الآليات القانونية لمحاربة العمل الخيري الإسلامي من خلال القانون الدولي الإنساني وسبل مواجهتها
31 مايو 2017 - 5 رمضان 1438 هـ( 1288 زيارة ) .
المصدر :مداد

 

يمثل العمل الخيري الإسلامي أثناء الحروب والصراعات نطاقاً محورياً يستلزم بلورة لنطاقات كثيرة لتحقيق الممارسات القانونية الناجعة لهذا العمل، لا سيما في ظل الآليات القانونية المتبعة لمحاربة العمل الخيري، مع ربط ذلك بمعطيات مغلوطة مبنية على تعميمات مطلقة ترتبط باتهام بعض منظمات العمل الخيري الإسلامية الدولية بأنها تدعم قطاعات الإرهاب التي تثير الفتنة والصراعات في المنطقة المنكوبة، وذلك عندما توظف ما يقدم لها من دعم في شراء الأسلحة ودعم العمليات الإرهابية، حيث بات الربط المغلوط بين الإسلام والإرهاب بفعل الجماعات المتطرفة في الغرب يمثل نطاقاً يستدعي المواجهة لعدة أسباب، من بينها استهداف تقويض دور العمل الخيري الإسلامي في مناطق الصراعات، والذي يرتبط بمقومات الأخوة الإسلامية التي لا تحول دونها الحدود، فضلاً عن ارتباطها ببعد إنساني تقرره الأحكام الشرعية المرعية.

لقد نشأ القانون الدولي الإنساني نتيجة للحروب والصراعات بين الدول استهدافاً لحماية الإنسان أثناء النزاعات المسلّحة، إلا أن هذا القانون تم وضعه من خلال الدول العظمى التي تحكم به وتنظم بمعزل عن صيغ تنفيذية تضمن تطبيق القانون على الدول المتجاوزة على أرض الواقع، إلى جانب ما يتعلق بتنظيم العمل الخيري الدولي في صناعة دوره أثناء هذه الصراعات، وذلك في ظل استحواذ الهيمنة الغربية على بناء منظومة العلاقات الدولية ضمن مختلف النطاقات التي تستوعبها.

وفي ظل ذلك تمثلت ضرورة حماية المؤسسات الخيرية الإسلامية لبقاء دورها الفعال في العمل الخيري أثناء الصراعات وفق القوانين الدولية، حيث تبرز أهمية الحماية الدولية ضمن هذا النطاق لاعتبارَين، الأول هو عولمة التعسف والاضطهاد بذريعة ما يُسمى بـ"الحرب على الإرهاب" الذي أصبح يتخذ كافة الأشكال التي تستهدف عرقلة العمل الخيري الدولي من خلال تجريم عدد من العاملين وتنفير عدد أكبر منهم عن هذا المجال الحيوي، وهذا ما يستلزم اللجوء لحماية العمل الخيري الإسلامي الدولي إلى إقناع الرأي العام الأوروبي والغربي بصفة عامة، الذي يمثله ويُعبّر عنه المجتمع المدني من أفراد وجمعيات وصحافة حرة؛ ذلك الرأي العام الذي له تأثير كبير على مراكز اتخاذ القرار ليس في الغرب فحسب بل حتى في العالم العربي والإسلامي، ولا شك أن التعاون مع الأقليات المسلمة هناك يمثل دوراً محورياً في تحقيق  ذلك.

وفي خضم مواجهة ذلك فإنه مما لا شك فيه أن اللجوء إلى الآليات الأممية التي يمثلها عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات المصدّق عليها، إلى جانب اللجان وفرق العمل المتخصصة والمقرّرين الخاصين والممثلين للأمين العام يمثل أداة قانونية ناجعة لاحتواء الإجراءات التعسفية في حق العاملين في الحقل الخيري والإنساني.

ونظراً لأن العمل الخيري الأهلي الإسلامي يتمتع بحرية الحركة ولا تقيده ضرورات الدول والتزاماتها السياسية، وبسبب النجاحات التي حققها في كافة بقاع المعمورة، خاصة في مفاصل تعتبرها الدوائر السياسية الغربية نشاطاً محظوراً بحجة التصاقها بما تسميه هذه الدوائر بظاهرة الإسلام السياسي، فمن أجل ذلك ولجملة أخرى من الأسباب تحرك اللوبي اليهودي لدفع الإدارة الأمريكية - خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر - لمحاربة العمل الخيري الإسلامي بدعوى محاربة الإرهاب، مع تفعيل أدوات قانونية في سبيل احتواء نشاط هذه الجمعيات الخيرية في مناطق الصراعات الدولية من خلال اتهامها بتمويل الإرهاب ودعم الحركات المتطرفة في مناطق الصراع.

وقد تمثلت الآليات القانونية المتبعة لمحاربة العمل الخيري الإسلامي التي عملت أمريكا بدفع من قوى اللوبي اليهودي إلى استصدار منظومة من القوانين لمحاربة العمل الخيري الإسلامي، منها: قانون الإرهاب الذي يستهدف هذا القانون تجريم حركات التحرر الوطني، ونزع الصفة الإنسانية عن أفرادها، وتحييد كافة القوانين الدولية التي توفر لهم الشرعية والحماية، مثل: معاهدة جنيف وأسرى الحرب وغيرها، وقانون الأدلة السرية الذي تمت صياغته لمحاربة كافة القوى غير المتوافقة مع السياسة والمصالح الأمريكية، سواء كانوا أشخاصاً أو جماعات أو دولاً لحرمانهم من الحقوق القانونية من خلال نزع صلاحيات المحاكم والقضاء المدني لتجريد الخصم من قدرته عن الدفاع عن نفسه، إلى جانب قانون الجريمة بالمخالطة الذي يعتبر قانوناً فريداً من نوعه صيغ لتجريم الأشخاص والمنظمات والدول التي تتهم بعلاقة الاختلاط مع الجهات التي تصنفها أمريكا على أنها إرهابية، أو اللقاء مع هذه الجهات، أو السكوت عنها، أو المعرفة بها، وعدم تقديم الشهادة ضدها، حيث يعتبر ماضي الجهة المتهمة خاضعاً لهذا القانون حتى لو كان نشاط الجهة "الإرهابية" المتصل بها مباحاً في الماضي، وهي حملة بجملتها تستهدف تجريد دول المنطقة من سيادتها على أرضها وحرمانها من مساندة حركة المقاومة أو القوى التي تسعى لإنهاء الاحتلال عن أراضيها كفلسطين ولبنان وسوريا.

وبناء على ما سبق، فلا بد لمواجهة الآليات القانونية التي يحارب من خلالها العمل الخيري الإسلامي من خلال القانون الدولي الإنساني من الاستعانة بخبراء ماليين وقانونيين ومستشارين متخصصين من مؤسسات عالمية من الداخل والخارج لصياغة خطة شاملة لمواجهة هذه الحملة التي تستهدف تقويض العمل الخيري الإسلامي الدولي في منطقة الصراعات، مع تشكيل لجان قانونية خاصة لدراسة التهم الموجهة لمؤسسات العمل الخيري وإصدار النتائج على الملأ بشفافية ومصداقية توظف من خلالها القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي لإيصالها إلى مختلف القطاعات التي تمثلها منظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الخيري في الغرب.

د. أحمد مبارك سالم