم للاحتياج الذي يقوم به الطبيب الحاذق، والذي يكون مدخلا أساسيا في كتابة وصفة علاجية ناجعة يتوقع بموثوقية عالية أن تذهب الداء وتسد النقص والحاجة، كما تشكل حلقة وصل مهمة بين كفاءة الأداء وجودته وكلفته، وبين فعاليته من حيث تحقيقه للأهداف المرسومة.

وبالمقابل يمثل غياب المنهجية العلمية في التحليل السليم والتقدير الصحيح لاحتياجات المستفيدين فقدان صناع القرار الخيري لبوصلة التركيز على أهم معايير اعتماد البرامج والأنشطة، فيوقعهم في فخ التوقعات والافتراضات التي تعني العشوائية في التقدير، وما يصاحب ذلك- بقصد أو بغير قصد- من الهدر أو القصور في تقدير الموارد اللازمة أثناء محاولاتها لسد تلك الاحتياجات.

 

المراجع:

  • مزهودة، عبد المليك ،الأداء بين الكفاءة والفعالية مفهوم وتقييم ، مجلة العلوم الإنسانية بجامعة محمد خيضر بسكرة، العدد الأول: الجزائر نوفمبر 2011.
  •      أسبر، لمى فيصل ، مقترح لرفع الكفاءة والفعالية المصرفية من منظور إدارة الجودة الشاملة، رسالة ماجستير في إدارة الأعمال جامعة تشرين،2009.
  • STACK, LAURA,Doing the Right Things Right, Berrett-koehler Publishers, Inc. 1333 Broadway, Suite 1000 ,Oakland, California ,2016.
  • كردي، احمد السيد، الفرق بين الفاعلية والكفاءة في الأداء الوظيفي، 2018

   http://kenanaonline.com/ahmedkordy

  • دليل تقدير احتياجات المستفيدين من خدمات الجمعيات الخيرية، جامعة أم القرى، بالتعاون مع المركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد) .
  • دليل الممارس التنموي في تقييم الوضع والتخطيط بالمشاركة، منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تابعة للأمم المتحدة.
  •  Kaufmann, R. (1996). Strategic thinking: A guide to identifying and solving problems. Arlington, Virginia. Washington, DC Joint Bulletin of the American Society for Training and Development and the International Society