الفروقات الجوهرية بين الوقف الإسلامي والترست الإنجليزي
1 اكتوبر 2017 - 11 محرم 1439 هـ( 216 زيارة ) .

كتبحامد محمد الهرساني 


 

يتميز الوقف عن الترست بصبغته الدينية، واكتسابه المشروعية من الوحي الرباني، بخلاف الترست الذي نشأ في القرون الوسطى، بمنأى عن أي وحي، وإن كان له ارتباط برجال الدين في أول أمره.


كما يختلف الترست عن الوقف بما يعرف بالقانون الحاظر لتأبيد الترست الخاص (rule against perpetuities)، فبينما يشترط جمهور الفقهاء تأبيد الأوقاف الذرية بوضع شرط تحولها لأوقاف خيرية في حال انقراض الذرية، تحظر بعض القوانين الأنجلوسكسونية تأبيد الترست الخاص (أي الترست غير الخيري)، فالقانون الإنجليزي على سبيل المثال يحظر حبس الأصول في ترست خاص فترة تزيد على 125 سنة، والمقصود بذلك أنه يجب أن تؤول أصول الترست إلى الطبقة الأخيرة من المستفيدين خلال 125 سنة من تأسيسه، وقد ألغت بعض ولايات الولايات المتحدة، وبعض مقاطعات كندا، القانون الحاظر لتأبيد الترست الخاص، لتسمح بالترست الخاص المؤبد (dynasty trust) على غرار الأوقاف الذرية المؤبدة عندنا.

ويفارق الترست الوقف بكون الترست مملوكا للترستي (أي أمين الترست وهو ما يقابل الناظر عندنا)، فالترستي مالك للعين ملكا تاما حقيقيا، إلا أنه لا يجوز له أن يتصرف في هذه العين إلا وفق شروط مؤسس الترست المعروف بـ(settlor)، فالترستي يملك العين، والمتسفيدون يملكون منفعة العين (بالمعنى عام للمنفعة، يشمل ذلك الأرباح الناتجة عن بيع العين على سبيل المثال إن لم ينص مؤسس الترست على خلاف ذلك)، وإن كان المستفيدون يملكون المنفعة أيضا، فإن الناظر في الشريعة لا يملك العين الموقوفة، والخلاف بين الفقهاء في ملكية العين معروف ومفصل في مظانه، والسائد أن العين الموقوفة في حكم ملك الله، لا يملكها أحد بعد وقفها، فذمة الوقف منفصلة عن أي ذمة أخرى.

هذه الفروقات البارزة بين الوقف والترست قابلة للانسجام، فأغلب أحكام الوقف اجتهادية قابلة للنقاش، بل إن الفقهاء أنفسهم مختلفون في كثير من أحكام الوقف، كما أن الترست قد تغير كثيرا على مر العصور، وما زال في تطور مستمر، فلم يكن يتصور فقهاء القانون السابقون أن يصل الأمر بقانون الترست إلى إلغاء القانون الحاظر للتأبيد كما هو الحال في بعض ولايات أمريكا ومقاطعات كندا، فقابلية النظام الأنجلوسكسوني للتأقلم وتركيزه الأساسي على العملية في قوانينه، وسعة الشريعة الغراء تتيح الفرصة وتفتح المجال لمزيد من الانسجام بين الوقف والترست، ولقبول كل من الهيكلين للآخر.