الآليات الدولية لكفالة احترام حقوق أسرى الحرب على ضوء القانون الدولي الإنساني (2)
4 يوليو 2017 - 10 شوال 1438 هـ( 760 زيارة ) .


إن الأسرى في النزاع يعتبرهم آسروهم أعداء، ولهذا فهم بحاجة إلى تدخل كيان مستقل ومحايد لضمان معاملتهم معاملة إنسانية، وتأمين احتجازهم في ظروف مقبولة. وقد تكفلت قواعد القانون الدولي الإنساني بتحديد هذه الكيانات, فنجد الوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى (1), واللجنة الدولية للصليب الأحمر (2), والدولة الحامية (3), والدولة المحايدة (4).
1- الوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى 
هي جهاز دولي وظيفته الأساسية تجميع كافة البيانات الخاصة بأسرى الجانبين المتحاربين. ويتعين على الدول المعنية إنشاء تلك الوكالة في دولة محايدة. ويلاحظ أن هيئة الصليب الأحمر الدولية تأخذ زمام المبادرة في إنشاء تلك الوكالة، وذلك بتدخلها لدى الدول المعنية, وعرض خدمات الهيئة المساهمة في تشكيل وتنظيم تلك الوكالة، الأمر الذي يكون له أثر كبير في تسهيل إنشائها ونجاح أعمالها. ويمكن لهذه الوكالة الحصول على المعلومات بالطرق إما الرسمية وإما الخاصة، وتكلف هذه الأخيرة بنقل هذه المعلومات بأسرع ما يمكن إلى بلد منشأ الأسرى أو الدولة التي يتبعونها, وفي هذه الحالة يجب على أطراف النزاع تقديم جميع التسهيلات اللازمة لنقل هذه المعلومات, وتقديم الدعم المالي الذي تحتاجه .
وعلى أي حال, فإنه ورغم أن جهد هذه الوكالة ينحصر في النطاق الإعلامي البحت، إلا أنه من جهة أخرى يعتبر مرآة تعكس بوضوح ظروف وأحوال الأسرى على نحو يدعو كل دولة محاربة إلى متابعة أسراها لدى دولة العدو، ومراقبة سلوكها نحوهم من واقع حالاتهم التي تعلنها الوكالة، وهو ما يمثل ضمانة لكفالة تطبيق أحكام معاملة أسرى الحرب الواردة في النصوص القانونية على الوجه الأكمل والسليم. 
2- اللجنة الدولية للصليب الأحمر
إن التواجد الميداني للجنة الدولية للصليب الأحمر لأجل مساعدة الضحايا عموما من خلال مندوبيها, وسمعتها الحيادية, وسلطتها المعنوية أكسباها حقا تقليديا في المبادرة والتدخل لصالح الضحايا، وهو الذي يسمح بأن تلعب اللجنة الدولية دورا معتبرا في إنفاذ وتطبيق أحكام الاتفاقيات الإنسانية. وقد اعترف بهذا الحق للصليب الأحمر بناء على نص المادة الثانية المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949، كما اعترف به لكل منظمة إنسانية غير متحيزة شريطة موافقة أطراف النزاع، وهذا سواء وجدت الدولة الحامية أم لا . كما يتأسس أيضا من منطلق دورها كبديل محتمل للدولة الحامية وهو ما نصت عليه المادة 10 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949، وأكدت كذلك عليه المادة الخامسة من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977. ففي حالة وجود الدولة الحامية, فإن اللجنة تمارس مهامها بالموازاة مع ما تقوم به الدولة الحامية من مهام، وإن لم توجد هذه الأخيرة فإن مهام اللجنة الدولية تكون أكثر شمولا واتساعا من المهام التي تضطلع بأدائها عادة.
وكما هو الشأن بالنسبة للدولة الحامية يخضع نشاط اللجنة إلى موافقة أطراف النزاع. لكن وكما أوضح الأستاذ  Mourice Torreli في كتابه "القانون الدولي الإنساني"، فإنه يتعين على أطراف النزاع دراسة الطلب المقترح بحسن نية, وأن يكون الرفض المحتمل لذلك مؤسسا. كما دعم البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الدور المحوري الذي تلعبه اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهذا بموجب المادة 5/4 مؤكدا على ضرورة الاستجابة دون تعطيل للعرض الذي تتقدم به اللجنة لأطراف النزاع بأن تعمل كبديل بعد إجراء المشاورات اللازمة مع أطراف النزاع، هذا على الرغم من أن هذا النص قد انتقد باعتبار أن التزام اللجنة بتقديم خدماتها لا يعدو أن يكون سوى التزام معنوي.
ولعل أهم نشاط تقوم به اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو محاولة التصدي للانتهاكات. فحين تلاحظ اللجنة وقوع انتهاكات, تجري اتصالا سريا مع السلطات المسؤولة، ويقوم مندوبو اللجنة من خلاله بلفت أنظار السلطات لما يرونه مخالفا لقواعد القانون الدولي الإنساني المقررة لحماية أسرى الحرب، سواء كانت أعمالا محظورة, أو امتناع عن أفعال أوجبها القانون. ويقدمون في هذا الإطار مقترحات ملموسة بغية تجنب تكرارها . كما أنهم يسعون لتقصي الحقائق بدقة دون أن يدفعهم ذلك نحو البحث عن مرتكبي المخالفات، حيث تتكفل بهذا الدور الدول في المقام الأول وأطراف النزاع، ذلك أنه ليس من مهمة اللجنة مقاضاة مرتكبيها، بل إن اللجنة الدولية تمتنع عن مجرد السؤال عن هوية مرتكبي المخالفات، وعما إذا كانوا قد لقوا العقاب وكيفية ذلك. 
إن فعالية المساعي السرية التي تضطلع بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي يمكن أن تتفاوت في مستواها وشكلها وفقا لأهمية الانتهاك المزعوم تتوقف بوضوح على علاقات الثقة القائمة بين السلطات المعنية واللجنة الدولية. وإذا كانت القاعدة هي أن المساعي تظل سرية، فإنه يمكن للجنة الدولية, إذا كانت هذه الانتهاكات جسيمة ومتكررة ومؤكدة على وجه اليقين ولم تساعد الاتصالات السرية مع السلطات في تحسين الوضع, أن تحتفظ لنفسها بالحق في اتخاذ موقف علني تدين فيه هذا الانتهاك وذلك عندما ترى أن الإعلان يخدم مصالح الأشخاص المتضررين أو المهددين بهذه الانتهاكات. ويظل اللجوء إلى هذا الإجراء أمرا استثنائيا.
كما يحسب للجنة الدولية للصليب الأحمر إشرافها على عمليات تبادل الأسرى وإعادتهم إلى أوطانهم. فتطبيقا لنص المادة 118 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949, أشرفت اللجنة على عملية الإفراج عن أسرى الحرب الهندوراسية–السلفادورية التي نشب بينهما نزاع مسلح في جوان سنة 1969، فبعد اتصالات مباشرة أجرتها اللجنة الدولية، ومفاوضات قامت بها منظمة الدول الأمريكية، تمت عمليات الإفراج عن أسرى الحرب من الطرفين وتبادلهم في منطقة الحدود بين البلدين يوم 12 أوت 1969 بحضور مندوبي اللجنة. وفي 22 سبتمبر 1988 سمح للجنة الدولية بمقابلة الأسرى الذين تم الإفراج عنهم من قبل السلطات الليبية عندما أفرجت هذه الأخيرة عن 214 أسيرا حربيا تشاديا كبادرة من جانب واحد، وهذا للتأكد من عدم إعادة أي منهم ضد رغبته. وبعد ذلك سلم الأسرى بحضور كل من الجمعية الليبية واللجنة الدولية إلى ممثلي منظمة الوحدة الإفريقية الذين كلفوا بنقلهم إلى التشاد. كما قامت اللجنة الدولية في الفترة الممتدة من 23 أوت 1988 إلى 1 سبتمبر 1988 بتنظيم الإفراج عن الأسرى الصوماليين والإثيوبيين ضحايا نزاع أوغدين، حيث سيرت 20 رحلة جوية بين مقديشو-الصومال وديراداوا في إثيوبيا، نقلت خلالها3543  أسير حرب إثيوبيا، ونقلت 246 أسير حرب صوماليا من إثيوبيا إلى الصومال . وفي سنة 1992, سجلت اللجنة الدولية من شهر جويلية إلى ديسمبر 10800 أسير في أكثر من 50 مركزا للاعتقال في البوسنة والهرسك، وقد تم الإفراج عن مجموعة مكونة من  5534 أسير تحت رعايتها، وتم نقلهم جميعا إلى أماكن آمنة باستثناء 115 قرروا البقاء في البوسنة والهرسك. كما ورد في تقرير مقدم من الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة عن إثيوبيا وإريتريا أنه وتحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أفرجت حكومة إريتريا في 15 جانفي 2002 عن 25 من أسرى الحرب، وأعربت عن استعدادها للإفراج عن جميع أسرى الحرب الإثيوبيين وإعادتهم إلى وطنهم عملا باتفاقي الجزائر للسلام واتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949. ووصل مجموع أسرى الحرب الذين أفرج عنهم منذ ديسمبر 2000 إلى 937 أسيرا إريتريا, و 703أسرى إثيوبيين أعيدوا إلى وطنهم .
3- الدولة الحامية
تعرف الدولة الحامية بأنها دولة تكلفها دولة أخرى، تعرف باسم دولة المنشأ, برعاية مصالحها ومصالح مواطنيها حيال دولة ثالثة تعرف باسم دولة المقر. ويتم تعيين الدولة الحامية من قبل أطراف النزاع عن طريق اتفاق مزدوج، حيث تطلب الدولة الأصلية التي ترغب في حماية مصالحها من دولة محايدة قبول القيام بهذه المهمة لدى الدولة الحاجزة، فإذا ما قبلت الدولة المحايدة القيام بهذا الدور، فإنها تطلب من الدولة الحاجزة الموافقة على ذلك .
في سياق مهمة تنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب, يمكن للدولة الحامية بصرف النظر عن موظفيها الدبلوماسيين أن تعين مندوبين من بين مواطنيها، أو مواطني دول محايدة أخرى، ولابد أن يحظى تعيين هؤلاء المندوبين بموافقة الطرف المحارب الذي سيضطلعون معه بمهمتهم، على أن يفوض لهم بالوصول دون استثناء يذكر إلى أي مكان يكون أسرى الحرب محتجزين فيه، كما يتعين أن يصلوا أيضا إلى كل المراكز التي يشغلها الأسرى, ويتمكنون من التحدث معهم على انفراد وبدون شهود حسبما تقضي به القاعدة العامة، سوا ء تحدثوا شخصيا مباشرة، أو استعانوا بمترجمين. وتجدر الإشارة إلى أنه لابد من إخطار السلطات العسكرية بهذه الزيارة، كما يتعين أن يوافق كلا الطرفين المتحاربين بالسماح لأشخاص يحملون نفس جنسية الأسرى بالمشاركة في الجولات التفقدية .
كما أن الدولة الحامية تضطلع بمراقبة الإجراءات القضائية التي تتخذها الدولة الآسرة ضد الأسرى المتهمين بمجرد إخطارها بذلك. كما يجب عليها العمل على تعيين محام للأسير المتهم إذا لم يوفق هو في اختيار محام، وعلى ممثليها أن يحضروا جلسات المحاكمة. وفي حالة إبلاغها بصدور الأحكام الصادرة ضد هؤلاء الأسرى, فعليها مراقبة تنفيذ هذه الأحكام. فإذا كانت إجراءات محاكمة الأسرى لا تتفق وما جاء بالاتفاقية، فإن للدولة الحامية الحق في توجيه نظر السلطات المسؤولة في الدولة الآسرة إلى ذلك، ومطالبتها بمنح الأسير المتهم كافة الضمانات التي نصت عليها اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949. 
4- الدولة المحايدة
تضطلع الدولة المحايدة بتنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب في عدة حالات، فقد تطلب منها الدولة الآسرة القيام بمهام الدولة الحامية في حال غياب هذه الأخيرة، وقد يتم إيواء بعض أسرى الحرب من الجرحى والمرضى على إقليمها لحين تمام شفائهم، كما أنه قد يكون هناك اتفاق بين الدولة الحاجزة والدولة التي يتبعها الأسرى على حجز أسراها في الدولة المحايدة إذا قبلت هي ذلك. وقد تجد الدولة المحايدة نفسها مضطرة للتصرف في بعض الحالات التي تمس الوضع القانوني للأسرى وفقا لقواعد القانون الدولي وما تمليه عليها واجبات الحياد .
يجوز للدول أطراف النزاع أن تعمل بالاتفاق مع دولة محايدة من أجل عقد اتفاقات يتم بموجبها حجز أسرى الحرب في أراضي الدولة المحايدة إلى غاية نهاية الأعمال العدائية. فإذا تم الاتفاق على ذلك، فإنه على الدولة التي قبلت حجز الأسرى على إقليمها القيام بتطبيق أحكام معاملة أسرى الحرب. وهنا يجوز لممثلي الدول المتنازعة زيارة معسكرات أسراهم في الدولة المحايدة للتحقق من احترام حقوق وامتيازات الأسرى المقررة لهم. وبموجب القانون الدولي الإنساني في مثل هذه الأحوال، فإن الأسرى المتواجدين في أراضي الدولة المحايدة يكونون تحت حمايتها، هذه الأخيرة تكون قد حلت محل الدولة الآسرة في جميع حقوقها والتزاماتها تجاه الأسرى.  
 

    بقلم الأستاذ عزوز بن تمسك

كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة

             جامعة سوسة

                تونس