القمة الإنسانية العالمية بتركيا.. تحديات وآمال
22 مارس 2016 - 13 جمادى الثاني 1437 هـ( 8546 زيارة ) .

استدعت الظروف العالمية وأوضاع الشرق الأوسط على وجه الخصوص ضرورة انعقاد قمة عالمية إنسانية تحضرها أغلب حكومات دول العالم إضافة إلى المؤسسات والهيئات الإغاثية الدولية لأجل التعاون على وضع حد للأوضاع الإنسانية المتدهورة في كثير من البلدان. لذا دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في أيلول/سبتمبر عام ۲۰۱۳، إلى عقد أول قمة عالمية للعمل الإنساني في إسطنبول 2016.

وتهدف القمة إلى تحديد برنامج العمل المستقبلي لجعل العمل الإنساني أكثر فعالية وشمولاً ومسؤولية. ولكي تنجح هذه القمة، يتعين عليها أن تستعرض الرؤى والخبرات من أنحاء العالم. لذلك، عقدت ثمانية مشاورات إقليمية مع نطاق واسع من أصحاب المصلحة (حكومات محلية، ومنظمات إنسانية، ومتضررين.. إلخ) من أجل التمهيد للقمة. وسوف تعقد المشاورة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالعاصمة الأردنية عمان.

وتسترشد القمة بأربعة محاور رئيسية، هي:

v               فعالية العمل الإنساني

v                تخفيف مواطن الضعف وإدارة المخاطر

v                 التحول من خلال الابتكار

v               خدمة احتياجات الأفراد أثناء الصراع.

وتعدهذه المحاور محاولة لتحديد بعض من التحديات المرتبطة بالعمل الإنساني التي تواجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليًا.وقد تم تشكيل هذه التحديات استرشادًا بالنتائج المبدئية للمشاورات التحضيرية مع منظمات المجتمع المدني بأغلب دول الشرق الأوسط، والمجموعات النقاشية مع المجتمعات المحلية المتضررة من الأزمات والمائدة المستديرة رفيعة المستوى التي عقدت في الكويت للحصول على وجهات النظر الخليجية حيال محاور القمة العالمية للعمل الإنساني.

 

الأهداف التي تسعى القمة العالمية للعمل الإنساني إلى تحقيقها

والهدف الأساسي للقمة العالمية للعمل الإنساني هو "اقتراح حلول لأكثر التحديات التي تواجهنا إلحاحًا وإعداد جدول أعمال لجعل العمل الإنساني مواكباً للمستقبل".

وفي العادة، ليس هناك جدول أعمال محدد للأعمال التي تقودها الأمم المتحدة، إذ يمكن للأشخاص أن يطرحوا قضايا بشكل شخصي في المشاورات (شريطة أن يكونوا ضمن قائمة الضيوف) أو عن طريق نظام الرسائل عبر الإنترنت. ومن بين هؤلاء الذين يحضرون في مختلف المناسبات وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، ومنظمات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والأكاديميون، وشركات القطاع الخاص، وممثلو الحكومات والسكان المتضررون من الأزمات أنفسهم.

 

القضايا الرئيسية التي تمت مناقشتها حتى الآن

 

• هناك حاجة لمراجعة تشريعات مكافحة الإرهاب بحيث لا تحد من إيصال المساعدات إلى السكان في مناطق الصراع التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة.

آلية توزيع المبالغ وكم النسبة التي يجب أن تحصل عليها المنظمات الحكومية وغير الحكومية العاملة في هذا القطاع.

اعتماد المؤسسات الخيرية التي أثبتت مصداقيتها في العمل الخيري وأمانتها.

حرص جميع المنظمات العاملة في هذا السياق على تغليب العمل الإنساني.

التمويل للأعمال الخيرية التي تدعم الحالات الانسانية في البلدان التي تشهد نزاعات مستمرة يجب أن يكون مرنا بحيث يقدم الدعم لفترات طويلة.

هناك دعوة لتطوير سياسة جديدة تتعلق بالنازحين داخلياً في منطقة الشرق الأوسط، على غرار "اتفاقية كمبالا" للنازحين داخلياً في أفريقيا.

• الابتكار أمر مهم ولكن الجهات المانحة بحاجة لمشاركة بعض المخاطر المالية وأن تكون أكثر انفتاحاً على الأفكار التي لم يتم اختبارها بعد.

• ينبغي أن تشكل الحلول السياسية أولوية للحكومات ولمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بغية إنهاء الصراعات وعمليات النزوح والمعاناة الإنسانية.

• يجب على الجهات الفاعلة في مجال الإغاثة إدراك قدرات المتضررين وطاقاتهم، بدلاً من مجرد رؤيتهم كضحايا لا صوت لهم.

 

أصدر بان كي-مون، الأمين العام للأمم المتحدة بيانا وضح رؤيته حول الكيفية التي يمكن للعالم أن يخدم بها المحتاجين بشكل أفضل: هيكل معونة متماسك ومنسق، يربط على نحو أكثر كفاءة الإغاثة الطارئة بالتنمية ويستثمر أكثر – سياسياً ومالياً – في الوقاية من الأزمات قبل حدوثها.

 

وفي الوقت الذي اعترف فيه بان كي مون نفسه بأن "الكثيرين يشككون في قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بوعود ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بإنهاء الحروب أو مواجهة التحديات العالمية"، تأتي رؤيته لتوجيه الحكومات ووكالات الأمم المتحدة وبقية قطاع المعونة الذي تقدر قيمته بنحو 24 مليار دولار لتبني التغييرات الرئيسية في القمة العالمية للعمل الإنساني القادمة، تتويجاً لعملية تشاورية استمرت لقرابة ثلاث سنوات بهدف تحسين تقديم المساعدات للمتضررين من الأزمات.

 

إصلاح العمل الإنساني: المطروح وغير المطروح على الطاولة

وقد وصف البعض رؤية الأمين العام بأنها مُلهمة، "إطار عمل طموح" له "رؤية جريئة". ولكن آخرين اعتبروها غير واضحة بما في ذلك الفشل في معالجة مسألة إصلاح الأمم المتحدة مباشرة، وحماية استقلال العمل الإنساني في بيئات مسيسة، وتمثيل القضايا الرئيسية التي برزت في المشاورات الشعبية بشكل كاف.

 

تحديد الأولويات

التقرير الذي طال انتظاره والذي من المفترض أن تقدمه الأمم المتحدة فيما يخص القضايا الإنسانية، يرسم صورة مقنعة للأحوال الرهيبة في العالم في ظل وصول عدد النازحين لأرقام قياسية، وزيادة الحروب الأهلية، وتزايد عدد الظواهر المناخية الشديدة المرتبطة بتغير المناخ. وفي كثير من الأحيان لا يحدث التفاعل اللازم من القيادة السياسية للتعامل مع هذه التحديات إلا انطلاقاً من "المصالح المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية الفورية والمحددة والضيقة"، على حد وصف بان كي مون.

 

وقال بان كي مون إن التقرير يركز بالأساس على منع وقوع الأزمات في المقام الأول، ومعالجة مخاوف بعض العاملين في مجال الإغاثة الذين أعربوا في وقت سابق عن الإحباط من التركيز حصراً على تقديم المعونة، مما يعني أن عملية القمة العالمية للعمل الإنساني تفقد مجدداً الهدف الرئيسي منها وهو: لماذا لا نعالج جذور المشكلة؟

 

وتعليقاً على ذلك، قال كلاوس سورنسن، مستشار رئيس المفوضية الأوروبية حول الشؤون الإنسانية إنه يؤكد على ضرورة إيجاد حلول للازمات بشكل مبكر وليس معالجته بعد حدوثه، أو عن طريق الأعمال الخيرية". وأضاف: "الأمر يتعلق بفكرة إنهاء الاحتياجات لتجنب الحاجة إلى الأعمال الخيرية... أعتقد أن هذا هو النهج الصحيح". وتجدر الإشارة إلى أن سورنسن، عمل في السابق مديراً عاماً لدائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو) التابعة للمفوضية الأوروبية. 

 

كما شدد بان كي مون أيضاً على أهمية منع المذابح كتلك التي حدثت في رواندا وسريلانكا وسوريا من خلال التحدث بجرأة ومن دون خوف عن الفظائع الجماعية. ويمكن القول بأن النبرة الأكثر قوة في مسودة سابقة لهذا التقرير، التي قال فيها إنه يشجع جميع موظفي الأمم المتحدة على "التصرف بشجاعة أخلاقية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق، بدلاً من الصمت في مقابل وصول المساعدات الإنسانية" لكن هذه النبرة قد ضعفت في المسودة النهائية. وبالمثل، لم تظهر العبارة السابقة "كمجتمع دولي ما زلنا نفشل" في البيان النهائي.

يحتوي التقرير على "شيء لكل أحد"، على حد وصف أحد كبار المسؤولين في قطاع العمل الإنساني لأنه يتطرق إلى جميع المواضيع الرئيسية: النوع الاجتماعي، والحماية، والقانون الدولي الإنساني، والتأهب. ولكنه يخفق في تحديد الأولويات بين 122 توصية مذكورة أو تحديد الاتجاه الصحيح.

 

موكيش كابيلا، أستاذ الشؤون الإنسانية ومستشار الأمانة العامة للقمة العالمية للعمل الإنساني أن "الأمين العام لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يقول للعالم: 'انظروا، ها هي طبيعة المشكلة. هذه هي طبيعة الفجوات. إذا كنتم تهتمون حقاً في حل هذه الأنواع من المشاكل، فهذه هي الأشياء التي يجب أن تنفذ'".

 

هل سينجح بان كي مون في تطبيق ما دعا إليه؟

والخط الرئيسي لرؤية بان كي مون هو "نهج مشترك" جديد يشهد استجابة موحدة من قبل الوكالات الإنسانية والتنموية. وهذا التركيز كان موضع ترحيب خاص من قبل الحكومات لأنها تشكو منذ وقت طويل من أن نهج الجزر المنعزلة لا يخدم المحتاجين على النحو الأفضل. إن تحديد نتائج جماعية متفق عليها على مدى سنوات عدة والتساؤل، كما يشير بان كي مون، "ما الذي يتطلبه الأمر لتحقيق هذه النتيجة وعلى يد من؟" سوف يطرب آذان أولئك الذين يضغطون من أجل رفع مستوى الأدوار التكميلية المتوفرة ضمن الشبكة المتنوعة من المستجيبين الإنسانية.

 

مخاوف من عدم تحقيق تلك المقترحات والرؤى

أولاً، يرتبط العمل الإنمائي بالحكومات. ويساور البعض القلق من أنه في حالات الصراع مثل تلك الدائرة في السودان أو سوريا، يمكن أن تقع المساعدات الإنسانية فريسة للتسييس فتفقد استقلاليتها، وهذا ما حذر منه لي يان إيغلاند، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، والذي يشغل الآن منصب أمين عام المجلس النرويجي للاجئين.

 

ولكن حتى إذا كان بالإمكان إيجاد حلول لهذه المعضلة، هل يمكن أن ينجح النهج المشترك على المستوى العملي فعلياً؟ يرى المسؤول الإنساني "أن القيام بتحليل مشترك للبيانات عبر القطاعات السياسية والتنموية وحقوق الإنسان والإنسانية عندما تكون لدينا أزمة إنسانية يبدو جيداً من الناحية النظرية. لكننا في الواقع عند الاستجابة الفعلية نكافح من أجل القيام بتحليل البيانات والتخطيط المشترك بين العاملين في القطاع الإنساني فقط".

 

الدور الخليجي وأثره

لا شك أن الدول الخليجية تعتبر من أهم الدول المانحة لدعم الأعمال الإنسانية سواء على صعيد الشرق الأوسط أم الصعيد العالمي، وأن حضور هذه الدول في القمة القادمة ضروري لإنجاح هذه القمة لما تلعبه حكومات تلك الدول والمنظمات الخيرية فيها من دور مهم في ساحة العمل الإنساني العالمي.

 

السؤال الذي يتبادر هنا هل انعقاد هذه القمة سيساهم بشكل جدي في حل المشاكل الإنسانية والأزمات التي تعاني منها الكثير من الدول التي أشرنا إليها؟

في الواقع التجارب السابقة أثبتت أن مليارات الدولارات تدفع في دعم القضايا الإنسانية لكن يجب أيضا توضيح مقدار ما ينفق منها وكم هي حصة منظمات الأمم المتحدة والعاملين معها بحيث لا يأخذ نسبة كبيرة من مقدار ما هو مخصص لدعم القضايا الإنسانية وهذا ما يجب أن تتضمنه خطط دعم القضايا الإنسانية في جداول أعمالها.


كتابة : إسراء البدر