حوكمة البنية القانونية واللائحية لمنظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الخيري
13 يوليو 2017 - 19 شوال 1438 هـ( 613 زيارة ) .
المصدر :مداد

بقلم: د. أحمد مبارك سالم

يمثل مفهوم الحوكمة في اقترانه بالعمل الخيري في بعده الحضاري الإسلامي نطاقاً يرتبط بالبعد الخدمي لمنظمات المجتمع المعنية بذلك؛ استهدافاً لتجويد مختلف الجوانب المقترنة بخدمة المجتمع ضمن مختلف القطاعات وفق نطاق رشيد يستلزمه اتساع احتياجات المجتمع في تشعبها، واستلزام ذلك إعمال نطاقات للجودة والتميز في تقديم الخدمة المرصودة للمجتمع، وذلك من خلال ما يمثله الإطار العام للمناخ التشريعي والقوانين بالدولة لتقرير الحماية للحقوق مع تحديد المسئوليات والواجبات المرتبطة بذلك.

        يمثل نطاق حوكمة البنية القانونية واللائحية لمنظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الخيري نطاقاً محورياً يستلزم قيام السلطة الحاكمة في البلاد بمختلف مؤسساتها وأجهزتها بغرس المصداقية والشفافية في التعامل مع هذه المنظمات؛ نظراً لكونها تمثل مختلف التوجهات في المجتمع، مع الاهتمام ببناء ودعم الآليات التي تحفظ الخصوصية للمجتمعات المسلمة، وبما من شأنه أن يولّد القناعات التي تسترشد بالثوابت والأصول التي تعتمد الجهود الصادقة للأفراد ومؤسسات المجتمع المدني؛ لتجويد دور هذه المؤسسات في حفظوحماية حقوق الإنسان فيما يرتبط بالجهود المبذولة في العمل الخيري والإنساني، حيث يمثل الاهتمام بذلك دوراً محورياً لتعزيز نطاقات السلم الاجتماعي الذي يستلزم تعزيزه من خلال الاهتمام بالديناميكية القانونية التي تنظم العلاقة التكاملية بين الأجهزة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، لا سيما عندما ترزح طبقة كبيرة من المجتمع تحت خط الفقر في ظل غياب توفير الاحتياجات الأساسية بسبب الاستئثار بالثروة.

          إن تطوير البنية القانونية واللائحية لتنظيم هذه العلاقة التكاملية يقترن بتنظيم البنية التنظيمية والإدارية لمنظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الخيري؛ وذلك نظراً لارتباط النطاق القانوني بتنظيم إدارة هذا المرفق ضمن إطار الإدارات الداخلية التي تقع ضمن نطاقه، وضمن نطاق إدارة العلاقات مع المؤسسات الأخرى والفئات المستفيدة من العمل الخيري في المجتمع.

إن هذا التطوير يقترن باعتماد معايير الحوكمة من خلال تكريس الخصوصية ومراعاة قواعد الإنصاف والعدالة ومبدأ المساواة ضمن منظومة العمل الخيري، كما يتحقق التطوير من خلال الانفتاح على المقاربتين - الاقتصادية والمالية – لتطوير قوانين ممارسة العمل الخيري في المجتمع، فأما الاقتصادية فهي تتمثل من خلال ربط التطورات المتعلقة بها بالمنظومة القانونية لتحقيق البعد المستدام، وأما المالية فهي تتمثل من خلال الاهتمام بدورها في تطوير قوانين إعداد ميزانية هذه المنظمات، وتكريس الشفافية في مراقبة الأموال الوقفية ضمن مختلف القطاعات.

إن المعول عليه لتحقيق التطوير التنظيمي ضمن هذا النطاق يتمثل بربط نشاط منظمات المجتمع المدني بواقع المجتمع، وتطوير أحكامها من الناحية التنظيرية المتمثلة بالجوانب الشرعية والقانونية من جهة، والسعي إلى انفتاح أنماطها ومجالاتها على صيغ أكثر نفعاً وأضمن استمرارية للصدقة الجارية من جهة أخرى، وهذا ما يستلزم اعتماد معايير الحوكمة في تطوير قوانين ممارستها للنشاط مع ربطه باحتياجات المجتمع؛ إذ لا بد أن يكون لأي رغبة إصلاحية لنظام قانوني معين من منطلقات معرفية تستحضر روح هذا النظام وجوهره، وتستكنه قيمه وأبعاده العميقة، كما أن مما لا شك فيه أن صوغ مقدمات منطقية مبنية على أسس مقنعة لا بد أن تتم فيه الموازنة بين عناصر القوة ومكامن الخلل وكذا الإمكانات المتاحة؛ وكل ذلك لأجل تحديد الأهداف المرجوة أو المنتظرة من تطوير البنية القانونية واللائحية.

إن تحقيق ذلك يستلزم تكريس الخصوصية عند محاولة الإصلاح القانوني لهذه المنظمات، الأمر الذي يستلزم استدعاء خصوصيات هذا النظام للتزويد بأحدث الأساليب التدبيرية لتقرير الأبعاد الإنسانية للوقف ضمن إطار المقتضيات القانونية التي تضمن لهذا النظام مساحة كافية من الامتيازات بالشكل الذي يؤهله للاضطلاع بالدور الاجتماعي المنوط بها؛ لتبقى الصعوبة متمثلة ضمن هذا النطاق في مدى القدرة على تجاوز المرجعية بين القانون والفقه الإسلامي في ممارسة العمل الخيري دونما مساس بثوابت النظامين معاً؛ ذلك أن ازدواجية القواعد المنظمة للعمل الخيري قد ساهمت بشكل قوي في تعميق إشكالية التوفيق بين الموروث الفقهي والنظام القانوني، حيث يستلزم ذلك تبويب الأحكام المتعلقة بالعمل الخيري في شكل حديث يلبي حاجيات المجتمع، ويبرز في نفس الوقت طابعه الخاص بمراعاة التكامل بين البنيتين، مع مراعاة قواعد العدالة والإنصاف في سن القواعد القانونية المتعلقة بالوقف متى تعلق بها حق الغير، مع مراعاة سن قواعد قانونية مرنة تيسر مهام الجهات المشرفة على الوقف بدلاً من الارتهان إلى قواعد يشكل تطبيقها عائقاً في التدبير والرقابة.

إن تطوير البنية القانونية واللائحية لتحقيق الدور التكاملي بين الجهود الرسمية والأهلية في العمل الخيري لتجويد صناعة دور منظمات المجتمع المدني المعنية بذلك يستلزممراعاة قواعد الإنصاف والعدالة؛ نظراً لكون هذه المنظمات مؤسسات ذات أهداف اجتماعية واقتصادية وثقافية تستفيد منها شريحة مهمة من المجتمع، إلا أن ذلك لا يبرر استفادتها من امتيازات زائدة، بل المعول عليه هو إبراز خصوصيتها وملائمتها مع المنظومة القانونية للدولة في احترام تام للبعد الأخلاقي للعمل الخيري؛ توفيقاً بين مصلحة العمل الخيري من خلال ربطه باحتياجات المجتمع، وهو ما يعتبر بلا شك تطبيقاً سليماً لعمق الحوكمة التي تقوم أساساً على التكافؤ، ولا تعترف باختلال التوازن بين الأطراف، وتفنيداً لرأي من يرى بأن مرجعية العمل الخيري في ارتباطه بالبعد الحضاري والإنساني للفكر الإسلامي تكسبه امتيازات زائدة.

وأخيراً فإن مراعاة مبدأ المساواة يمثل نطاقاً ناجعاً لتحقيق حوكمة البنية القانونية واللائحية لمنظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الخيري؛ حيث أن الفلسفة ضمن هذا النطاق تقوم على التبرر والإحسان، الأمر الذي يستلزم تحقيق الضبط القانوني لممارسات العمل الخيري، بحيث يكون الانسجام بين المقدمات والأحكام واجباً لخدمة التناسق المفروض بين أجزاء القانون ومكوناته.