النظرة المجتمعية للعطاء وعلاقتها بتعميق الأثر المجتمعي للعمل الخيري
7 أبريل 2018 - 21 رجب 1439 هـ( 786 زيارة ) .
المصدر :مداد
التصنيف :التطوع



بقلم: أ. ابتهال الطلحي
مساعدة باحث بالمركز الدولي للابحاث والدراسات مداد


العطاء ثقافة مجتمع مبنية على عدة عوامل دينية، اجتماعية وثقافية تهيئ له مناخا يزدهر فيه. فقد تطورت هذه الثقافة من مفهوم التعاون وحب الخير إلى عمل مؤسسي مبني على مفهوم مجتمعي. ورغم اختلاف مفاهيم ونماذج العطاء المجتمعي، الا أن جميعها يندرج في سياق "المشاركة المجتمعية". وتختلف العوامل التي تؤثر على ممارسته من مجتمع الى آخر تبعا لاختلاف عوامل التركيب الاجتماعي من الدين، العرق، العادات والتقاليد، الفكر السياسي والتاريخ منتجة بذلك "النظرة المجتمعية" تجاه العطاء والتي من الممكن ان تؤثر بدورها في عمق الأثر المجتمعي للعمل الخيري.

ففي المجتمعات الإسلامية، يتميز العطاء بكونه الشعور النابع عن شعور الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من المجموعة حيث للمنظور الإسلامي  دور في تعزيز مفهوم وممارسة العطاء الاجتماعي من خلال ترسيخ مبادئ التراحم والتآخي بالإضافة الى تكليف المسلم ببعض الحقوق المنطلقة من مبادئ العدالة الاجتماعية والتي تعزز من ممارسة العطاء مثل الزكاة، الأوقاف، النفقة والصدقة.[1]كما أشارت دراسة ناقشت مفهوم العطاء الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية في مركز جون جرهارت للعطاء الاجتماعي والمشاركة المجتمعية، الى ماهية مفهوم العطاء الاجتماعي من خلال مصطلح "النهج الحقوقي للعطاء" والذي يشير الى العطاء كتقليد ديني يمثل الواجب الأخلاقي والاجتماعي للفرد والذي يدفعه للعطاء ويشعر المستفيد في المقابل بحقه الاجتماعي والأخلاقي في تلقي المساعدة. فقد بنت الدراسة مفهوم هذا المصطلح على أساس حجج قائمة على دافع مهم للعطاء الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية و العربية وهو الدين.[2]

لم يكن الدين وحده الدافع وراء العطاء في المجتمعات الإسلامية والعربية، بل أن للقيم والتقاليد الاجتماعية دور فعال في تعميق روح العطاء الاجتماعي وذلك من خلال دمجها بين النماذج الدينية للعطاء ومبادئ المشاركة المجتمعية. فهو أحد أهم القيم المجتمعية قبل الإسلام والتي تتمثل في إغاثة الملهوف، مساعدة المحتاج والكرم، والتي جاء الإسلام بعد ذلك ليعزز من استمراريتها.[3]

ولقد مر العطاء الاجتماعي بمراحل عديدة عبر التاريخ وأخذ العديد من الصور والاشكال خاصة في المجتمع العربي. فهناك عدة عوامل وتغييرات سياسية، اقتصادية واجتماعية مرت بها المجتمعات الإسلامية والعربية أدت لحدوث تغير في النظرة المجتمعية للعطاء ومن أهمها أحداث الحادي عشر من سبتمبر وادعاءات ربطت أنشطة المنظمات الخيرية بتمويل الإرهاب، والتي أدت لزعزعة ثقة المجتمع في المؤسسات والجمعيات الخيرية خشية أن تكون الممول الخفي للإرهاب بالإضافة الى القيود التي فرضت على المنظمات الخيرية داخل وخارج الوطن العربي حدت من فاعلية هذه المنظمات. ولكن نقص الوعي المجتمعي في ذلك الوقت فيما يخص عمل وهيكلة الجمعيات الخيرية وعدم وضوح أهدافها التنموية، أدى الى تغيير في مفهوم العطاء وبالتالي تضاؤل ثقافة العطاء في المجتمعات العربية.

ففي المجتمع السعودي على سبيل المثال، اشارت إحصائيات لدراسة أجريت حول أسباب تضاؤل انتشار ثقافة العطاء في المجتمع السعودي، أن ٦٧٪ أكدوا أن السبب وراء ذلك يكمن في عدم وجود تغطية إعلامية لأهداف المؤسسات الخيرية وأنشطتها و٧٥٪ لعدم وجود برامج إعلامية توضح أهمية العمل التطوعي، بينما أشار ٧٣.٤٪ الى قلة تركيز المناهج الدراسية على مفاهيم العطاء والتطوع منذ الصغر[4]. فجميع هذه العوامل من قلة وعي الشباب بأهمية التطوع، غياب التوعية الإعلامية بدور المشاركة في العطاء، وانخفاض مستوى اهتمام المؤسسات التعليمية في ترسيخ مفاهيم العطاء والعمل التطوعي في المناهج الدراسية جميعها عوامل أدت لقلة تأثير الأعمال الخيرية في المجتمعات العربية والمجتمع السعودي على وجه الخصوص.

لطالما كان للنظرة المجتمعية للعطاء السائدة حاليا في المجتمعات الإسلامية والعربية تأثير كبير على تأسيس المنظمات الخيرية والغير ربحية والتي تؤدي دور فعال في مجتمعاتنا العربية من حيث التأثير في السياسات العامة، عمليات الإصلاح السياسي، وتقديم الخدمات الإغاثية في أوقات الكوارث والحروب. أضف الى ذلك نقص التطور والنمو الأكاديمي في مجال القطاع غير الربحي وإدارة المنظمات غير الربحية والذي يعد من أبرز هذه التأثيرات التي أدت الى قلة الكفاءات والإحصائيات التي تقيس أداء المنظمات والمؤسسات الخيرية وبالتالي تراجع الأثر المجتمعي لجهود هذه المنظمات الخيرية، لذلك تطوير أداءها وآلياتها مسألة ضرورية لتمكين صناع القرار من حصر القضايا والمسائل المجتمعية التي تحتاج لمعالجة في المجتمعات الإسلامية والعربية. بالإضافة الى تطوير هيكلة واسهامات المنظمات والمؤسسات الخيرية من أجل تحقيق أثر أعمق للخدمات المجتمعيةالتي تقدمها. وعلى الرغم من أن مستوى العطاء وفاعلية أداء المنظمات الخيرية في المجتمعات العربية أقل منه في المجتمعات الغربية، الا أنالتقرير السنوي العاشر عن التطوع للشبكة العربية للمنظمات الأهلية العربية الصادر عام ٢٠١٢ أكد بأن المنظمات الأهلية في المجتمع العربي أصبحت تشكل الضلع الثالث من أضلاع التنمية الى جانب القطاع الحكومي والخاص والذي يجعل منها قوة اقتصادية من ناحية حجم الانفاق في المشاريع الخاصة بها.[5] و هذا دليل على بداية تحول مفهوم العطاء في المجتمعات العربية من مفهومها الإنساني المقتصر على تقديم المساعدة فقط الى العمل المؤسسي المبني على نظم و نظريات تدعم من دوره الفعال في التنمية.

ونظرا للإطار السياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية من نظم سياسية غير مستقرة، عهود من الاحتلال، النمو السكاني، ارتفاع نسبة البطالة بالإضافة الى نسب الهجرة المتزايدة وخاصة ذوي الكفاءات، تفاقمت حاجة المجتمعات العربية الى مختلف أشكال العطاء وزادت ضرورة تحول مفهوم العطاء لعمل مؤسسي منظم من خلال إنشاء العديد من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية.[6]

ولم يكن انعكاس القيم الاجتماعية لتكوين المفهوم المجتمعي للعطاء فقط في المجتمعات الإسلامية والعربية بل أيضا شمل المجتمعات اليهودية. فهو يشكل جزء من التقاليد اليهودية التي تنتقل من جيل لآخر ويبقى أثرها للأجيال القادمة. ففي مقالنشر لكلية الأعمال الخيرية بجامعة انديانا في الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان "كيف يدرس الآباء ابناءهم حول مسائل العطاء الخيري وفقا لدراسة جديدة" والذي يناقش دراسة أجراها أحد مراكز الأبحاث التابعة للكلية عن كيفية تنشئة الأطفال لكي يصبحوا من محبي العطاء، حيث بينت الدراسة  أن نموذج الحوار القائم بين الوالدين وأبنائهم لتحقيق ذلك هو حوار بسيط عن كيف ولماذا تعطي الاخرين.[7] إذ أن أحد التفسيرات العلمية التي تفسر سلوك العطاء هو البيئة التي يعيش فيها الفرد و دور التنشئة الاجتماعية في تعزيز و تعميق مفهوم و أثر العطاء الاجتماعي. فيمكننا القول إن هذا التفسير ينطبق على العائلات في المجتمعات اليهودية المبني على الحوار القائم على التقاليد اليهودية للعطاء وهذا الأمر الذي جعل الأثر المجتمعي للأعمال الخيرية أعمق في المجتمع اليهودي.

كما يؤمن اليهود بالمسؤولية المجتمعية لتقديم المعونة والمساعدة والمال للفقراء والمحتاجين المبنية على أسس الاحسان. فمعظم المنازل اليهودية تحتوي على صندوق لإيداع النقود المعدنية للصدقة من أجل دعم الأعمال الخيرية، يتم تمرير هذا الصندوق بعد كل صلاة ليصبح بذلك العطاء جزء من عاداتهم اليومية. فمنذ الطفولة، يتعلم الأطفال اليهود أن مسؤوليتهم تتمثل في رعاية اليهود الآخرين المحتاجين، فيكمن الحافز للعطاءفي الحفاظ على الشعب اليهودي وتعزيز المجتمع اليهودي للحاضر والمستقبل.7

فمجموعة القيم والتقاليد اليهودية والتي شكلت مفهوم مجتمعي للعطاء، ترتكز على مبدأ العدالة الاجتماعية في المجتمعات اليهودية.  ففي اللغة العبرية تستخدم كلمة معناها "العدالة الاجتماعية" للإشارة للعمل الخيري، وهو ما يعني أنهم ينظرون الى العطاء باعتباره مسألة عدالة اجتماعية واقتصادية.[8]كان لهذا المفهوم تأثير مجتمعي واضح على نشأة العديد من المنظمات والجمعيات الخيرية اليهودية والتي حددت وعالجت بفعالية أهم مسائل وقضايا المجتمع اليهودي بالإضافة الى تنشئة جيل يعزز من قيمة العطاء المجتمعية ويملك القدرات الكافية للعمل في هذا القطاع و ذلك من خلال توفير البرامج التعليمية والمناهج التي تدرس أسس إدارة القطاع غير الربحي. ففي دراسة أجراها البروفيسور ايليز جاف، وصل عدد المنظمات والجمعيات الغير ربحية اليهودية الى ٢٧،٠٠٠ جمعية ومنظمة تطوعية مسجلة في عام ١٩٩٩م والتي تزداد بمعدل سنوي إلى ١٠٠٠ جمعية. لهذه الجمعيات تأثير سياسي واجتماعي واضح في دعم الكيان الصهيوني من خلال تقديم وتسهيل خدمات هجرة اليهود لإسرائيل. كما برز دور هذه المنظمات في النهوض بالاقتصاد الإسرائيلي من خلال المشاريع و الخدمات الاجتماعية التي توفرها الى جانب توفير فرص العمل، دعم التعليم وتقديم القروض الخيرية  بسبب زيادة الاحتياج لمثل هذه الجمعيات بعد حرب أكتوبر عام ١٩٧٣م،[9] و ذلك بسبب تدهور الاوضاع السياسية و الاقتصادية في إسرائيل بعد الخسائر الناجمة عن الحرب.

ولم يقتصر العطاء الخيري في المجتمع اليهودي على مجتمعاتهم فحسب بل أيضا شمل تأثيرها ودعمها قضايا عالمية مثل الفقر، المجاعة، منع انتشار الأوبئة والعنف، التشرد، ودعم التعليم مثل ما تقدمه المنظمة اليهودية لتنشئة المراهقين من دعم مالي وبرامج توعوية لهذه القضايا داخل وخارج المجتمع اليهودي، و التي تمثلت جهودها في إعادة بناء المدن، مساعدة الشعوب الفقيرة في الحصول على الماء والغذاء بإقامة مشاريع خيرية في تلك الدول وتقديم المساعدات الطبية.[10]

وبالتالي يمكن القول إن النظرة المجتمعية للعطاء في المجتمعات اليهودية ساهمت بشكل كبير فيتعميق أثر الأعمال الخيرية في المجتمع اليهودي. فقد كشف تقرير تقييم الأثر المجتمعي لأنشطة وبرامج أحد المنظمات الخيرية اليهودية "منظمة شباب المجتمع اليهودي"، أن ٩٥٪ من خريجي برامجها تعززت أكثر لديهم الهوية اليهودية، القدرة القيادية والمهارات اللازمة لجعل العمل الخيري أكثر فعالية للارتقاء بمجتمعهم.[11] فمنهجية المنظمات الخيرية اليهودية المبنية على العمل المؤسسي و بناء كوادر متخصصة في مجال العمل الخيري جميعها عوامل تزيد من تعظيم دور الاعمال الخيرية في تنمية المجتمع و احداث أثر و تغيير إيجابي.

أما فيما يخص ثقافة العطاء الخيري في المجتمعات الشيوعية مثل الصين، فيبدو للبعض أن العمل الخيري هو ظاهرة جديدة في المجتمع الصيني خاصة وأن الصين احتلت المرتبة الأخيرة في ترتيب الدول الأكثر عطاء لعام ٢٠١٦ بحسب مؤشر العطاء العالمي.[12] ولكن في الواقع، الصين لديها تاريخ في الاعمال الخيرية. فالعطاء أو فعل الخير بالنسبة لكل من الديانة الكونفوشيوسية والبوذية، تقليد أساسي يحظى بتقدير وقيمة كبيرة ولكن عانت من الركود لفترة بعد الثورة الشيوعية عام ١٩٤٩م عندما أُغلقت المبادرات الخيرية الخاصة والمنظمات غير الحكومية وطلبت من المنظمات الخيرية الأجنبية مغادرة البلاد.[13]

ففي فترة ما قبل القرن التاسع، كانت تعتمد الأنشطة الخيرية إلى حد كبير على الدين كدافع للعطاء من خلال المعابد. ولكن منذ منتصف القرن التاسع، أصبح للحكومة دوراً رئيسياً في تمويل المؤسسات الخيرية فقد أظهر عدد من الصينيين البارزين، في أوائل القرن العشرين خلال فترة ما قبل الشيوعية، مبادرات سخية. فعلى سبيل المثال، كان رئيس وزراء جمهورية الصين الأسبق شيونغ شيلينغ رائداً للأعمال الخيرية الصينية الحديثة من خلال المساهمة في إنشاء مؤسسات خدمات تعليمية وإنسانية لمواجهة الكوارث الطبيعية والغزو الياباني. كما قامت مجموعة من المؤسسات والمبشرين الغربيين بتقديم نماذج أعمال خيرية على الطراز الأمريكي في الصين، بما في ذلك مساهمة مؤسسة روكفلر في الطب.

أما خلال الثورة الاشتراكية، فكان يعتقد أن الدولة الشيوعية قادرة على توفير الخدمات العامة ومعالجة جميع المشاكل والقضايا الاجتماعية، لذا اعتبرت الحاجة لمؤسسات ومنظمات خيرية دليل على فشل وتقصير الحكومة في تقديم ذلك. وكما علقت تشانغ شين، وهي واحدة من أغنى النساء في الصين والرئيس التنفيذي لشركة سوهو الصينية للتطوير العقاري، أنه "كأطفال في ذلك المجتمع، لم نكن نتخيل إمكانية أن نصبح محسنين.13

فالعطاء الخيري في المجتمع الصيني له خصائصه كغيره من المجتمعات، فالمانحين الصينيين يركزون بشكل أكبر على تلبية الاحتياجات الاجتماعية الفورية بدلاً من الحل طويل المدى للقضايا الاجتماعية التي يواجهها المجتمع الصيني. فأظهر تقرير حديث لمعدلات العطاء الخيري في الصين، أن الغالبية العظمى من التبرعات أكثر من ٧٥٪ تم توجيهها إلى تلبية الاحتياجات العاجلة بما في ذلك الإغاثة في حالات الكوارث، التعليم ومواجهة الفقر. ثانياً، يميل الشعب الصيني إلى الوثوق بأفراد العائلة والجيران أكثر من الغرباء، فيفضل المانحون تقديم المعونة للأشخاص المحتاجين ورؤية النتيجة على الفور. ولكن الأعمال الخيرية الحديثة لا تعمل بهذه الطريقة، فمفهومها الحديث لا يقتصر فقط على النتيجة الفورية للعمل الخيري مثل اطعام الفقير بل يشمل تمكينه لكسب العيش والذي يهدف لإجراء تغيير مستدام ومنهجي. تبني هذا المفهوم الحديث في المجتمع الصيني يمثل صعوبة إذ أن قياس الأثر المجتمعي يستغرق فترة من الزمن لرؤية النتائج على أرض الواقع، فالحل الجذري للمشاكل الاجتماعية لا يمثل قلق كبير لدى المجتمع الصيني كغيرهم من المجتمعات.

ومن الخصائص الأخرى للعطاء الخيري في المجتمع الصيني والتي تشابه بحد كبير وضع المنظمات الخيرية/الغير ربحية في الوطن العربي، هي "أزمة الثقة" بالنسبة للمانحين الصينيين تجاه المؤسسات الخيرية الصينية. فالمنظمات الاجتماعية الصينية ترتبط تقليديًا بالحكومة من خلال الإدارة والتمويل. ونتيجة لإصلاح إجراءات التسجيل للمنظمات الاجتماعية التي دخلت حيز التنفيذ في عام ٢٠١٣م، ظهرت مجموعة كبيرة ومتنوعة من المنظمات الجديدة في الصين حيث يوجد حالياً أكثر من ٥١١،٠٠٠ منظمة غير حكومية مسجلة بشكل قانوني. ولكن مازال هناك صعوبة للمانحين في تحديد المنظمة التي يودون المساهمة فيها لعدم شفافية وتلبية تلك المنظمات للمعايير الدولية ولذلك ٣٠٪ فقط من تلك المنظمات يتفق مع المعايير الدولية. وترتب على ذلك اختيار المانحون في كثير من الأحيان تبني نهج تأسيس مؤسساتهم الخاصة للقيام بالعمل الخيري بأنفسهم، أو التبرع للمنظمات غير الربحية في الخارج اعتقادا منهم بأن الاستثمار في تلك المنظمات ذات السمعة، الشفافية والاحترافية العالية ستحقق عوائد ذات مغزى اجتماعي.

ويعتبر الإصلاح الاقتصادي في عام ١٩٧٨م نقطة التحول في النظرة المجتمعية للعطاء الخيري في المجتمع الصيني لينهج النهج المؤسسي للعطاء. فوجدت الصين نفسها كدولة حديثة تحتاج لطريقة للربط بين الجهود العامة والخاصة في توفير الخدمات الاجتماعية لمواطنيها وفوائد المشاركة المدنية. وكان من أهم أهدافهم الخيرية هو تحقيق مستوى من الانسجام الاجتماعي وهو مفهوم صيني على وجه الخصوص موجود في معتقدات الكونفوشيوسية مع تركيز محور اهتمام الاعمال الخيرية حول دعم التعليم.[14] و نتيجة لذلك كان للمنظمات غير الربحية دور فعال في تشكيل الضغط لإحداث تحولات سياسية و اقتصادية في الصين، و التي تتمثل في نشاطاتها من أجل التحول الديمقراطي من خلال نشر القيم الديمقراطية.  

فمن خلال استعراض النظرة المجتمعية للعطاء لمجتمعات يختلف تكوينها المجتمعي تبين أن مفهوم العطاء كتقليد ديني اجتماعي هو المفهوم السائد في معظم المجتمعات والذي يختلف في نهجه تجاه المجتمع كالمجتمعات الإسلامية والعربية، واليهودية، أو الأسرة كما هو الحال في المجتمع الصيني. ورغم أن دافع الدين يعتبر عامل قوي في تشكيل النظرة المجتمعية للعطاء، الا أن هناك تغييرات تطرأ على البيئة الاجتماعية من الممكن أن تكون اجتماعية، اقتصادية أو سياسية، قد تلعب دور كبير في احداث تغيير في المفهوم المجتمعي للعطاء والذي يزيد من حاجة المجتمعات لمنظمات خيرية/غير ربحية تحدث بدورها المؤسسي تحولات اجتماعية، اقتصادية وسياسية كالتحولات السياسية الديمقراطية في المجتمع الصيني. ولاسيما البعض من هذه التغييرات الطارئة على البيئة الاجتماعية قد شكل خاصية لمفهوم العطاء تتمثل في "أزمة الثقة" من المانحين تجاه المنظمات الخيرية واتضحت في مجتمعات مثل المجتمع الصيني والتي كانت نتيجة انعدام الشفافية، وفي المجتمع العربي الإسلامي والناتجة عن بعض الظواهر السياسية مثل الإرهاب. ورغم اختلاف مسببات نشأتها الا أنها أدت لنتيجة مشابه في المجتمعين وهي تلاشي ثقافة العطاء في هذه المجتمعات لفترة ما.

ففي مثل هذه المجتمعات، نحتاج الى تبني آليات لتكريس ثقافة العطاء الخيري في المجتمع لإحداث تغيير إيجابي مجتمعيا من خلال تمكين المنظمات الخيرية من ابراز دورها المساند للحكومة.  كما أن تقدم وتطور المجال الأكاديمي المختص في دراسات القطاع الغير ربحي سيلعب دور أساسي في اعداد الكوادر المؤهلة للعمل في هذا القطاع عن طريق بناء كليات وبرامج متخصصة في دراسات العمل الخيري. أضف الى ذلك تبني المنظمات الخيرية التغير التدريجي في مفهوم العطاء الاجتماعي من منظور مساعدة المحتاجين والذي يقتصر على حل القضايا على المدى القصير الى المنظور المؤسسي المرتكز على مبدأ الاستدامة وقيام المنظمات الخيرية الإسلامية والعربية بالتعريف عن أهدافها وانشطتها لتحقيق الهدف التنموي من الأعمال الخيرية وبذلك تحقيق أثر مجتمعي أعمق للدور الذي تؤديه المنظمات من أعمال خيرية.



 الفاظ العطاء في القرآن الكريم، د. حيدر الحسني[1]

 العطاء الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، عبد الله نعيم و أسمى عبد الحليم، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مصر[2]

  العمل التطوعي في منظور عالمي-المؤتمر الثاني للتطوع، إبراهيم حسين، الامارات العربية المتحدة.[3]

 ثقافة العمل التطوعي لدى الشباب السعودي: دراسة ميدانية، د/عثمان العامر، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية العدد     السابع، ١٤٢٧.     [4]

  التقرير السنوي العاشر-التطوع، الشبكة العربية للمنظمات الأهلية العربية، ٢٠١٢[5]

 ثقافة العمل التطوعي الانساني في سوريا، ياسمين أبو فخر، العدد الثالث، مجلة دلتا نون، ٢٠١٥. [6]

How Parents teach children about charitable giving matters, new study finds, IUPUI Newsroom, 2013. [7]

Jewish Philanthropy: The Concept of Tzedakah, Jacquelyn DeGroot, Learning To Give  [8]

Giving Wisely: The Israel Guide to Non Profit and Volunteer Organizations, Eliezer David Jaffe, Gefen Books, 2000. [9]

Jewish Teen Foundations Impact Report, A program of the Jewish Community Federation amd Endowment Fund  [10]

10 Years of Impact: 2003-2012, Jewish Community Youth Foundation  [11]

 المؤشر العالمي للشعوب الأكثر عطاء لسنة ٢٠١٦، هدى اشنايبي، أراجيك، ٢٠١٦. [12]

 Why Giving is Harder than Earning: Philanthropy in China, Yong Lu, China Research Center,2017[13]

 Seven Things You Probably Didn’t Know about Chinese Philanthropy, Anna-Marie Harlings & Christina Tung, The Guardian, 2017. [14]