القمة الإنسانية العالمية.. إنجازات قليلة وانتقادات كثيرة
2 يونيو 2016 - 26 شعبان 1437 هـ( 5816 زيارة ) .


كتب: حسام عبد العزيز


"اليوم نعلن: نحن إنسانية واحدة، بمسؤولية مشتركة". كلمات أعلن بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن نجاح القمة الإنسانية العالمية بتركيا في حشد تعهدات إنسانية كبيرة تهدف إلى تحسين حياة الفئات الأكثر ضعفا في العالم.

أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 400 من الدول الأعضاء والمنظمات والمجموعات الأخرى تعهدوا بحوالي 1500 التزام خلال القمة الإنسانية العالمية الأولى التي عُقدت خلال يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من مايو 2016، بحضور أكثر من 8000 مشارك بما في ذلك 55 من رؤساء الدول.

 

الصفقة الكبرى

كانت أهم النتائج الملموسة للقمة هي توقيع أكبر 30 جهة مانحة ومنظمة إنسانية على 51 التزاما أو إجراء فيما يسمى بـ "الصفقة الكبرى" بهدف التأكد من أن يتم تسليم المساعدة مباشرة إلى المحتاجين بسرعة وكفاءة.

حول المشاركة الحكومية تقول ريا فورهار مدير مجلس الاتصالات الاستراتيجية العالمية لوكالة انباء ((شينخوا)) إن الصفقة عززت التزامات الدول بتقديم مزيد من المساعدات للمحتاجين.

وتشير فورهار إلى أن بلجيكا تعهدت بتقديم 25 بالمئة من تمويلها للجماعات المحلية والوطنية حتى عام 2020 بينما ستضمن سويسرا 50 بالمئة من مساعداتها التنموية الرسمية للدول ذات الأوضاع الهشة.

مع ذلك، يمكن القول إن المنظمات غير الحكومية كان لها الدور الأكبر في هذه "الصفقة" لاسيما في غياب زعماء الدول السبع الكبرى باستثناء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إذ تعهدت منظمة وورلد فيجن ولجنة الإنقاذ الدولية بتحويل نصف وربع برامجهما، على التوالي، إلى مساعدات نقدية بحلول عام 2020، وأعلنت جهات مانحة عن منح إنسانية متعددة السنوات لأول مرة، واتفقت على رفع سقف الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ ـ الذي يسمح لوكالات الأمم المتحدة بالاستجابة بشكل أسرع وأكثر مرونة ـ من 500 مليون دولار إلى مليار دولار.

الانتقادات الموجهة لـ "الصفقة الكبرى" ليست قليلة، فثمة مخاوف تتعلق بالمسؤولية المؤسسية التي ربما تضطلع فيها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات بالدور التنظيمي.

تقول كريستالينا جورجيفا ـ إحدى مهندسي "الصفقة الكبرى" ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية والرئيسة المشاركة لفريق الخبراء رفيع المستوى المعني بالتمويل الإنساني الذي عينه الأمين العام ـ إن مبادرة "الصفقة الكبرى" لا تقتصر فقط على توفير المزيد من المال، ولكن على إنفاق تلك الأموال بشكل جيد.

وتضيف جورجيفا في تصريحاتها لإذاعة الأمم المتحدة:

"نتوقع أنه عندما يتم تنفيذها، فإنها ستؤدي إلى نقل مليار دولار أو أكثر من الأنشطة الإدارية والتداخلات، والإجراءات غير متماسكة إلى أنشطة إنقاذ حياة منتجة. هذا اتفاق يقوم على المساءلة المتبادلة: الجهات المانحة والوكالات المنفذة أخذت على عاتقها تحسين الطريقة التي تعمل بها."

واحدة من الطرق الناجعة للقيام بذلك هي إشراك المنظمات الإنسانية المحلية. ووفقا لـ"الصفقة الكبرى"، يجب أن يتحول ربع التمويل الإنساني إلى المنظمات المحلية والوطنية، بحلول عام 2020.

 

شبكة إنسانية وليدة

تعد شبكة (NEAR Network) المولود الأول للقمة الإنسانية الأولى إن جاز القول فقد خرجت الشبكة عشية انطلاق القمة بهدف "إعادة تشكيل النظام الإنساني والإنمائي من أعلى إلى أسفل لكي يصبح مدفوعاً ومملوكاً محلياً، ومبنياً على أساس شراكات منصفة وكريمة ومسؤولة".

شبكة (NEAR Network) شبكة عالمية من المنظمات المحلية والوطنية تعترف بدور فعال أعضائها من المنظمات المحلية الأقرب إلى مجتمعاتها والأسرع استجابة وقت الأزمات. إنها ليست شبكة بعيدة عن التدخل والدعم الدوليين، وإنما شبكة تهدف إلى إحداث التوازن المطلوب بتضمين اللاعبين المحليين.

بحسب موقع reliefweb.int المتخصص في أخبار العمل الإنساني، يقول دكتور مانو جوتبا العضو في مجلس قيادة الشبكة: ثمة حاجة إلى إنشاء منظومة متناغمة تقوم على الثقة المشتركة والمسؤولية والعدالة بين جميع أعضائها.

,وينقل الموقع نفسه عن ريزول كريم أمين الصندوق بالشبكة قوله إن الشبكة ستكون حركة لا مركزية تراقب وصول المساعدات والتمويل الإنساني إلى المنظمات المحلية، وترفع التقارير بشأن سير عملية تضمين المنظمات المحلية وإحداث التوازن المنشود.

ومن المنتظر أن تراقب الشبكة أيضا تنفيذ التزامات "الصفقة الكبرى" فيما يخص رفع التمويل الإنساني بنسبة 25% بحلول 2020.

 

ميثاق من أجل التغيير

وقعت 27 منظمة غير حكومية دولية خلال القمة على الميثاق من أجل التغيير (Charter4Change) الجديد، والتزمت بتوجيه 20 بالمائة من تمويلها إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية بحلول عام 2018 (ونشر تلك النسبة بشفافية) فضلاً عن معالجة الآثار السلبية لتعيين موظفين محليين في المنظمات غير الحكومية الدولية، وبالتالي استنزاف طاقة المنظمات المحلية.

ثمانية نقاط نشرها موقع ميثاق التغيير كبنود تلتزم المنظمات غير الحكومية الدولية بتنفيذها بحلول عام 2018 من أهمها الشفافية، والشراكة، والتمويل المباشر إذ يلزم الميثاق المنظمات بتمرير 20% من التمويل الإنساني إلى المنظمات الوطنية غير الحكومية كما يعمل على منع أو تقليل الآثار السلبية للتعاقد من الباطن وتوظيف فرق الطوارئ في المنظمات غير الحكومية المحلية.

 

التعليم لا يمكن أن ينتظر

جاء تدشين صندوق "التعليم لا يمكن أن ينتظر" للأطفال كاعتراف بالتعليم كضرورة لا تقل أهمية عن الغذاء والمأوى أثناء الأزمات.

بحسب موقع irinnews.org، يتم تخصيص أقل من 2 بالمائة من المساعدات الإنسانية للتعليم لكن بعض الجهات المانحة تعهدت بشكل منفرد برفع هذه النسبة إلى 30 بالمائة. ويهدف الصندوق إلى جمع 3.85 مليار دولار في غضون خمس سنوات، وقد حدث هذا بالفعل على 90 مليون دولار في صورة مساهمات من مؤسسة دبي العطاء والاتحاد الأوروبي وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

تقول المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا في تصريحات نقلتها إذاعة الأمم المتحدة تعليقا على إنشاء الصندوق: "لأول مرة وضعنا تركيزا كبيرا على التعليم من بين الشواغل الإنسانية. نحن نعرف، للأسف، أن اثنين بالمئة فقط من المساعدات الإنسانية تذهب للتعليم. يطمح الاتحاد الأوروبي إلى زيادتها ل4 في المئة. لكن خبراءنا يقولون إننا بحاجة إلى زيادتها ل 10٪ إذا أردنا أن يذهب جميع الأطفال في ظروف مختلفة إلى المدرسة. إنه طموح كبير. وعبر إنشاء هذا الصندوق، أعتقد أن الجديد فيه هو التزام القطاع الخاص به. وأيضا وصلت الكثير من التعهدات خلال القمة إلى حوالي 100 مليون دولار، مقارنة بالقراءة السابقة التي وصلت إلى 75 في المئة. إنها البداية، إنها ليست نهاية بالتأكيد. فجوة التمويل تصل إلى حوالي ملياري دولار، ولكن كبداية، ودفعة كبيرة، والتزام، أعتقد أنه أمر مهم."

قبل أيام قليلة من انطلاق القمة الإنسانية العالمية، أعلنت كاتالينا أجويلار مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عن إطلاق ميثاق دولي خلال القمة يتضمن مجموعة من المبادئ الاساسية لجعل العمل الإنساني أكثر شمولا للأشخاص ذوي الإعاقة. وأشارت أجويلار ـ بحسب وكالة أنباء الإمارات ـ إلى أن القمة فرصة للفت انتباه المجتمع الدولي حول وضع مئات الآلاف من الأشخاص من ذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم والذين يتأثرون بشكل غير متناسب من النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية وحالات أخرى من المخاطر وحالات الطوارئ المعقدة بسبب عدم وصول الاستجابات الانسانية إليهم.

وقد وقّع ما يقرب من 100 حكومة ومنظمة إنسانية وغيرهم على الميثاق الذي يلتزم بعدم التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل الإنساني، وتلبية احتياجاتهم على نحو أفضل، وإدماجهم في تصميم برامج المساعدات.

وفي هذا الصدد، يقول فلاديمير كوك، المدير التنفيذي للتحالف الدولي للإعاقة: "على القادة المجتمعين في مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني ترجمة الالتزامات على الورق إلى عمل على أرض الواقع، لضمان حصول أكثر الناس تهميشا - ذوي الإعاقة - على المساعدات التي يحتاجونها".

 

ويبدو أن الكثيرين يشاركون فلاديمير كوك القلق بشأن ترجمة مبادرات القمة والتزاماتها إلى واقع ملموس لاسيما في ظل غياب أغلب زعماء الدول السبع الكبرى عن القمة باستثناء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو الأمر الذي حظي بانتقادات المشاركين لاسيما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأمين العام للأمم المتحدة.

سد الفجوة بين التمويل الإنمائي والإنساني، غياب الإرادة السياسية للمجتمع الدولي بشأن إنهاء النزاعات، السياسة الأوروبية حيال أزمة اللاجئين، حماية المدنيين في مناطق النزاعات.. قضايا لم تعتنِ بها القمة الإنسانية إلى حد محبط رغم محاولات مسؤولين أممين مثل يان إيغلاند وإيرينا بوكوفا التأكيد على أن جمع هذا العدد الكبير من العاملين في المجال الإنساني في مكان واحد في نفس الوقت يعد في ذاته إنجازا، ورغم كلمة الأمين العام للأمم المتحدة في ختام المؤتمر أن القمة ليست نقطة النهاية بل نقطة التحول.