جمعيات تحفيظ القرآن الكريم والاستقرار المجتمعي
17 يناير 2017 - 19 ربيع الثاني 1438 هـ( 2710 زيارة ) .



كتب: د. محمد عبد الرؤوف السيد


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، والصلاة والسلام على رسوله الأمين؛ محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أُنزل عيه القرآن الكريم هداية للتي هي أقوم وبشرى بالأجر الكبير للصالحين، أما بعد:

فقد أيقن السلف الصالح رضوان الله عليهم أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، وأن من تمسك به أو دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، وتحقق له الأمن في الدنيا والآخرة، أما من ابتغى الهدى في غيره أو أعرض عنه أضله الله وأصبحت معيشته ضنكا تنعكس آثارها السلبية على نفسه وعلى المجتمع. لذا، اقتفى سلفنا الصالح – ومن بعدهم من التابعين بإحسان - أثر نبيهم صلى الله عليه وسلم في الحياة بالقرآن تعلماً وتعليما، وحفظاً وتدبرا، وبحثاً وتطبيقا، وحكما وتحكيما وتحاكما؛ سعياً لتكوين النفسية السوية والشخصية المحبة للخير المتعاونة عليه الحامية لقيم الفضيلة والاستقامة، والمحاربة للرذيلة والشر والانحراف.

وتأسيساً على ما يربي به القرآن صاحبه، وانطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، تقوم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم ببلاد الحرمين المباركة – التي تتخذ من القرآن الكريم منهج حياتها ودستور بنائها – بتربية أبناء الأمة على كتاب ربها الذي يهدي قرائه وحفاظه والمستمسكين به وغيرهم – من أهل الله وخاصته – لتحقيق الخيرية والاعتدال والوسطية بالسلوك العملي والخلق الإسلامي والالتزام الشرعي بلا إفراط ولا تفريط؛ الأمر الذي يسهم إيجابياً في خدمة المجتمع، والحفاظ على أمنه واستقراره.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يؤكد استقراء بعض نتائج الدراسات الميدانية هذا السياق، ولقد قدم د. علي الزهراني في بحثه "أثر الحلقات القرآنية في تحقيق الأمن الاجتماعي" والمتضمن في أبحاث الملتقى الثالث للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم 1429هـ بعضا من هذه النتائج، ومنها: تمثل الحلقات القرآنية بما تقدمه للتلاميذ من توجيهات متنوعة صمّام الأمن الذي يحميهم من الوقوع في الانحرافات الأخلاقية والسلوكية، يسهم إلحاق الأولاد بالحلقات القرآنية مبكراً وربطهم ببرامجها التربوية في تفوقهم الدراسي وتميزهم الأخلاقي، توجد علاقة طردية بين الأمن والتعليم القرآني، فكلما زاد التعليم الصحيح والاهتمام به، زاد التمسك بالأمن وأصبح لدى المتعلم قدرة على مواجهة الانحرافات الفكرية المختلفة، تملأ الحلقات القرآنية أوقات طلابها بالمفيد النافع من العلم والتوجيه والتأديب فتضيق مساحة الفراغ التي تؤدي غالباً إلى الانحراف والوقوع في الجريمة، يؤدي الالتحاق بالحلقات القرآنية إلى التفوق الدراسي، كما أن حفظ القرآن في المراحل المبكرة ينمي مدارك المتعلم ويحقق الاتزان النفسي والاجتماعي، كذلك فإن الارتباط بحلقة التحفيظ والمواظبة على قراءة القرآن الكريم مدعاة لارتباط الولد بالمجتمع ووسيلة فاعلة في وقاية المجتمع من النزاع والفرقة بين أفراده؛ فالأمن والاستقرار يتحققان أولاً في نفوس أفراد المجتمع، ثم ينعكس أثرهما على جوانب حياتهم المختلفة.

وحتى تتحقق مثل هذه الأهداف والغايات من جمعيات تحفيظ القرآن الكريم – التي تعد امتداداً تاريخياً لسلف الأمة في عنايتها بكتاب ربها عزّ وجل – تقدم هذه المقالة بعضا من الرؤى التي يمكن من خلالها تفعيل دور جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في تحقيق الاستقرار المجتمعي، ومن ذلك:

- تحول الجمعيات من مراكز تعليمية إلى مراكز تربوية: إذا كان الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو على الناس آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، كان لزاماً على معلم الحلقات ألا يقتصر دوره على تحفيظ القرآن الكريم، بل ينبغي أن يتعدى دوره ذلك إلى تهذيب النشء وتزكيته وتنشئته على الفطرة حتى تسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها بتكرار المعصية والضلال، فيتربى النشء على العقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، ويتقوى لديه الوازع الديني؛ فيصبح الرقيب ذاتياً، ومن ثم يردعه إيمانه وأخلاقه عن مظاهر الانحراف.

- تجويد الإعداد الشرعي لمعلم الحلقات القرآنية: فالحلقات بحاجة إلى من لديه دراية بعلوم القرآن، وتفسير مفرداته، وأسباب نزوله، وعلاقته بالسنة النبوية، ومنهجية استنباط الدلائل التربوية منهما.

- التأهيل التربوي لمعلم الحلقات القرآنية: إن معلم الحلقات مطالب – من خلال الوقوف على آيات الوعيد والحدود والقصص و ... - بتوعية طلابه بخطر الجريمة وآثارها السلبية على أمن الفرد واستقرار المجتمع، وذلك لما تسهم به هذه التوعية في تزكية النفوس وإصلاح القلوب وتهذيب السلوك، ومن ثم الحذر من المخاطر والمخالفات الشرعية والأمنية والفكرية، لا سيما الأفكار الوافدة التي تدعوا إلى الشك والإباحية والفساد الخلقي والاجتماعي. ونظراً لتنوع المخاطر التي تهدد استقرار المجتمع وتعددها وتجددها كانت الحاجة لتأهيل المعلم تربوياً ماسة؛ إذ إنه ليس بكاف أن يقتصر المعلم على دوره التعليمي، بل ينبغي أن يقوم – بجانب ذلك – بدور المرشد الاجتماعي، والأخصائي النفسي، والمربي القدوة، والباحث النشط، والمحافظ على هوية مجتمعه، و ... 

- استدامة التدريب المهني لمعلم حلقات التحفيظ: في ظل المسؤوليات والأدوار الجديدة الملقاة على المعلمين، واستجابة للمتغيرات وحاجات المجتمع المتجددة، تدعوا الحاجة إلى وجود عمليات مستمرة مخطط لها بصورة منظمة تتصف بالكفاءة والجودة لتطوير مهارات المعلمين وتنمية اتجاهاتهم الإيجابية لتحسين مستوى التعلم والتعليم وتلبية حاجاتهم في الميدان التربوي، ومن ثم الارتقاء بمستوى أداء معلمي حلقات التحفيظ للقيام بمسؤولياتهم على أكمل وجه.

- وضع مؤشرات مقننة (معايير/كفايات) لجميع عناصر منظومة حلقات التحفيظ (أهداف – مشرف – معلم – طالب – منهج – مخرجات ...).

- التخطيط الجيد لمناهج تربوية تتناسب وتلك المؤشرات المقننة من ناحية ومراحل النمو واحتياجات النشء في ضوء ما يحفظ ويتلى من القرآن الكريم من ناحية أخرى، كي تسهم في تكوين شخصية النشء تكويناً شاملاً ومتوازناً لكافة جوانبه الإنسانية. ومن ضمن متطلبات التخطيط الجيد للمناهج التربوية في الحلقات القرآنية: الاستفادة من أساليب القرآن الكريم في توجيهاته المحققة للأمن، مثل: التذكير بأن الأمن نعمة يستلزم شكرها الأخذ بأسبابه كالإيمان بالله واجتناب معاصيه، الحث على التعاون والألفة والتكافل والعمل الجماعي والتحذير من الفرقة والشتات، الدعوة إلى التسامح وبث روح الأخوة الإيمانية، التحذير من الظلم والإجرام والعدوان على الآخرين، التوجيه إلى الإفادة من أوقات الفراغ، الإرشاد إلى الوسطية والاعتدال عملياً، التمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمر.

- تفعيل الدور المجتمعي لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم: من الصعب أن يلمس المجتمع دور مؤسسة معينة في تحقيق استقراره وأمنه دون تضافر جهود كافة المؤسسات في هذا الهدف. ومن ثم، ينبغي على جمعيات تحفيظ القرآن الكريم – كل فترة - دعوة أولياء أمور طلاب الحلقات وأقرانهم ومعلميهم ومرشديهم في المدرسة وجيرانهم في الحي لمناقشة كيفية التكامل بينهم في الأدوار لتحقيق الأمن والطمأنينة والاستقرار لهم على المستويين الفردي والجماعي. وعلى المقابل، ينبغي أن تتعهد المؤسسات الإعلامية والأمنية والشركات ذات المسؤولية الاجتماعية وغيرها مثل هذه اللقاءات لتوعية المجتمع كله بأهميتها ودورها في دعم الاستقرار المجتمعي.

وأخيراً، وفي ضوء ما قدمته هذه المقالة من رؤى واقعية وأخرى استشرافية؛ فإنها تدعوا المختصين والمهتمين بهذا المجال للتفكر في: المعايير أو الكفايات الأساسية اللازمة لكل من: حلقات تحفيظ القرآن الكريم كمحضن تربوي، وللبيئة كمجتمع تعلم نشط، وللإدارة كحلقة وصل بين الحلقة والمجتمع، وللمنهج كبوصلة موجهة لنواتج التعلم، وللمعلم كوسيط معرفي ووجدان روحي وسلوك إنساني، ولطالب الحلقات القرآنية كمرآة تعكس كل ما سبق وكنموذج أو منتج تسويقي يمكن استثماره في تحقيق الاستقرار المجتمعي.