مفهوم العمل الخيري وخصائصه في الشريعة الإسلامية
1 اغسطس 2017 - 9 ذو القعدة 1438 هـ( 875 زيارة ) .

مصطفى بوهبوه/ كاتب وباحث مغربي


يتميز العمل الخيري في الإسلام عن باقي الديانات والفلسفات بخصائص تستمد مشروعيتها من المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية تجعله أحد المؤشرات التاريخية العريقة لهذه الأمة، لما له من آثار اجتماعية مشرقة.

فما هو مفهوم العمل الخيري؟ وما هي أهم خصائصه في الشريعة الإسلامية؟

وردت عدة تعاريف للعمل الخيري في عدد من المصادر والمراجع، سأقتصر في هذا المقال على تعرفين أساسين هما:

التعريف الأول للإمام الطاهر بن عاشور:

عرف الإمام الطاهر بن عاشور العمل الخيري من خلال تعريفه التبرع قائلا:"هو المعطى من مال أو جهد على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة فهي مصلحة حاجية جليلة وأثر خلقي إسلامي جميل بها حصلت مساعفة المعوزين وإغناء المفتقرين وإقامة الجم[1].

التعريف الثاني للإمام يوسف القرضاوي:

عرف الإمام يوسف القرضاوي العمل الخيري في كتابه أصول العمل الخيري في الإسلام قائلا: "المراد بالعمل الخيري: النفع المادي أو المعنوي الذي يقدمه الإنسان لغيره، من دون أن يأخذ عليه مقابلا ماديا، ولكن ليحقق هدفا خاصا له أكبر من المقابل المادي، قد يكون عند بعض الناس الحصول على الثناء والشهرة، أو نحو ذلك من أغراض الدنيا"[2].

ومن خلال هذين التعريفين يتبين أن العمل الخيري هو عمل تبرعي يقدمه الإنسان لغيره، خدمة للمحتاجين إليه بغض النظر عن دينهم أو أفكارهم، من غير طلب عوض، ومن غير مخالفة للشرع.

فالمسلم يقوم بالعمل الخيري لأهداف تتعلق بالآخرة، ابتغاء الثواب من الله، والدخول في جنات النعيم، فضلا عما يناله في الحياة الدنيا من بركة، وسكينة، وسعادة روحية تغمره هو وأهله.

ومن هذا لمنطلق وضع الإسلام مجموعة من الخصائص للعمل الخيري تجعله يتميز عن العمل الخيري في باقي الديانات السماوية والفلسفات المادية فما هي هذه الخصائص؟

يتسم العمل الخيري في الشريعة الإسلامية بعدة خصائص ومن جملتها ما يلي:

الخصيصة الأولى: الإخلاص في العمل

العمل الخيري عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، ولا يقبل الخير عند الله ما لم يكون خالصا طيبا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله طيب لا يقبل ألا طيبا"[3]، فالنية والخلوص من أهم خصائص العمل الخيري في الميزان الأخلاقي للإسلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى"[4]. فمن أراد أن يعمل خيراً ما فعليه أن ينوي به التقرب إلى الله تعالى عند الشروع فيه.

وفي هذا السياق يقول ابن القيم ــ رحمه الله ــ :"فأما النية فهي رأس الامر وعموده، وأساسه وأصله الذي يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، ويصح بصحتها، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة"[5].

الخصيصة الثانية: الشمولية في الخير والرحمة

أما شمولية الخير فتتجلى في كون أن المسلم يقدم الخير لكل من هو في حاجة إليه، سواء كان قريبا أم بعيدا، صديقا أم عدوا، مسلما أم كافرا، إنسانا أم حيوانا؛ وذلك لعموم قوله تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[6].

أما شمولية الرحمة فيجسدها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا، قالوا بلى يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة"[7]، والمراد بهذا أن الرحمة في الإسلام اتسعت لتشمل جميع الخلائق دون تفريق أو خصوصية.

الخصيصة الثالثة: التنوع في أصناف الخير

من تجليات اهتمام الإسلام بالعمل الخيري، الترغيب في شتى أنواعه وصوره بأساليب متعددة؛ وذلك قصد تلبية حاجيات المعوزين والفقراء والمساكين، ومنح فرصة لكل من لديه الرغبة والقدرة في فعل الخير.

ومن صور تنوع العمل الخيري في الإسلام: مواساة الفقير والمسكين، وإدخال السرور عليهم، ومسح رأس اليتيم، وزرع الثقة والتوكل في نفوس الآخرين، وقضاء الحوائج للناس، والترغيب في العمل الخيري والتنوع فيه يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم في قوله: "على كل مسلم صدقة، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليسمك عن الشر فإنها له صدقة"[8].

من خلال ما سبق يتضح أن العمل الخيري في الإسلام عبادة يتقرب بها العباد إلى الله تعالى، ومن أجل القيام بشأنه، والرفع من متطلباته خصصت له الشريعة الإسلامية مجموعة من المميزات والخصائص من جملتها: الإخلاص في العمل، والشمولية في الخير والرحمة، والتنوع في أصناف الخير.

 

 



[1]ــ مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون (تونس)، 1427هــ /2006م، ص 187.

[2]ــ أصول العمل الخيري في الإسلام، ليوسف القرضاوي، دار الشروق، ط/2 2008، ص 21.

[3]ــ رواه مسلم في الزكاة (1015).

[4]ــ رواه البخاري في صحيحه رقم (1).

[5]ــ إعلام الموقعين، ابن القيم، ج/4، ص 255.

[6]ــ سورة البقرة: الآية 215.

[7]ــ رواه الحاكم في البر والصلة (4/180)، وصحح إسناده ووافقه الذهبي، عن أبي موسى الأشعري.

[8]ــ رواه البخاري، حديث رقم( 1427).