الاستثمار في العمل الإنساني
1 مايو 2016 - 24 رجب 1437 هـ( 10323 زيارة ) .

في ظل ما يعانيه العالم الآن في هذا الظرف الدقيق من أزمات مالية عالمية طاحنة، واحتدام الكوارث والأزمات الإقليمية والدولية، وبخاصة التي تعيشها منطقتنا العربية في عدد من البلدان، يجعل من المهام التي تضطلع بها المؤسسات والمنظمات العاملة في الحقل الإنساني تمر بأعظم التحديات التي من ممكن أن تواجه عملها الإنساني؛ لمناصرة الفئات الأشد ضعفًا والأكثر حاجة، وجهودها في الحد من المخاطر والتأهب للكوارث، والاستجابة الإنسانية السريعة.

حيث تشير الإحصاءات إلى سعي المجتمع الدولي الإنساني لمساعدة ما يصل إلى 13.5 مليون شخص في الداخل السوري بما يعادل نسبة 61%، من بينهم 6 ملايين طفل، و6.5 مليون نازح داخلي، 4.5 مليون في مواقع يصعب الوصول إليها، 0.39 مليون عالقين في 15 موقع محاصر، 1.3 مليون يستضيفون نازحين، 1.5 مليون يعانون من الإعاقة، 0.45 مليون لاجئ فلسطيني، 5.4 مليون في حاجة إلى الدعم والمساعدة.

 ووصلت القيمة الإجمالية للتمويل المطلوب لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2016م، نحو 3.18 مليار دولار أمريكي، بارتفاع بلغ نسبته 4% من قيمة المتطلبات المسجلة عام 2015م، فضلاً عن مطلب توفير مبلغ إضافي قدره 1.2 مليار دولار أمريكي لحكومات البلدان الإقليمية المتضررة جراء الأزمات. كما يوجد 8.7 مليون شخص بما يعادل نسبة 39%، من ضمنهم 4.8 مليون شخص مسجلين كلاجئين سوريين، و4 ملايين شخص في المجتمعات المتضررة، بإجمالي عدد 22.2 مليون شخص مستهدفين للمساعدة باحتياجات تمويلية تقدر بنحو 7.73 مليار دولار أمريكي.

وهذه الإحصاءات تدعو المجتمع الدولي إلى التضامن وتقاسم المسئوليات؛ من أجل زيادة فرص إعادة التوطين، والمنح الدراسية للتعليم العالي، والتمويل المناسب لتقليل الفجوة بين المطلوب والمتوفر لاحتياجات اللاجئين، وإعادة تخطيط القدرة لمواجهة الأزمة، ولو بمنع زيادة اتساعها، بالإضافة إلى محاولة توفير دعم أكبر للحكومات في المنطقة التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين.

الاستثمار الإنساني: المفهوم والأبعاد

مفهوم الاستثمار الإنساني:

يعد الاستثمار الإنساني أحد أهم الوسائل الهامة للتنمية الإنسانية؛ وذلك لفعالية تأثيره على الخطط المستقبلية لمنظمات قطاع العمل الإنساني. وقد عُرف الاستثمار من المنظور الإسلامي بأنه "ذو طبيعة خاصة ومميزة، لا تقتصر على تنمية رأس المال فقط، بل يتعداها إلى تنمية القدرات والطاقات البشرية، والسعي إلى تحقيق التطور الاقتصادي، بدءًا بأولويات الأمة الإسلامية".

أما التعريف الإجرائي للباحث للاستثمار من المنظور الإنساني، فإنه لا يختلف كثيرًا عن تعريفه من المنظور الإسلامي، ونعرفه بأنه "الإجراءات الرشيدة المتخذة لتنمية الموارد المالية، ورأس المال الفكري (رفع القدرات والمهارات والطاقات للموارد البشرية)، بما يساعد على توفير الاحتياجات الإغاثية والتنموية للمتأثرين والمتضررين من الكوارث والأزمات، ومناصرة الفئات الأشد ضعفًا والأكثر حاجة، ويتكون من الأصول البشرية والمادية، والمالية، والمنصات والشبكات الإلكترونية، والتطبيقات الذكية، والبوابات الإلكترونية"

أبعاد الاستثمار الإنساني:

تتعدد أبعاد الاستثمار الإنساني إلى خمسة أبعاد تتعلق بالتنمية الاجتماعية، والاقتصادية، والبشرية، والإنسانية، والمستدامة.

 

أولاً: بُعد التنمية الاجتماعية:

يهتم الاستثمار الإنساني بالجانب الاجتماعي في التنمية، بإيجاد استراتيجية شاملة، تهدف إلى تحسين نوعية الحياة في مختلف النشاطات البشرية، عن طريق المشروعات والبرامج التنموية، التي تسعى إلى معالجة المشكلات الاجتماعية، وإشباع الاحتياجات الإنسانية الأساسية، فضلاً عن تشجيع الإبداع والابتكار، والدعم النفسي والصحي، وتعزيز المسئولية الاجتماعية بين الفرد ومجتمعه، وتحقيق المزيد من التماسك المجتمعي، وتخفيف مخاطر النزاعات، وتحسين فعالية المشروعات والبرامج التي تساهم الجهات المانحة في تمويلها.

ثانيًا: بُعد التنمية الاقتصادية:

يتمثل بعد التنمية الاقتصادية في الاستثمار الإنساني نحو السعي لزيادة الطاقة الإنتاجية الفاعلة في المجتمع للاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية، وبحث المشروعات والبرامج التي تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة للفئات الضعيفة والأكثر حاجة.

ثالثًا: بُعد التنمية البشرية:

التنمية البشرية تعني في الاستثمار الإنساني تنمية الإنسان، وصقل مهاراته وقدراته في مختلف المجالات، الثقافية، والفكرية، والعلمية، والاجتماعية، والاقتصادية؛ لتحسين الخدمات الصحية، والعملية التعليمية، التي تساعد على تحسين مستوى المعيشة، كما يسعى الاستثمار الإنساني في التنمية البشرية إلى التدريب على الوسائل الحديثة في الإنتاج، وإكساب أفراد المجتمع أنماط جديدة في العادات الاقتصادية والاجتماعية، مثل: الادخار، وإقامة المشروعات، وكيفية الاستهلاك والترشيد فيه.

رابعًا: بُعد التنمية المستدامة:

يسعى الاستثمار الإنساني عن طريق التنمية المستدامة إلى تعزيز الازدهار، والفرص الاقتصادية، وزيادة الرفاهة الاجتماعية، وحماية البيئة، وتقديم أفضل الفرص لإيجاد تحسينات نوعية في حياة البشر في كل مكان. وهذه بعض الأمثلة:

ï    البيئة: بتعزيز الاستخدام الرشيد للموارد غير المتجددة، والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة

ï    المياه:بضمان إمداد كافٍ من المياه الصالحة ورفع كفاءة استخدام المياه في التنمية الزراعية والصناعية والحضرية والريفية.

ï    الغذاء:برفع الإنتاجية الزراعية والإنتاج من أجل تحقيق الأمن الغذائي الإقليمي والعالمي.

ï    الصحة العلاجية والوقائية:بزيادة الإنتاجية من خلال الرعاية الصحية والوقائية وتحسين الصحة والأمان في أماكن العمل.

ï    المأوى والخدمات:بضمان الإمداد الكافي والاستعمال الكفء لموارد البناء ونظم المواصلات.

ï    التكنولوجيا:بالانتقال من الطاقة غير النظيفة إلى الطاقة النظيفة باستخدام التكنولوجيا المتطورة.

خامسًا: بُعد التنمية الإنسانية:

يركز الاستثمار الإنساني في هذا البعد بوضع الإنسان الهدف، والوسيلة لعملية التنمية، وجعله محور عملية التنمية، كما يهدف إلى تقييم المخاطر والأزمات والكوارث التي يتعرض لها، والتي تهدد أمنه وسلامته، وكذلك التأكيد على احترام مبادئ واتفاقيات القانون الدولي الإنساني، واتخاذ كافة التدابير التي تعزز سبل وأسس الحياة الكريمة له.

التحديات التي تواجه التمويل في المنظمات الإنسانية

يعتبر التمويل هو العمود الفقري للمنظمات الإنسانية، فكلما تمكنت من التغلب على قلة الموارد المالية، وتوفير مصادرها، تمكنت من تحقيق دورها بفعالية ونجاح، حيث يتوقف حجم النشاط وبرامج التنمية والإغاثة، والخدمات، والمساعدات المقدمة للمحتاجين والمتأثرين جراء الكوارث والأزمات. وفي الواقع تواجه منظمات العمل الإنساني العديد من التحديات التي تتعلق بالبنية التنظيمية والإدارية، والموارد البشرية، لكننا سنسلط الضوء فقط على التحديات المالية، والتي تتمثل في:

o       محدودية الموارد/المصادر المالية.

o       ضعف استثمار الفائض –إن وجد- عن الحاجة التشغيلية.

o       اعتماد الموارد المالية على التبرعات والهبات، وعدم السعي لتكوين أوقاف تدر بالدخل.

دوافع الاستثمار في العمل الإنساني

تتمثل دوافع الاستثمار الإنساني للمنظمات الإنسانية فيما يلي:

§        ايجاد مشروعات وبرامج تخدم التوجه الإنساني وتدر بالدخل.

§        القضاء على المشكلات التي تعوق التنمية الإنسانية.

§        الاستفادة من التقدم والتطور التكنولوجي.

§        توفير الخدمات الإدارية واللوجستية بأفضل جودة ممكنة.

§        رفع مستوى أداء الخدمات الإنسانية.

§        الإيفاء بالاحتياجات الإنسانية الإغاثية في وقتها الحقيقي.

متطلبات الاستثمار في العمل الإنساني

تبرز متطلبات الاستثمار الإنساني في النقاط التالية:

¤    تحديد الأولويات الضرورية للتوجهات الاستراتيجية.

¤    تطوير الاستراتيجيات.

¤    مراجعة النظم والقوانين واللوائح بما يخدم ويعزز مفهوم الاستثمار الإنساني.

¤    تعزيز مشاركة وتبادل البيانات والمعلومات.

¤    تأسيس بنية تحتية تكنولوجية قوية ومتطورة.

¤    رفع القدرات والمهارات المؤسساتية والبشرية.

أنواع الاستثمار الإنساني:

يوجد نوعين من الاستثمار في القطاع الإنساني، هما الاستثمار المباشر، والاستثمار غير المباشر.

  أولاً: الاستثمار الإنساني المباشر:

وهو الذي يرتبط مباشرة بالقدرة على تلبية الاحتياجات الإنسانية مع الاحتفاظ بالموارد المالية وزيادتها، ومن أمثلته، الاستثمار الإنساني التكنولوجي:

 

الاستثمار الإنساني التكنولوجي

قد أسهمت طبيعة الانترنت اللامركزية وخصائصها، ونمو وسائط التواصل الاجتماعي إلى إحداث تغيرات جذرية في الطريقة التي تجمع بها المنظمات التبرعات من جميع أنحاء العالم، حيث تتحرر جهود جمع التبرعات على الانترنت من القيود الإدارية التقليدية التي تفرضها المنظمات والجهات المانحة.

ومن أبرز أمثلة الاستثمار التكنولوجي (منصات التمويل الجماعي) على الانترنت الذي يتم فيه توظيف قوة الشبكات المحلية والعالمية؛ للحصول على الدعم المالي للمشروعات والأفكار، ويعرف التمويل الجماعي بجمع التبرعات المؤسسية والفردية من الحشود عبر المنصات الإلكترونية، وأوائل ظهور هذه المنصات كانت في عام 2000، بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن انتشارها بدء في عام 2008م، حيث أصبح التمويل الجماعي ظاهرة عالمية، وصناعة بلغت قيمتها 5 مليارات دولار أمريكي في العام 2013م، ويعود الفضل في ذلك إلى شركات التمويل الاجتماعي على الإنترنت مثل، موقع Kickstarter.

التجارب الناجحة في التمويل الجماعي:

تجربة موقع التمويل الجماعي Kickstarter

هو موقع على الإنترنت مخصص لحشد التمويل الجماعي للمشروعات الإبداعية، وأسسه ثلاثة أشخاص، وقد جمع الموقع أكثر من مليار دولار أمريكي منذ تأسيسه، ونجح في تمويل أكثر من 60.000 مشروع حول العالم، وشمل هذا التمويل أكثر من ٢٠٠ مليون دولار لمشاريع الأفلام والفيديو فقط، حيث نالت بعض هذه الأفلام جوائز وترشيحات لجوائز أوسكار، مثل الفيلم الوثائقي القصير انوسنت. (Inocente)

كما توجد تجارب أخرى في التمويل الجماعي مثل تجربة موقع انديجوجو Indiegogo، وتجربة موقع دونرزشوز Donorschoose، وتجربة الاتحاد الدولي IFRCأثناء إعصار هايتي

مزايا منصات التمويل الجماعي

تحتوي منصات التمويل الجماعي على العديد من المزايا، والتي منها:

·        إتاحة فرص تنويع المانحين.

·        إتاحة الفرص لجمع التبرعات للاحتياجات الإنسانية العاجلة.

·        التقليل من حجم الإجراءات والتعقيدات الإدارية.

·        إضفاء الطابع المؤسسي على عملية جمع التبرعات من خلال توفير منصة إلكترونية تتسم بالمركزية، والشفافية، وتسمح لجميع مكونات المجتمعات أفراد ومؤسسات قطرية، وإقليمية، ودولية، بالمشاركة وفي نفس الوقت.

  ثانيًا: الاستثمار الإنساني غير المباشر:

وهو الذي يتمثل في الارتقاء بالمهارات والقدرات للعاملين في القطاع الإنساني، مما يساهم في ترشيد الاستهلاك، وزيادة القدرة الإبداعية وإيجاد الحلول المبتكرة للتغلب على مشاكل قلة الموارد المالية، ويركز أيضًا على توفير سبل كسب العيش وفرص العمل للفئات الضعيفة والأكثر حاجة، واللاجئين والنازحين لتعزيز القدرة على إعالة أنفسهم وعائلاتهم.

 

 

ويتضح مما سبق أهمية الاستثمار في العمل الإنساني بالطرق المبتكرة والغير تقليدية، ولعل من هذه الطرق الناجعة لتحقيق هذا التطور في العمل الإنساني ما يلي:

·        إنشاء منصة للتمويل الجماعي للمشروعات والبرامج الإنسانية والإغاثية تحت اسم (المنصة العالمية للإغاثة)، تحت شعار (هدفنا الإنسان).

·        اعتماد الاستثمار الإنساني كهدف استراتيجي عاجل.

·        زيادة الاهتمام برأس المال الفكري، وتعزيز أركانه الإبداعية والابتكارية، والثقافية، والفكرية، والعلمية، والمهارية.

·        تشجيع التعاون الإقليمي والدولي بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.

 

 

 إعداد/د. إبراهيم أحمد الدوي