دور منظمات العمل الخيري في التشجيع على القراءة والأنشطة الثقافية
3 مارس 2016 - 23 جمادى الأول 1437 هـ( 7555 زيارة ) .
المصدر :مداد

 

 

قال الجاحظ: الكتاب إن وعظ أسمع وإن ألهى أمنع، يفيدك ولايستفيد منك ويزيدك ولايستزيد منك، إن جدّ فعبرة وإن مزح فنزهة.

وقال: الكتاب هو الذي إن نظرت إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بنانك وفخم ألفاظك.

لقد أبان الأدباء والكُتاب فيما سطروه عن القراءة مدى أهميتها ومكانتها في المجتمع، حيث تُعد من أهم الوسائل التي يستقي من خلالها الإنسان الثقافة والمعرفة التي تنير دربه وفكره في سائر مجالات الحياة، كما تفتح له آفاقاً جديدة وتمهد له الطريق للتقدم والارتقاء، حيث يتمكن القارئ من الغوص في أعماق التاريخ ومعايشة تقاليد الشعوب، وإنجازات الحضارات، والخبرات البشرية. فالكتاب هو الوسيلة التي تنقل لنا إنتاج العقل البشري على مر العصور، حيث من خلاله يتصل الإنسان بعقول وأفكار عظماء التاريخ والتي بغير القراءة لن يعرف لها سبيلا، فمن لم يستوعب ماضيه لن يفهم حاضره، لذلك فإن كافة سُبل التكنولوجيا والتقدم التي وصل إليها الإنسان المعاصر اليوم ما هي إلا نتاج لأفكار وتجارب العلماء والمفكرين السابقين الذين حرصوا كل الحرص على تدوينها لإدراكهم ووعيهم التام بمدى أهمية الكتابة ومن ثم القراءة في تقدم أي أمة فإن لم تجد هذه الكتابات من يحفظها ويضيف إليها من الأجيال اللاحقة لضاعت هباء منثوراً.

أما القراءة في العالم العربي فتعيش أزمة حقيقية منذ فترة طويلة تعكس مدى الانحدار الثقافي والمعرفي وقلة الوعي بحجم الأزمة، فنسب القراءة المتدنية في العالم العربي من أهم العوامل التي تقف وراء بعض الظواهر السلبية والرجعية والخلل السلوكي الذي ازداد مؤخرا وبشكل ملحوظ.

فبحسب تقرير التنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي، فإن معدل قراءة الطفل العربي هو ست دقائق في العام مقارنة بـ 12 ألف دقيقة لنظيره الغربي أي لكل 20 طفلا عربيا كتاباً واحداً، كما يبلغ معدل القراءة للفرد البالغ ربع صفحة سنوياً مقارنة بـ 11 كتابا في أمريكا و7 في بريطانيا وذلك حسب دراسة المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ووفقا لدراسة لجنة الكتاب والنشر فإن العالم العربي أجمع ينشر 1,650 كتاب كل عام بينما تنشر الولايات المتحدة وحدها 85 ألف كتاب لنفس الفترة.

وتعزو أمة اقرأ أسباب عزوفها عن القراءة إما إلى انشغالها بمتطلبات الحياة اليومية، أو الكسل الذهني والملل نتيجة ضغط العمل والأحداث المحلية، وأحيانا إلى أسعار بعض الكتب المرتفعة وسهولة الحصول على المعلومة المطلوبة عبر الإنترنت؛ مما ينأى بهم عن عملية التثقيف الذاتي، وبالرغم من اعتبار نسبة كبيرة من الشباب هذه الأسباب هي معوقات حقيقية لممارسة القراءة إلا أنها لم تكن كذلك حين يقضى أغلبيتهم ساعات طويلة يومياً في الأسواق والمقاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي – مع العلم أن مارك زوكربيرج مؤسس صفحة الفيسبوك يقضي معظم أوقات فراغه في القراءة -  وبالتالي فإن تلك المبررات الواهية ماهي إلا انعكاس لعدم الوعي الذي يعتري عقول الشباب العربي تجاه أهمية الثقافة وتفضيل وسائل الترفيه الأخرى بالرغم من عدم وجود أي عائد منها سوى قتل الوقت.

ومع كل هذه المؤشرات والنسب المخيبة للآمال إلا أن المبادرات التي بدأت تتخذها بعض المنظمات والمؤسسات في الدول العربية هي بادرة أمل ومؤشر على إدراك التداعيات السيئة لإهمال القراءة وأهمية التحرك حيال هذا الأمر، وهو مادفع مدونة (بنية تونسية) إلى إطلاق مبادرة لتوفير الكتب للسجناء وذلك بدافع تغيير ثقافتهم والسلوكيات التي دفعت بهم إلى هذا المطاف وبالتالي تهيئتهم للخروج إلى المجتمع بثقافة ووعي مختلف ومتحضر، بالإضافة إلى المبادرة التي قامت بهاجمعية الرعاية المتكاملة في مصر حيث أنشئت العديد من المكتبات المتنقلة عبر الحافلات والتي تضم أعداداً كبيرة من الكتب المختارة والمميزة وصل عددها حتى الآن إلى مايزيد عن 4000 كتاب، وتقوم هذه الحافلات بالمرور بشكل دوري على الأحياء والمناطق الفقيرة بالمكتبات وتتوقف في المواقع التي يقبل عليها الشباب بكثرة، وتُعد المبادرة التي أطلقها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي هي الأبرز والأكبر على مستوى العالم العربي وهي مشروع تحدي القراءة العربي والذي يهدف إلى تشجيع أكثر من مليون طالب عربي على قراءة 50 مليون كتاب في السنة إذ على الطالب الواحد أن يقرأ نحو 50 كتاباً وتم تخصيص ما يقارب 3 ملايين دولار للجوائز والمكافأت للطلاب والمدارس المتفوقة في التحدي.

وبالنظر إلى عدد مبادرات القراءة التي تطلقها الدول العربية فإن نصيب المملكة هو الأقل من بينهم على مدار السنوات الماضية وهو ما يضيف سبباً آخر إلى أسباب تدني مستوى القراءة، وبالتالي لا يمكن أن يتحمل المجتمع وحده نتيجة ماوصل إليه وضع الثقافة والقراءة بين الشباب والأطفال في المملكة حيث تتحمل العديد من الجهات المنوط بها معالجة هذا الخلل المسئولية الكبرى في توجيه أفراد المجتمع نحو الثقافة والمعرفة، والتي أبرزها المؤسسات التعليمية من مدرسة وجامعة والأندية الثقافية والاجتماعية ومنظمات العمل الخيري.

وتتقاسم منظمات العمل الخيري المسئولية في نشر الثقافة والتشجيع على القراءة مع المؤسسات الأخرى للدولة، وذلك لما لها من دور إيجابي ومؤثر في تطوير المجتمع والمساهمة في تقدمه وكونها ثالث أكبر قطاع بالدولة بعد القطاعين الحكومي والخاص، فمنذ تأسست هذه المنظمات قبل أكثر من 52 عاماً بالمملكة وهي تقدم الكثير من الخدمات لكافة فئات وأبناء المجتمع في كل قرية ومدينة  لتقليل الهوة بين طبقات وشرائح المجتمع المختلفة وبالتالي نشر السلام الاجتماعي، وذلك من خلال رعاية الأيتام والمسنين وتقديم المساعدات المادية والعينية للمحتاجين إلى جانب التدريب المهني والتأهيلي للشباب مما يعزز قيم التكافل الاجتماعي ويساهم في دفع عجلة التنمية.

ولا يمكن التقليل من الدور الذي تضطلع به منظمات العمل الخيري في تنمية المجتمع من خلال تلبية كافة احتياجات الإنسان المادية والملموسة، ولكن جاء هذا الدور على حساب دورها الاجتماعي والثقافي في تلبية الاحتياجات الفكرية للإنسان، فقد دأبت هذه المنظمات على صب جل اهتماماتها على ما يحتاجه المجتمع من مستلزمات حياتية وحصر دورها الثقافي في بعض المؤتمرات والندوات التوعوية، بالرغم من القدرات التي تمتلكها لتطويع واستغلال خبرات وطاقات الشباب وتوجيهها لما يسهم في نهضة المجتمع ثقافياً ،فالإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية الاجتماعية ومحورها ولذلك تعتبر أولى مراحل هذه التنمية على النحو الصحيح هي التنمية الفكرية والثقافية للإنسان في كافة مناحي وشؤون الحياة، الاقتصادية والسياسية والصحية والعلمية وهو ما ينعكس على المجتمع بالنفع والفائدة ويساهم في الحد من المشكلات التي تضطر هذه المنظمات إلى مواجهتها نتيجة نقص الوعي.

ولتفعيل الدور الاجتماعي والثقافي لمنظمات العمل الخيري من خلال عدة محاور أبرزها تشجيع الشباب على القراءة، تم وضع العديد من التوصيات والمقترحات التي من شأنها أن تساهم في زيادة كفاءة هذا الدور ورفع معدلات الشباب المستفاد منه ويمكن إيجازها في عدة نقاط أهمها:

العمل على وضع الخطط والإستراتيجيات المحددة الأهداف والتنسيق مع الجهات المعنية وحصر عوامل وأسباب القصور في الدور الثقافي المقدم للمجتمع.

إطلاق مبادرات لتشجيع الأطفال والشباب على القراءة بصفة دورية، ويتم ذلك بتحديد عدد من الكتب المتنوعة وتشجيعهم على قراءتها خلال فترة محددة ومن ثم مناقشتها بأساليب تفاعلية تجذبهم وتثير حماستهم وتحفيزهم لذلك عن طريق الجوائز الرمزية.

التنسيق بين منظمات العمل الخيري والمكتبات العامة لوضع مكتبات مصغرة في كل مقاهي الشباب والعيادات الطبية والمطارات وكافة الأماكن التي يضطر الكثير من الناس إلى الانتظار بها لفترات تزيد عن 15 دقيقة، بحيث تتضمن هذه المكتبة العديد من القصص القصيرة وكتب المعلومات العامة مما يشجع كل فرد على استغلال فترات الانتظار وملئها بالمعرفة والمعلومات المفيدة.

إقامة مسابقات وفعاليات ثقافية تستهدف أماكن تجمع الشباب في الإجازات الأسبوعية والمناسبات الرسمية كالأعياد واليوم الوطني، بحيث تقدم هذه الأنشطة من خلال مجموعة من المتطوعين بالجمعية وذلك لتحفيز الشباب على التطوع.

إنشاء أندية ثقافية وأدبية ومؤسسات علمية منبثقة عن منظمات العمل الخيري تكون معنية بالأحداث الثقافية وإصدارات الكتب الحديثة وإطلاق المبادرات، بحيث تكون مقصداً لكل قارئ وكاتب ومركزاً لالتقاء الشباب بالأدباء والمثقفين، وتهتم بمواهب الأطفال والشباب الأدبية الكامنة بداخلهم وتصقلها وتنميها لإخراج جيل جديد من الأدباء والمفكرين للمستقبل.

التنسيق والتعاون مع جمعية رعاية المساجين وذلك بهدف إمداد مكتبات السجون بالمزيد من الكتب الثقافية وإرسال بعض المختصين شهرياً لحثهم على القراءة واقتراح الكتب المناسبة، حيث تضم هذه الأماكن بين جنباتها الكثير من الفئات والعقليات المختلفة والتي تحتاج كلا ًمنها إلى أساليب توجيهية ورعاية مختلفة عن غيرها.

دعوة جمعيات رعاية المكفوفين أسبوعيا للشباب الذي لديه الاستعداد والقابلية للتطوع وتسجيل الكتب صوتياً، وذلك لتصبح متاحة للكفيف كما هي متاحة للمبصر، وبالتالي تشجيع الشباب على القراءة وعلى العمل الخيري في آن واحد بالإضافة إلى إتاحة أكبر كم من الكتب الصوتية لتحفظ في مكتبات الدولة ويستفيد من المكفوفين جيلا ًبعد جيل.

يقول المثل الصيني إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة فانظر إلى ما يقرؤه أطفالها، وهو ما يوحي لنا بضرورة إقامة الندوات التوعوية لتعريف الأمهات والآباء بأهمية القراءة لأبنائهم باستمرار منذ الصغر، وإنشاء مكتبات بالمنزل ليعتاد الأطفال ثقافة القراءة خارج الإطار المدرسي حيث تعتبر البيئة المحيطة بالطفل من أبرز المؤثرات على سلوكه المستقبلي.

لابد أن تستخدم منظمات العمل الخيري المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بها في نشر المعلومات الثقافية والعلمية يوميا، وتقديم الاقتراحات والنصائح حول الكتب المفيدة في كافة المجالات ودعوة الشباب لقراءتها في أوقات الفراغ، وإبراز الشخصيات العامة التي تعتبر قدوة للشباب ومدى تأثير القراءة والعلم على مسيرتهم كي يحذو حذوهم.

تشجيع أفراد المجتمع على التبرع بالكتب القديمة ليستفيد منها الآخرون، وذلك في إطار تنظيم الجمعية لمعارض شهرية للكتب الجديدة والمستعملة بأسعار رمزية ليتمكن الجميع من اقتناء الكتب ولاسيما محدودي الدخل.

 

متابعة ودعم الصفحات والمواقع الثقافية عبر الإنترنت وتكريم المتميز منها ليستشعر القائمون عليها مدى أهمية دورهم تجاه المجتمع وأن هناك من يهتم ويشجع مبادراتهم لنشر الثقافة.

فتح الباب أمام أفكار الشباب ومشروعاتهم الثقافية حيث يوجد الكثير من الأفكار المبتكرة ولكن لاتجد من يدعمها وينفذها مما يخمد حماسة الشباب ويعطل آلية التفكير الفعال لديهم، وهو الدور المنوط بمنظمات العمل الخيري بوجه خاص وذلك من منطلق دورها في دعم الشباب فكرياً.

 

وختاماً لايهدد الخمول والإهمال الذي يتصف به الكثير في العالم العربي تجاه القراءة حاضرنا المعاصر فقط، وإنما هو أمر يهدد بحدوث عواقب وخيمة في المستقبل إذا لم يتم استدراك هذا الأمر، حيث ينشأ جيل غير واعي أو مثقف قد ينجرف وراء أي ظاهرة سلبية مما يؤدي إلى ضياع الموروث التاريخي وفقدان الهوية الثقافية، فاهتمام أي أمة بالمعرفة والثقافة ليس فقط لتطلعها إلى التقدم التكنولوجي والحضاري بقدر ماهو حرصاً منها على إعداد جيل واعي يستطيع الحفاظ على إنجازات سابقيه ولا يضيعها.

 

 

ياسمين جمال