الآليات الوطنية لكفالة احترام حقوق أسرى الحرب على ضوء القانون الدولي الإنساني (1)
7 يونيو 2017 - 12 رمضان 1438 هـ( 1070 زيارة ) .
المصدر :مداد
 
    بقلم: الأستاذ عزوز بن تمسك 
كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة
             جامعة سوسة
                تونس
 
تندرج حماية أسرى الحرب وحقوقهم صلب دائرة اهتمام أحد الفروع الأساسية للقانون الدولي العام هو القانون الدولي الإنساني، هذا الأخير الذي أخذ على عاتقه حماية كل الأنفس البشرية المندمجة بطريقة أو بأخرى في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.  لقد شدد المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب- الذي دعت الحكومة السويسرية إلى عقده في جنيف من 30 أوت إلى الأول من سبتمبر 1993- على ضرورة أن تسعى الدول إلى اعتماد وتنفيذ كافة القواعد والقوانين والإجراءات على المستوى الوطني من أجل تطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب وذلك عبر الالتزام بالوقاية (1)، والالتزام بالرقابة (2).
 
1- الالتزام بالوقاية
المقصود بهذا الالتزام مجموعة الوسائل التي تستخدمها الدول مسبقا لضمان تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني لصالح الضحايا تطبيقا سليما حينما يقتضي الأمر تطبيقها. ويتفرع عن هذا الالتزام أنه يجب على الدول اتخاذ الإجراءات الضرورية للتعريف بقواعد القانون الدولي الإنساني سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب وذلك بهدف التعريف بما تضمنته هذه القواعد من حقوق وواجبات، ومن هنا تلتزم الدول بنشر قواعد حماية حقوق أسرى الحرب باعتبار أن هذه الأحكام هي جزء لا يتجزأ من قواعد القانون الدولي الإنساني (أ)، إضافة إلى ذلك يستوجب على الدول العمل على مواءمة تشريعاتها الداخلية مع ما هو مقرر من أحكام لصالح هذه الفئة (ب).
 
أ- الالتزام بنشر المعرفة بآليات احترام حقوق أسرى الحرب
من المعلوم أن نشر القانون الدولي الإنساني والتعريف به يعتبر من الآليات الهامة لتطبيق هذا القانون وتنفيذه على الصعيد الوطني، ذلك أن النشر يترتب عليه إعلام الكافة بمبادئه والتوعية به، فالجهل بالقانون الدولي الإنساني وعدم مراعاته هو على درجة أكبر من الخطورة من الجهل بفروع القانون الأخرى، لأن انتهاكات هذا القانون هي أكبر فداحة من انتهاكات أي قانون آخر، حيث تؤدي هذه الانتهاكات إلى معاناة إنسانية وخسائر في الأرواح البشرية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا يمكن لضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية التمسك بحقوقهم والذود عنها ما لم يكونوا على علم بها، وهذا ما يجعل النشر يحظى بأهمية قصوى في مجال القانون الدولي الإنساني1 .

ومسألة النشر هي مسألة إلزامية وليست اختيارية، حيث وقع التنصيص عليها في مختلف اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، بالإضافة إلى تأكيد البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 عليها بموجب نص المادة 83 2. كما أبرزت المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر مرارا أهمية نشر القانون الدولي الإنساني، ودعت الدول إلى تنفيذ تعهداتها في هذا المجال، وهذا ما قامت به أيضا الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة من قبيل ذلك القرار 3032 (الدورة 27) الصادر سنة 1972 والقرار 3102 (للدورة28) الصادر سنة 1973.
 
وفي سبيل نشر القواعد الخاصة بحماية حقوق أسرى الحرب، ألزمت المادة 127 من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949 أن تعمل جاهدة في سبيل نشر أحكام معاملة الأسرى على أوسع نطاق ممكن، وذلك حتى تكون معلومة لدى جميع قواتها المسلحة والسكان المدنيين، بالإضافة إلى إلزام السلطات العسكرية أو المدنية التي تضطلع بمسؤوليات تجاه أسرى الحرب أن تكون على دراية تامة وكاملة بجميع الأحكام التي تخص هذه الفئة، أي أن الجهات المستهدفة من عملية النشر هي السلطات العسكرية والمدنية، وأفراد القوات المسلحة والسكان المدنيون، والمستشارون القانونيون، و العاملون المؤهلون. 
وتتجسد عملية النشر من خلال عدة وسائل نذكر من بينها3:
 
- إصدار نشرات وكتابات إرشادية عسكرية الهدف منها نشر المعرفة بمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني في صفوف القوات المسلحة.
- عقد دورات تدريبية للقوات المسلحة المشاركة في عمليات حفظ السلام، أو مهمات المراقبين الدوليين.
- تدريس القانون الدولي الإنساني ومبادئه في الكليات والمعاهد العسكرية والشرطية. 
 
ب- الالتزام بمواءمة التشريعات الوطنية
إن التزام الدول بإصدار تشريعات وطنية تعكس احترام التزاماتها التي يفرضها عليها القانون الدولي الإنساني لا سيما في حال السلم يشمل الانتقال من مرحلة التوقيع والتصديق على نصوص الاتفاقيات أو الانضمام إليها إلى إعداد نصوص على الصعيد الوطني تتماشى والتزاماتها، وإلى تكييف تشريعاتها الوطنية مع قواعد الاتفاقيات الجديدة التي ارتبطت بها، ويكون ذلك قبل التصديق على الاتفاقيات، أو في نفس الوقت مع التصديق، أو في أقرب فرصة بعد هذا التصديق4. وكمثال على ذلك قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 في مصر الذي تضمن أحكام حماية أسرى الحرب على النحو المنصوص عليه في اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949، فضلا عن الحماية للأشخاص عموما سواء بنص الدستور الذي يقرر حماية الإنسان في جسده ومعنوياته أيا كانت جنسيته أو مركزه القانوني، هذا ناهيك عن التطبيق الميداني للقوات المسلحة المصرية لأحكام معاملة أسرى الحرب تطبيقا أشادت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واعترفت به إسرائيل بالنسبة للمعاملة التي عومل بها أسراها الذين وقعوا في أيدي القوات المسلحة المصرية أثناء العمليات الحربية في شرق قناة السويس، وعلى خط السويس، وعلى خط برليف، والمناطق المحررة من سيناء في حرب أكتوبر سنة 1973 5.
 
2- الالتزام بالرقابة
تتمثل آليات الرقابة، حسب اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949، في إلزام الدولة المحاربة بإنشاء مكتب رسمي للإعلام عن الأسرى (أ)، ومنح الحق لأسرى الحرب في التظلم وتقديم الشكاوى (ب)، إضافة إلى حقهم في اختيار ممثلين عنهم (ج).
 
أ- الالتزام بإنشاء مكتب رسمي للإعلام عن الأسرى
مكتب الإعلام عن الأسرى هو جهاز متخصص ينشأ لدى كل طرف فور نشوب النزاع وجميع حالات الاحتلال، مهمته جمع البيانات الخاصة بأسرى الحرب، حيث تلتزم الدول المتحاربة أن تقدم إلى مكتب الاستعلام التابع لها البيانات اللازمة بشأن الأسرى الذين وقعوا في قبضة قواتها، وأن تزوده بجميع التفاصيل المتاحة لها، بما يسهل تحديد هوية هؤلاء، وإخطار ذويهم في أقرب وقت ممكن 6.
 
ومن بين البيانات التي تلتزم الدول بتقديمها إلى المكتب أسماء الأسرى كاملة، ورتبهم، وأرقامهم بالجيش، وتاريخ ميلادهم، وأماكن اعتقالهم، ونقلهم من مكان إلى آخر، وهروبهم، ووفاتهم، ومرضهم، وعلاجهم بالمستشفيات، ومحاكماتهم، والإفراج عنهم، وإعادتهم إلى الوطن، إلى غير ذلك من البيانات التي تخصهم. كما يستوجب على الدولة الآسرة أن تقدم إلى المكتب كافة المعلومات المتعلقة بحالة الأسرى الذين أصيبوا بمرض خطير أو جرح بليغ أسبوعيا حتى يتمكن المكتب من متابعة الحالة الصحية لهؤلاء. 
 
ويمكن للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر المشاركة في إدارة المكتب الوطني للاستعلامات، أو القيام بإدارته وهو ما يتماشى مع مطالبة المؤتمر الدولي التمهيدي للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر المنعقد سنة 1946 بأن تقوم الجمعيات الوطنية بعمل المكتب الوطني للاستعلامات. وقد نفذت بعض الدول بالفعل الأعمال التحضيرية لإنشاء المكتب بأن أسندت إلى الجمعية الوطنية مهمة إدارة هذا المكتب، حيث كلفت السلطات الإيرانية الجمعية الوطنية بإدارة المكتب الوطني للاستعلامات الذي نظم بمقر الجمعية بطهران، وعمل في تعاون مع الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر بمتابعة حالات الأسرى لدى كل من إيران والعراق، إذ تم تبادل 12 مليون رسالة منذ بداية الحرب سنة 1980 حتى نهايتها سنة 1989 في الاتجاهين بين إيران والعراق.
 
ب- حق الأسرى في التظلم وتقديم الشكاوى
نصت على هذا الحق المادة 78 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949، وبموجبها يحق للأسرى تقديم الشكاوى بخصوص أي مساس أو خروج عن الأحكام المتعلقة بنظام الأسر. وتوجه هذه الشكاوى إما مباشرة للسلطات العسكرية للدولة الآسرة الموجودين تحت سلطتها، أو توجه مباشرة أو عن طريق ممثلين عنهم إلى ممثلي الدولة الحامية. ويعد حق تقديم الشكاوى حقا مطلقا، ذلك أن هذه الشكاوى لا تخضع لأي تقييد كمي، كما أنه لا توقع عقوبات على مقدميها إذا كانت غير مؤسسة.
 
ج- حق الأسرى في اختيار ممثلين عنهم
تم إقرار هذا الحق ضمن المادة 79 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949، وبموجبها تسمح السلطات الحاجزة للأسرى باختيار ممثلين عنهم أمام السلطات العسكرية، والدول الحامية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأية هيئة أخرى تعاونهم. 
 
ويقوم الأسرى باختيار ممثليهم بحرية بالاقتراع السري كل ستة أشهر، شريطة اعتماد نتائج الانتخاب عن طريق الدولة الحاجزة. وفي حال رفض هذه الدولة اعتماد انتخاب أحد الأسرى ممثلا لزملائه، فإنه يستوجب عليها إبلاغ الدولة الحامية عن الأسباب المؤدية للرفض. أما بخصوص معسكرات الضباط الأسرى ومن في حكمهم في المعسكرات المختلطة، فإن أقدم الضباط هو الذي يكون ممثلا عن الأسرى. أما بالنسبة لمعسكرات العمل، فيجوز للأسرى انتخاب ممثلين من بين الضباط الذين توكل لهم مهمة إدارة المعسكر.
 
وفي جميع هذه الحالات يجب أن يكون ممثل الأسرى متمتعا بجنسية من يمثلهم، عالما بلغتهم، مدركا لعاداتهم. واستنادا إلى ذلك، يكون لكل مجموعة من الأسرى موزعة على أقسام المعسكر المختلفة وفقا لجنسيتهم، ولغتهم، وعاداتهم الحق في اختيار من يمثلهم ممن يشترك معهم في الجنسية، واللغة، والعادات حتى يكون أقدر على تفهم حاجاتهم، والعمل على تحقيق مطالبهم. وبصورة عامة، تتمثل مهام ممثلي الأسرى في تحسين حالة زملائهم الأسرى البدنية، والمعنوية، والذهنية . وفي المقابل، تلتزم الدولة الآسرة بمنح كافة التسهيلات المادية لهم، وبالخصوص الحرية في التنقل بالقدر اللازم لأداء المهام الموكولة لهم.
 
إن منح أسرى الحرب الحق في اختيار من يمثلهم، وحقهم في تقديم الشكاوى يعد عاملا مهما في تنفيذ جانب من جوانب الامتيازات الممنوحة لهم، هذا فضلا على أنه يعد سبيلا هاما في الكشف عن أي مخالفات قد ترتكب ضدهم، وبالتالي وضع حد لهذه المخالفة في أقرب وقت، وبأسرع وسيلة ممكنة.
 
 
الهوامش

 
(1) محمد يوسف علوان، "نشر القانون الدولي الإنساني"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000, صفحة 487.
(2)  محمد الطراونة، "تطبيق القانون الدولي الإنساني على الصعيد الوطني في الأردن"، في "القانون الدولي الإنساني تطبيقاته على الصعيد الوطني في الأردن"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون تاريخ النشر، صفحات 128-129.
(3)  محمد يوسف علوان، "نشر القانون الدولي الإنساني"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000, صفحة 487.
(4) عمر سعد الله، "القانون الدولي الإنساني (وثائق وآراء)"، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي، عمان، الأردن، 2002، صفحات 274-275.
(5) أمين مهدي، "الجوانب التشريعية لتنفيذ أحكام القانون الدولي الإنساني (العلاقة التبادلية في القانون الإنساني والقانون المصري)"، في "القانون الدولي الإنساني (دليل للتطبيق على الصعيد الوطني)"، الطبعة الثالثة، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، مصر، 2006، صفحات 277-286.
(6) اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "القانون الدولي الإنساني: إجابات على أسئلتك"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، مارس 2006، صفحة 25.