الأصول الإيمانية العقدية للعمل التطوعي في الإسلام
27 أبريل 2017 - 1 شعبان 1438 هـ( 2749 زيارة ) .
المصدر :مداد
التصنيف :التطوع

بقلم/ مصطفى بوهبوه/ باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب ــــ وجدة


جدير بنا قبل أن نشرع في الحديث عن الأصول الإيمانية للعمل التطوعي، أن نحدد مفهوم التطوع لغة واصطلاحا، والمقصود بالعمل التطوعي في بحثنا.

أولا: تعريف التطوع لغة واصطلاحا:

1ــ التطوع لغة: مشتق من الطوع، وهو نقيض الكره. يقال طاعه ويطوعه وطاوعه: الموافقة[1]. "والطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الاصحاب والانقياد"[2]. يقال تطاوع للأمر وتطوع به وتطوعه: تكلّف استطاعته[3]. وفي التنزيل قال الله تعالى: فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا[4] وأما قولهم في التبرع بالشيء: قد تطوّع به. فهو من هذا الباب. لكنه لم يلزمه، لكنه انقاد مع خير أحبّ أن يفعله، ولا يقال هذا إلا في باب الخير والبرّ[5].

والمقصود بالتطوع في البحث: ما تبرع به الشخص من ذات نفسه ممل لا يلزمه فرضه"[6].

فالتطوع: هو ما تبرع به شخص سواء كان هذا الشخص فرداً أو مؤسسة من تلقاء أنفسهم مما لا يلزمهم فرضه.

2ــ التطوع في الاصطلاح:

قال ابن منظور: التطوع: "ما تبرع به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه"[7].

وعرفه الجرجاني بقوله: "التطوع: اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجبات"[8].

وقيل التطوع: هو التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات، مأخوذ من قوله تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا [9]. وهناك من عرفه بقوله: "هو عمل يبذل بالاختيار، يجلب مصلحة للغير، أو يدفع مفسدة عنه، من غير انتظار عوض مادي بالضرورة"[10]. وقيل هو:" تقديم يد العون إلى فرد أو مجموعة أفراد هم بحاجة إليه دون أي مقابل،سواء أكان مادياً أو معنوياً والغرض منه ابتغاء مرضاة الله تعالى"[11].

ثانيا: الأصول الإيمانية العقدية للعمل التطوعي في الإسلام:

العقيدة الإسلامية هي التصور العام عن الخالق والمخلوق، والعلاقة بينهما، ثم عن الإنسان، وحياته، ووجدانه، ومصيره، علاقته بالله، وبالكون، وبأخيه الإنسان، وبهذا فالعقيدة هي التصور العام لمنهج الحياة، ومنبع القيم الإسلامية.

فطبيعة العقيدة الإسلامية ليست شيئا تأمليا تجريديا، لكنها تصور عقلي، وجداني، محرك، يؤسس النظام الاجتماعي العام، ويدفع نحوتجسيد مضامين التصور في الأعمال. ولهذا نجد دائما في القرآن الكريم عبارة (إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات)، وهي عبارة نسقية مطردة في القرآن الكريم، فالإيمان قول واعتقاد وعمل.  جاء في الحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان"[12].

والعمل التطوعي الاختياري كباقي الأعمال الصالحة الأخرى، يستمد دعائم تطبيقه من هذا التصور العقدي الإيماني الرباني؛ فالتصور هو الذي ينمي وجدان المتطوع للإقبال على العمل التطوعي والانخراط فيه بكليته. ويمكن أن نتحدث عن الإطار الإيماني للعمل التطوعي من خلال ما يلي:

الأصل الإيماني الأول: ــ المال، مال الله والإنسان مستخلف فيه:

لقد من الله تعالى على الناس بنعم جمة لا تحصى ولا تعد، ومن ضمن هذه النعم المال باعتباره عصب الحياة وقوامها، وأحد شقي الأعمال الخيرية إضافة إلى الخدمة، فمن الناس من قدّر هذه النعمة فتصدق منها وتزكى بالبعض الآخر، ومنهم من اعتبر المال ماله فأسرف فيه وبذره بلا رقيب ولا حسيب فلا هو تصدق منه ولا هو تزكى ولا رحم المستضعفين، ضنا منه أن المال هو ماله ولا أحد له الحق فيه.

فالمال في التصور العقدي الإسلامي هو مال الله والإنسان مجرد خليفة فيه؛ قال الله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [13]. تقرر هذه الآية الكريمة أن المالك الحقيقي للمال هو الله تعالى والإنسان مجرد خليفة ووكيل فيه، مما يقتضي منه أن يتصرف فيه وفق مراد مالكه الحقيقي الذي هو الله سبحانه وتعالى.

روى مسلم عن مطرف بن عبد الله عن أبيه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[14]، فقال: "يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس"[15].

فالنبي صلى الله عليه سلم أكد في هذا الحديث أن التصور الحقيقي للمال هو فقط ما استهلكه الإنسان من مأكل وملبس أو صدقة ادّخرها للآخرة أما ما عدا ذلك من المال فهو يحرسه لورثته من بعده.

الأصل الإيماني الثاني: تحصيل الثواب والقرب من الله تعالى:

ينبني التصور العقدي الإسلامي على أساس أن حياة الإنسان لا تنتهي بمجرد خروج الروح، وانقطاعه عن الحياة الدنيا، بل هناك حياة أخرى؛ غير أن هذه الأخيرة تقوم، في نوعيتها، ودرجتها على ما سبق للإنسان أن قدم من عمل في الحياة الدنيا، كما تقوم على أساس أن الحسنة تجازى بعشر أمثالها (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا([16]، ولا يقف المعامل عند هذا الحد وبيان ذلك قوله تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[17].

من هذا الجزاء المضاعف كمجسم للعمل الاختياري التطوعي، كان دور الإيمان في إذكاء الرغبة في مباشرة العمل التطوعي، حيث إن الصدقة الاختيارية باب من أبواب الإحسان، والرغبة في تحصيل الثواب والقرب من الله على المال. وفي هذا الإطار ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "في كل كبد رطب أجر"[18]، كما ورد عنه أن باللقمة الواحدة، أو التمرة الواحدة، تصبح في حجم الجبل، أو أكثر: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل. كما يربي أحدكم فلوه[19] أو فصيله[20]"[21].

الأصل الإيماني الثالث: كفارة الذنوب:

تقوم العقيدة الإسلامية على أساس أن الإنسان يخطئ ويصيب، ومن رحمته أن جعل لهذا الخطأ حلاً؛ ومخرجا. إنسان عمل خطأ استوجب غضب الله عز وجل، فلو لم يكن هناك حل ليئس الإنسان من رحمة الله، ومع اليأس الفجور، لكن مهما كان من ذنب عظيم، استوجب غضب الله فالحل في عقيدتنا موجود قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصدقة تطفئ غضب الرب"[22].

إن أبواب التكفير عن الذنوب كثيرة، والعمل التطوعي الاختياري من أعظم الأبواب للتكفير عن الذنوب قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [23].

خاتمة

من خلال ما سبق يتضح أن التصور العقدي الإيماني للعمل التطوعي يتأطر ضمن هذه الأسس الثلاثة: أولا: أن المال مال الله والإنسان مجرد خليفة ووكيل فيه، ثانيا: تحصيل الثواب والقرب من الله تعالى، ثالثا: كفارة الذنوب وتجاوز عن السيئات، ضمن هذا الإطار العقدي التصوري الإيماني الرباني يزهو العمل التطوعي وينمو ويزدهر.

 



[1]ــ لسان العرب، لابن منظور، ج/4، دار الجيل، بيروت 1408هـ/1987م، ص 625.

[2]ــ معجم مقاييس اللغة، لابن فارس: تحقيق، عبد السلام محمد هارون ج/3، دار الجيل بيروت، ص 395.

[3]ــ لسان العرب، مصدر سابق، ص 626.

ــ سورة البقرة: الآية 183[4]

[5]ــ معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، نفس الصفحة.

[6]ــ لسان العرب ص، 626.

[7]ــ نفس المصدر والصفحة.

[8]ــ التعريفات، للجرجاني، تحقيق، ابراهيم الابياري، ط/2 1413هـ/1992م، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 84.

[9]ــ الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي، ج/2، ط/2، 1405هـ/ 1985م، دار الفكر، ص 587.

[10]ــ الارتقاء بالعمل التطوعي دراسة تأصيلية تطبيقية، بحث مقدم من الدكتور/ عبد القادر بن ياسين خطيب، لندوة العمل التطوعي وآفاق المستقبل، المنعقدة في جامعة أم القرى، 28/29/10/1433، مكة المكرمة.

[11]ــ العمل التطوعي التنموي والاجتماعي في الفقه الإسلامي، لعبد الله أمين الرفاعي، استاذ الفقه المقارن المساعد كلية الحقوق ــ جامعة تعز

مجلة الدراسات الاجتماعية، العدد(47)، يناير ــ مارس 2016م.

[12]ــ رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، (29/1)، رقم الحديث 9.

[13]ــ سورة الحديد، الآية 7.

 ــ سورة التكاثر: الآية 1 ـ 2.[14]

[15]ــ رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث 2958.

[16]ــ سورة الأنعام، الآية 160.

[17]ــ سورة البقرة، الآية 261.

[18]ــ رواه البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، (705/2)، رقم الحديث 2363.

[19]ــ الفلو (بضم الاول والثاني وتشديد الواو): ولد الفرس

[20]ــ الفيصل: ولد الناقة عندما يستغني عن الرضاع، فيقبل الانفصال عن أمه.

[21]ــ رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم الحديث (1690).

[22]ــ رواه الترمذي رقم: 664.

[23]ــ سورة العنكبوت، الآية 7.