رعاية المكفوفين
3 فبراير 2016 - 24 ربيع الثاني 1437 هـ( 6727 زيارة ) .
المصدر :مداد

النظام الإنتخابي غير منصف وينتهك حقوقنا.. هو الأسلوب الذي عبر به روبرت بالتي شاب سويدي كفيف عن استيائه وأقرانه من المكفوفين تجاه النظام الإنتخابي للمرشحين الأفراد حيث يضطر الكفيف إلى طلب المساعدة من مسئولي اللجنة الإنتخابية وبالتالي يتم الكشف عن هوية مرشحه الإنتخابي ، وهو ما اعتبره بالتي انتهاك لحقه الدستوري الذي ينص على ضمان حرية الإنتخاب بسرية دون الإفصاح لأي فرد عن هوية المرشح لذا طالب الحكومة بضرورة تطبيق الإقتراع الإلكتروني وتعميمه على كافة البلاد بما يضمن حقوق المكفوفين وكل ذي إعاقة، وبالرغم من أن النظام السويدي يسمح للمكفوفين بإنتخاب الأحزاب من خلال البريد وبإستمارات معدة بلغة برايل إلا أن ذلك لم يشفع لدى هذا الشاب قصور الدولة البسيط.

ومن خلال هذه النداءات والمطالبات يتضح بشكل أكبر حجم مشكلات المكفوفين ومدى تعثر أوضاعهم في العديد من البلدان العربية ، فالحقوق التي يطالب بها الكفيف في الدول الأجنبية ماهي إلا أحلام تداعب خيال الكفيف العربي فقط ولكنها لم تشغل ذهنه يوما ، فهناك ماهو أهم ليحتل قائمة أولوياته ألا وهي الخدمات الإجتماعية والحقوق الإنسانية الطبيعية والتي استطاع الكفيف في الخارج أن يحصل عليها ويمارسها منذ عشرات السنوات ليتخطاها إلى ماهو أبعد من ذلك في متطلبات حياته ، لذا فإن حال الكفيف العربي مازال محصورا بين المؤتمرات والندوات السنوية التي تحمل بين جلساتها الكثير من المقترحات الكثير والتوصيات وبين غياب آليات التنفيذ المثمرة والنوايا الجادة في تحسين أوضاع المكفوفين والإستعانة بقدراتهم في تنمية المجتمع ، وقد يرجع ذلك لعدة أسباب أهمها نظرة المجتمع العربي للكفيف على أنه مواطن بدرجة أقل من المبصر فلا يتاح له مايتاح لأي فرد وإهمال معايير الكفاءة الحقيقية التي تعتمد على الإبداع والإبتكار والقدرة على الإنتاج الفعال بدافع الإرادة والرغبة في التقدم الحضاري وليس على معيار الإعاقة والصحة فقط.

مفهوم الإعاقة :

الإعاقة بكافة أنواعها وتشمل فقدان نعمة البصر هي من الأمور التي قد تصيب الأطفال أو الكبار نتيجة للعديد من الظروف والعوامل منها الوراثية أو البيئية كالإهمال والحوادث ، والإعاقة بصفة عامة هي حالة تحد من قدرة الفرد على القيام بوظيفة من الوظائف التي تعتبر أساسية في الحياة وهو الوضع الذي يتطلب تعديلا في الأساليب التعليمية والتربوية والحياتية بشكل يتفق مع قدرات هذا الشخص وإمكاناته مهما كانت محدودة ليصبح بالإمكان تنمية قدراته لأقصى حد والإستفادة منها كسائر أفراد المجتمع ، وليس بالضرورة أن يكون كل معاق مبدعا ومتميزا إلا أن الظروف التي عايشها قد تجعل منه في كثير من الأحيان شخصا قويا قادرا على التحدي لتعويض النقص الجسدي أو الحسي كالبصر على شكل مهارات في شتى مجالات الحياة.

الحقوق الدولية للمكفوفين :

مع ازدياد أعداد المكفوفين وضعاف البصر ازدادت الحاجة إلى منظمة عالمية تسن القوانين والأحكام لحفظ حقوق المكفوفين في شتى أنحاء العالم وبالتالي أنشئ الإتحاد العالمي للمكفوفين بهدف تمكين الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر من المشاركة دون تمييز في كافة جوانب الحياة التي يختارونها ولحمايتهم من الإستغلال أو الأذى الذي قد يتعرضون له كونهم فاقدي للبصر وبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن الإتحاد فإنه يمثل حوالي 285 مليون في أنحاء العالم، 39 مليون منهم مصابون بالعمى و 246 مليون يعانون من ضعف البصر ، بيد أن 80 % من  حالات ضعف البصر يمكن تجنبها عن طريق الوقاية والعلاج وأقل من 10% فقط من الأطفال المكفوفين في البلدان النامية يمكنهم الوصول للتعليم لذا تم وضع العديد من القوانين والأعراف الدولية المنظمة لحقوق الكفيف في 190 دولة كان أبرزها :

-         حق الإقتراع السري في كافة أنواع الإقتراع العام وتوفير الأجهزة الضرورية خلال الإنتخابات لتسهيل الإدلاء بأصواتهم.

-         حق الحماية من العنف والقسوة التي قد يتعرض لها الكفيف في وطنه حيث يكون لذوي الإعاقة حساسية خاصة ضد الإساءة والإهانة وحق توفير المستندات القانونية الخاصة بهم في كافة المؤسسات مكتوبة ومجهزة بلغة برايل أو كحد أدنى مسموعة دون تكلفة إضافية تقع عليهم.

-         حق الحماية من الإبتزاز الذي قد يتعرض له نتيجة حالته وتعويضه عن الضرر اللاحق به.

-         حق تجهيز وسائل النقل العام والمباني والشوارع بما يسهل حركتهم بإستقلالية والمؤثرات والأجهزة الصوتية المناسبة لهم في الأماكن العامة .

-         حقهم في تحصيل العلم من خلال معلمين مدربين على التعامل الصحيح مع الكفيف بما يراعي نفسيته كما يحق لهم الحصول على المنح والبعثات الدراسية وتوفير الدعم المالي اللازم لذلك.

-         حق الإستشارة فيما يتعلق بهم من قوانين واستراتيجيات.

-         حق الملكية الخاصة وإدارة أعمالهم والتحكم في مواردهم الخاصة وإجراء الحسابات المصرفية.

-         حق التوظيف في العمل المناسب له ولإمكانياته وتقييمه من خلال لجنة مؤهلة لذلك وحق التدريب المهني وحق إتاحة الفرصة للعمل القضاء وهيئة المستشارين.

-         الحق في ممارسة الأنشطة الرياضية والإستفادة من المكتبات العامة والدعم المالي من الحكومة للحصول على المعدات الخاصة.

تتوالى السنوات التي تحمل في طياتها الكثير من التوصيات الدولية لحفظ حقوق المكفوفين ولكن تظل المشكلات هي ذاتها لا تتغير فتتعالى الأصوات المطالبة بالحقوق وتصل أصدائها أقصى العالم ثم ما تلبث أن تتخافت يائسة من وعود واهية وتهميش لا ينتهي بل يزداد الوضع سوءا بالتقدم التكنولوجي والتطور الإلكتروني الحاصل في البيئة المحيطة بالكفيف مما يزيد من اتساع الهوة بينه وبين المجتمع وتراخي الروابط الإجتماعية.

 

التعاملات البنكية :

تتبع أغلب البنوك في العديد من الدول العربية سياسة التعامل مع الكفيف على أنه شخص فاقد الأهلية وبالتالي يترتب على ذلك الكثير من الشروط والتعقيدات التي تعوق الكفيف وتحد من تعاملاته المصرفية فعلى سبيل المثال يحتاج الكفيف إلى شاهدين ليتمكن من فتح حساب بنكي في السعودية وفي مصر يحتاج إلى ولي أمر أو مرافق ضامن له ، وحتى عند محاولة البعض التوجه واللجوء للبنوك الأجنبية لعلهم يجدون ضالتهم في بنوك تكفل بلدانها حق استقلال الكفيف يتفاجأ هؤلاء بأن هذه البنوك تعمل وفقا للقوانين واللوائح التي يصدرها البنك المركزي للدولة وهو ما ينهي الأمل الأخير لأي كفيف في إدارة أمواله بإستقلالية وسرية.

ولا تنتهي الأزمة عند هذا الحد فبالرغم من التقيد بتلك القوانين والشروط إلا أنه وفي المقابل لا تقدم البنوك أي خدمات ومزايا خاصة للكفيف فيكون التواصل المباشر دائما من خلال المرافق أو ولي الأمر وهو ما يجعله شخص ليس لديه أي أحقية في التصرف والتحكم بأمواله على عكس ماتنص عليه المواثيق والإتفاقات الدولية والتي تطبق بالفعل في الدول الأوروبية ، التي بدورها توفر ماكينات الصراف الآلي الناطقة مع لوحات مفاتيح بلغة برايل وبعدة لغات أساسية ليتمكن الكفيف من إيداع وصرف أمواله بنفسه في سرية تامة وبتقنية تمنع ظهور أي بيانات خاصة على الشاشة حتى لا يستغلها أحد المارة ، كما ترسل الغالبية العظمى من البنوك كشف حساب شهري بلغة برايل لكل عميل كفيف لديها.

 

السفر للخارج :

لاشك أن حرية السفر والتنقل من بلد إلى آخر هو حق لكل فرد دون تمييز تكفله له كافة التشريعات والقوانين الدولية مهما كانت دواعي السفر من سياحة ، دراسة ، أو علاج ويخضع تنفيذ هذه الحقوق للرقابة والإشراف من هيئة النقل الجوي الدولية التي وضعت العديد من البروتوكولات الخاصة لتنظم سفر المعاقين وتضمن لهم حق حرية التنقل والسفر بكرامة ، ولعل أبرز هذه القوانين هي تجهيز وتهيئة المطارات بكل التدابير الفعالة التي تكفل للمعاق والكفيف أكبر قدر من الإستقلالية.

ويكون ذلك من خلال وضع اللافتات واللوحات الإرشادية بلغة برايل وتزويد المصاعد بجهاز ناطق ، كما قامت بعض شركات الطيران والسياحة بإعداد وجبة تسمى وجبة الكفيف والتي تجهز وترتب بأسلوب يسهل على الكفيف تناول طعامه بمفرده دون مساعدة أحد أفراد الطاقم ، هذا بالإضافة إلى وجود مؤسسات وجهات مختصة بتدريب الكفيف على السفر والتحرك بالمطار دون مساعدة.

هذه التجهيزات نجدها في أغلب مطارات الدول المتقدمة والتي غير ملحوظ حتى تواجدها في المطارات العربية ، فالكفيف ومع أولى تجاربه في السفر سيكتشف أنه غير مسموح له بصعود الطائرة والسفر دون مرافق ومن أبرز هذه المطارات لبنان والسعودية ومصر ، مما يشكل عقبة لكل كفيف حيث لايتاح للجميع وجود مرافقين متفرغين وعلى أهبة الاستعداد الدائم ، وهنا يتجلى بوضوح الفرق بين القوانين التي تتعامل مع الكفيف على أنه شخص كامل وتحاول تعويض ماينقصه وبين قوانين أخرى تذكره دوما بعجزه وحاجته للغير.

وفي ظل التطور التكنولوجي الهائل في العالم فقد سعت شركات الطيران إلى تطوير وترقية كافة خدماتها المقدمة للركاب لتوفر كل سبل الرفاهية والراحة ولم يحظى الكفيف من هذه الخدمات سوى بتوفير دليل الإرشادات للمداخل ومخارج الطوارئ على متن الطائرة بلغة برايل وكأن الكفيف لا ينقصه سوى هذا الدليل لتكتمل حقوقه أثناء السفر.

 

الشوارع والأبنية العامة :

الراحة والعزلة والتعامل كحالة خاصة هو آخر ما يتمناه أي كفيف فتقبل المجتمع له كأحد أفراده الفاعلين والقادر على أداء واجباته تجاه مجتمعه ووطنه هو ما يسعى له كل ذو إعاقة بشكل عام والكفيف بشكل خاص حتى يكتمل شعوره بأنه شخص طبيعي قادر على العطاء لا ينتظر المنح فقط أو نظرات العطف والشفقة ، وحتى يتمكن من أداء هذا الدور لابد أن تتوفر له البنى التحتية للشوارع والخدمات الأساسية التي تيسر له حياته لينطلق للأمام دون عقبات أو معوقات تحد من طموحه.

وأولى الخطوات تجاه هذا الطموح تبدأ من لحظة الخروج للعالم وممارسة تفاصيل الحياة اليومية لذلك نجد دول كاليابان والولايات المتحدة أولت اهتماما كبيرا لتلبية احتياجات المكفوفين في كافة مناحي الحياة بما في ذلك الشوارع والمرافق والمراكز التجارية فجعلت من الشارع بكل أخطاره مكان آمن ليتنقل عبره الكفيف بحرية حيث لغة برايل مكتوبة بكل مكان لافتات الإتجاهات ، الأبواب ، القطارات ، قوائم الطعام ، المواد الغذائية والألعاب ، بالإضافة إلى إشارات المرور الصوتية وتحديد جزء من رصيف المشاة بخطوط طولية ليسير عليها الكفيف بعيدا عن مسار السيارات ، كما تحدد مقاعد خاصة في وسائل النقل العامة لا يستخدمها سوى المكفوفين.

وبالمقارنة بشوارع الكثير من الدول العربية نجدها تفتقر إلى أدنى معايير السلامة والأمان بالنسبة للكفيف كما تفتقر إلى أي خدمات خاصة مما يستحيل على الكفيف أن يسير بمفرده ، حتى أن بعض المكفوفين يجدون صعوبة في الذهاب إلى المسجد الذي قد يبتعد عدة أمتار عن المنزل بسبب الأرصفة العالية وخطر عبور الشارع وعدم وجود أي علامات مميزة ليتمكن من تحديد مكانه في حال اختلط عليه الأمر ما يجعل من حركته دائما محدودة ومعتمدة على الغير وبالتالي فإن ظهور المكفوفين بالمجتمع والأماكن العامة ضعيف جدا لأن البيئة لا تدعمهم وتساعدهم على ذلك.

 

التعليم والدمج :

لا يمكن لدولة التقدم ومواكبة الحضارة والتكنولوجيا إلا بسمو مكانة التعليم وارتفاع شأنه في المجتمع فالدولة التي تطور نظامها التعليمي وتحترمه هي التي تتفوق في كافة المجالات فالتعليم هو الحاضنة الأولى للإبداع حيث يضع المخترع والمبتكر في الإطار الصحيح ويقوم من كانت به علة ومن هنا تأتي حاجة كل إنسان للعلم وتزداد هذه الحاجة لدى الكفيف الذي يستقي من العلم مالايراه ليملأ عقله بنور يكسو ظلام عينيه ، لذلك غالبا مايصطدم بوضعه الدراسي وحيرة الإختيار مابين الدمج والعزلة والذي لا تكتمل مزايا إحداهما لتغلب على الأخرى ، فالدمج هو نظام تعليمي اتبعته الكثير من الدول حيث يتلقى الكفيف تعليمه من خلال مدرسة للمبصرين وعلى أيدي معلمين مدربين على التعامل مع الحالات الخاصة من أي إعاقة والهدف من الدمج هو اختلاط الكفيف بالطلاب الأصحاء فلا يشعر أنه معزول ومنبوذ من المجتمع ولذلك نجد هذا النظام التعليمي هو المتبع في أغلب الدول الأوروبية ولكن بشروط ومعايير محددة ففي النرويج يعتبر الدمج هو النظام الأساسي حيث يتعلم الكفيف داخل الفصول العادية وإذا كان العزل شيئا محتما يكون لفترة محددة فقط ، وفي الأرجنتين يتم دعم الكفيف الموجود في المدارس العادية بالمعونات والمساعدة اللازمة من خلال متخصصين يقومون بزيارة المدرسة بشكل منتظم ، أما في بريطانيا يحظر القانون على أي جهة تعليمية التمييز بين أصحاب الإعاقة والطلاب الأصحاء كإهانة طالب أو رفض قيده أو عدم توفير المناهج المناسبة.

ولذلك شرعت الكثير من الدول العربية منذ سنوات تطبيق هذا النظام والذي ما لبث أن بدأ حتى برزت عيوبه موضحة بذلك عيوب البيروقراطية وبطء تنفيذ القرارات فالكثير من المدارس والجامعات ترفض قيد الطالب المعاق بصريا لديها ضاربة بالقوانين المنظمة والعقوبات عرض الحائط ، حيث لا تنفذ العقوبات على أرض الواقع لتكون الرادع لكل مقصر ، أما عند قبول قيد الطالب الكفيف في المدرسة فيواجه ضعف خبرة المعلمين وعدم وعيهم الكافي للتعامل مع حالته وكذلك تعامل الطلبة الذي يبرز بشكل كبير نظرة المجتمع لذوي الإعاقات ، وفي حال توجه الطالب للمدارس المتخصصة والمهيئة للتعامل معه يصبح بمعزل عن المجتمع الطبيعي الخارجي  فيتعامل يوميا مع طلاب من نفس حالته مما يقلل من مهاراته في التواصل الإجتماعي ويزيد من شعوره بالإنفصال عن المجتمع والتمركز حول الذات.

وتعد من أبرز مشكلات الكفيف الدراسية هي الكتب التي لا تتوفر من قبل الوزارة في بعض الدول وإذا توفرت في الدول الأخرى فتصل متأخرة وقد تصل بعد بداية الفصل الدراسي بشهرين أو أكثر فيضطر الطالب إلى الإعتماد على الشرح السمعي في الفصل ، كما ليس بمقدور كافة الأهالي تحمل تكاليف طباعة الكتب بطريقة برايل على نفقتهم الخاصة لإرتفاع تكلفتها ولسوء الحظ لا تضم الدول العربية الكثير من المكتبات الناطقة أو الخاصة بالمكفوفين مما يمكنهم من الإستعانة بها دراسيا.

ولذلك تتفاوت نسب المؤيدين لنظام الدمج والمعارضين له فيما يؤكد المتخصصين أن الدمج لايكون على نمط واحد من حيث التنفيذ بل يجب أن يكون ملائما للظروف الإجتماعية والثقافية للمجتمع وبالتالي تستطيع كل دولة تطبيق هذا النظام بشروط ومعايير مختلفة حسب الإمكانيات والظروف المتوفرة فهو ليس بالشئ الذي يطبق حرفيا وبنفس المقاييس في كل مكان.

التوظيف :

مازال الإخفاق يواجه المكفوفين أمام رغبتهم في الإلتحاق بمختلف الوظائف بعد إنهاء دراستهم وتدريباتهم المهنية اللازمة حيث مازال أرباب العمل ينظرون للكفيف على أنه عاجز وغير قادر على الإنتاج كالشخص المبصر وليس إلا عبء ثقيل على استراتيجية سير العمل لذلك يتم حصر وظائف الشخص الكفيف بين التدريس والسنترال أو بعض الأعمال من خلال المنزل ، وحتى يتهرب أصحاب الشركات من العقوبات التي قد تطالهم لرفض تشغيل المكفوفين يلجأ الكثيرين إلى التعيين الوهمي حيث يقيد في المستندات الرسمية للشركة ويتقاضى راتبه دون القيام بعمل يذكر وهو ما يجده الكفيف إساءة تعززمن أفكار المجتمع عن المكفوفين كونهم بحاجة للشفقة والعطف وغير قادرين على الإسهام في تنمية مجتمعهم بأساليب حقيقية و فعالة.

ولعل أبرز مثال معاصر على عكس ذلك هي لولوة العبدالله وهي أول مذيعة  كفيفة في الإذاعة السعودية والتي لم يكن مشوارها بالسهل حيث مرت بالكثير من العقبات ومراحل الفشل والإحباط ولكنها استطاعت تخطيها بالإرادة والإصرار على تحقيق حلمها وبعض من الحظ الذي حالفها عندما استمع إليها أحد المسئولين وقام بدعمها ، ولكن مازال الآف المكفوفين لم يحالفهم الحظ بالرغم من وجود الخبرة والإمكانية التي تؤهلهم لخوض عدة مجالات كالمحاماة والإستشارات القانونية والإذاعة والتلفزيون والصحافة والترجمة الفورية وبعض الأعمال في المصانع ، وهذه المجالات ليست مجرد اقتراحات قابلة للنجاح أو الفشل وإنما هي مجالات استطاع المكفوفين اقتحامها والنجاح فيها في عدة دول كألمانيا و كوريا الجنوبية حيث توظف ألمانيا مكفوفيها في مصانع قطع غيار السيارات منذ عام 1986 بنجاح فائق لم يخل بنظام العمل أو يقلل من كفاءة الإنتاج على مدار 30 عاما.

 

اختراعات للمكفوفين :

وهي اختراعات لأفراد من المجتمع استشعروا مسئوليتهم تجاه المكفوفين وأخذوا على عاتقهم تسهيل حياتهم بكل السبل والإمكانات المتاحة.

-         مشعل هرساني مخترع سعودي قدم العديد من الإختراعات لمساعدة ذوي الإحتياجات الخاصة وكان أبرزها للمكفوفين، منها شطرنج وعملات نقدية وهاتف جوال تعمل جميعها بتقنية صوتية ورمزية تخدم المكفوفين.

-         خالد عطيف 20 عام مخترع سعودي قام بإختراع جهاز يساعد الكفيف على السير في الشارع دون مرافق وهو عبارة عن سترة مزودة بجهاز استشعار وسماعات رأسية ليعطي الكفيف تنبيهات عند الإقتراب من أي جسم لتجنب العوائق وقد حصل على المركز الأول في عدة مسابقات محلية.

-         جهاد أبوشقرة ، إيمان الشياح خريجتان من غزة قامتا بإختراع نظارة ذكية لقراءة كل مايحتاجه الكفيف من لوحات وكتب مما يعزز استقلاليته ويساعده على الإعتماد على نفسه ويتميز بتكلفته البسيطة التي لا تثقل كاهل الكفيف.

-         مدحت جرجس مخترعا مصريا قام بإختراع عصا خاصة تحذر الكفيف عند التعرض لأي مناطق مائية وذلك من خلال موجات خاصة تصدر منها ويستطيع تمييزها.

-         حسن شكرون هو كفيف لبناني مستقل ساهم مع إحدى الشركات الأجنبية المصنعة للأجهزة الكهربائية على تطوير إحدى أجهزة التلفزيون لديها بعدما اكتشف خاصية نطق أسماء البرامج والمحطات فيه ليضيف له إمكانية قراءة ترجمة الأفلام وهو تعمل الشركة على تنفيذه لطرحه في الشرق الأوسط خلال هذا العام.

هذه الإختراعات ماهي إلا النزر اليسير الذي خرج للنور واحتلت أصداءه صفحات المجلات والمواقع العلمية ومع أن العالم العربي ملئ بأمثال هؤلاء المخترعين وجهودهم الإنسانية إلا أن جميعها يتوقف عند عتبات الشركات الممولة التي تشترط النفع والربح المادي أولا ورغم التحديات والصعوبات إلا أنهم رفضوا العديد من عروض الدعم والتمويل الأجنبية حرصا منهم على أن تحمل هذه الإبتكارات أسماء بلادهم وأن تتوفر لمن يحتاجها بأسعار بسيطة في متناول الجميع ، في الوقت الذي نجد فيه الأجهزة والإختراعات الأجنبية غالبا ماتباع بأسعار باهظة يصعب على الكفيف في الدول العربية ابتياعها ، والسؤال هنا إذا كانت الدولة لا توفر الأجهزة المساعدة ولا تدعم الإختراعات المحلية إذن كيف سيتغير واقع الكفيف العربي وتتطور نوعية الخدمات المقدمة له ؟

وختاما فإن الكفيف هو عضو فعال في المجتمع إذا تم إفساح المجال له وإيجاد الفرص الملائمة ويتم ذلك من خلال تنسيق الجهود بين المؤسسات الحكومية والإجتماعية المعنية وتطوير الخطط والإستراتيجيات بما يلائم التقدم التكنولوجي المعاصر وتهيئة الظروف والبيئة المحيطة بالكفيف من تعليم وتربية وتدريب وتوظيف ورعاية اجتماعية وصحية ، والعمل على دمجه في المجتمع ليمارس حياته وحقوقه الطبيعية وذلك إيمانا واحتراما لحقه في التفكير والعمل والعيش في ظل ظروف مواتية تنمي من شخصيته وتعوض ما ينقصه وكذلك لتعزيز القناعة لدى المجتمع بقدرات الكفيف.

 

كتابة : ياسمين جمال