هل يعد الاهتمام بعقد الأمانة (Trust) مبرراً؟
23 نوفمبر 2017 - 5 ربيع الأول 1439 هـ( 298 زيارة ) .
المصدر :مداد

 

بقلم: رجب فارس الزهراني

 

    الاهتمام المتزايد بالأوقاف والعمل الخيري داخل مجتمعنا - وخاصة من رجال الفقه والقانون وما يتعلق بذلك من مسائل فقهية وأخرى قانونية- جاء مواكباً صدور أنظمة وقوانين جديدة في الأوقـــــاف والعمل الخيري، مما يدل على توجه محمود نحو بعث ثقافة الوقف والعمل الخيري داخل المجتمع، والذي بدوره يعطي للاقتصاد قوة، ويعزز التنمية المستدامة وتحقيق دولة الرفاه.

    ولعل من ضمن الأمور التي اهتم بها كثير من الباحثين ما يعرف بقانون "العهدة المالية" الـــ Trustأو "عقد الأمانة" كما أحب أن أطلق عليه([1])، وهو نظام عرف في القانون الإنجليزي في البلدان التي خضعت لحكم الإمبراطورية البريطانية، حيث كان "نظام الـــ Trust" أو "عقود الأمانة" وليدة ظرف تاريخي، جعل اللجوء إلى هذا النوع من التعامل حاجة عند بعض المزارعين وملاك العقارات الذين كانوا يشاركون في حروب التوسع والاستعمار البريطاني([2]).

هؤلاء الملاك اضطروا إلى الدفع بعقاراتهم إلى من يديرها لمصلحة عوائلهم وأبنائهم، وكان يتم هذا على شكل وصايا Willsأحيانًا، خشية الهلاك في الحروب، بحيث يقوم المالك للعقار (س) بتمليك طرف ثان (ص) لإدارة العقار، ويسمى مديرُ العقار الأمين Trustee، ويديره لمصلحة مستفيد أو مجموعة من المستفيدين (ج + د)... الخ. وفي الغالب يكون المستفيد هم الأبناء أو العائلة.

إلا أن تمليك الأمين Trusteeوإفراغ العقار له، من أجل إدارة العقار، خلق للعقار مالكَين، مالك ظاهر أمام القضاء وهو الذي سُجِّل الصكُّ باسمه، ومالك باطِن بعقد ووثيقة موقعة بين مالك العقار ومديره (الأمين)، مما سبب هذا لاحقًا تنازعًا على ملكية العقار.

هذه الصورية في العقد التي جعلت للعقد ظاهراً وباطناً قادت بلا شك إلى نزاع وخصومة على الملكية، فاضطر القضاء الإنجليزي العام إلى تطبيق القانون العام والأخذ بحجية الصكوك، لاستقرار معاملات الناس وحفظ حقوقهم، وهذا هو المعمول به قضاءً في أغلب بلدان العالم ومنها بلدنا، وليس ذلك جموداً على النص القانوني والنظامي بقدر ما هو محاولة لاستقرار معاملات الناس واحترام القانون وعدم الجرأة على مخالفته، وهذا يلمسه كل من يعمل في القضاء.

     ولكثرة هذه الخصومات وإغراقها في الصورية وكونها لا تمثل الحقيقة جعل التاج الملكي يتدخل وينشئ محاكم خاصة مرتبطة بالملك تنظر إلى حقائق الأمور وتنقض الحالات الصورية منها، و سميت هذه المحاكم بمحاكم العدالة Equity، وأصبحت هذه المحاكم تنقض أحكام القضاء العامCommon law  المعتمِدَة على حجية الصكوك متى ما ثبتت صوريتها، ومع الوقت أصبح القضاء العام يتفادى نقض أحكامه من قضاة العدالة بتطبيق مبادئ العدالة والاعتراف بالمالك الحقيقي الباطن، حتى أصبحCommon law يشمل ذلك كله.

   ولذا بعد معرفة طبيعة (Trust) يمكننا طرح مجموعة من الأسئلة والتي من أجلها كتبت هذه المقالة، ألا وهي: هل الاهتمام بما يسمى الترست(Trust) مبرراً؟ وهل طبيعة العقد الصوري هذا تخدم قطاع الأوقاف؟ وإلى أي مدى تخدمه؟

 

في الحقيقة أن Trustكما بيناه وحسب رأيي الشخصي لا يقدم كثيرًا - من ناحية طبيعة العقد الصورية التي تجعل للعقد ظاهرًا وباطنًا- إلى أحكام الوقف في الفقـــه الإسلامي، إلا أن تكون الصورية - المجانبة للأنظمة- التي تجر للنزاع والخصومة بلا شك؛ فإن "الوقف" في الفقه الإسلامي أدق في مفهومه وأشمل في تطبيقاته وأوضح في باب أحكام الملكية وأبعد عن جر النزاع والخصومة على الملكية، وليس هناك حاجة داعية، كما كان هو الحال في إنجلترا إلى اللجوء للعقود الصورية التي لها ظاهر وباطن، وإنما الحاجــــة إلى نقـــــل تطـــــور تقنـــــين وأنظمــــة الــــ Trust- القائمة على وجود شركات استثمارية تقوم على وجود مجالس إدارة تحكمها قوانين الحوكمة والمحاسبة والشفافية- إلى الأوقاف في مجتمعنا، هذه هي حاجة الأوقاف في مجتمعاتنا وإن كان هناك حاجة حاضرة ومستعجلة فهي الحاجة لدراسة النماذج الناجحة لشركات الأمانات من ناحية أنظمتها الداخلية وحوكمة قراراتها وكيفية إدارتها إدارة ناجحة.

من جهة أخرى فإن الأوقاف بحاجة إلى بعث اجتهادات المذاهب الفقهية جميعها في أحكام الوقف، وفتح باب الاجتهاد والبعد عن المذهبية التي قد تؤدي إلى جمود حركة الوقف الاقتصادية التنموية، فمسألة مثل: "التأقيت في الوقف" يجب أن تعنى باهتمام واسع من قبل المختصين، من الناحية الفقهية والاقتصادية ومن ثم النظامية القانونية.

ولابد من النظر في مدى فائدة "التأقيت" للأوقاف، بمعنى البحث عن فوائد الأوقاف المؤقتة التي تحد من تعطل منافع الوقف أو سطو قليلي الديانة عليه ومصادرته، وهل في تصفية الوقف حاجة وفائدة اقتصادية بتداول الأموال وعدم احتكارها أم لا؟

وإذا ثبتت جدوى ذلك اقتصاديًا، هل من الضروري تدخل القوانين بوضع آلية لتصفية الأوقاف؟ مثل هذه التساؤلات هي أهم -من وجهة نظري- لتنمية حركة الوقف الاقتصادية من اللجوء لعقود لها ظاهر وباطن.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.



(1) أطلق أستاذنا د. محمد علي القري في بحثه: "نظام العهدة المالية ـــــــ الترست" على هذا النوع من العقود والالتزامات "العهدة المالية" وجعل هذا المسمى هو الأقرب لواقع المعاملة وتكييفها كما سيأتي معنا، عوضًا عن نقل الكلمة كما هي بالإنجليزية، وقد كنت أطلقت على هذه المعاملة سابقًا وقبل الاطلاع على بحث الدكتور/ القري، "عقد الأمانة" على أنه ــــــ كما سيأتي في ثنايا البحث ــــــ عقد مستحدث تدور أحكامه في الجملة بين أحكام الملكية وتصرفات الأمين، والجمع بين الأجرة والمشاركة والوكالة، ومعلوم أنه في فقهنا الإسلامي الزاخر لا يوجد عقد يسمى بهذا الاسم، إلا أنه يطلق على مجموعة من العقود "عقود الأمانة" لاشتراكها في أحكام الأمانة وتصرفات الأمين، في مقابل عقود الضمان.

وعلى كل حال، فقد يطلق على أحكام القانون وقضاياه بـــــ"قانـــــون العهدة المالية" Turst law، واتفاقية الأمين أو الأمناء Trustee-trusteesمع صاحب الملك (المستعمر) Setllorبعقد الأمانة، لأنها عقد يحتوي على مجموعة من الالتزامات.

(2)Peter Gillies, Business Law, (The Federation Press, 12th ed, 2004) p 606.