تبرعات الغربيين الكبار حقيقة أم وهم؟
24 يناير 2016 - 14 ربيع الثاني 1437 هـ( 7854 زيارة ) .

في العام 1990، أجرى التليفزيون البريطاني لقاء مطولًا مع الملياردير الأمريكي الشاب آنذاك بيل جيتس المالك الرئيس لشركة ميكروسوفت، والذي كانت تقدر ثروته وقتها بحوالي 4 مليار دولار، وكان مبلغ الأربعة مليارت دولار رقمًا ضخمًا جعل ذلك الشاب يعتلي منصة تصنيف الأثرياء حول العالم ومنصة الاهتمام والأحاديث أيضًا. وفي ذاك اللقاء، تطرق مذيع التلفزيون البريطاني لموضوعات كثيرة أجاب عنها جيتس بكل حماس، واختلف الحديث تمامًا عندما اتجه الحوار نحو ملياراته الأربعة. فبعد مقدمة ليست طويلة، سأله المذيع عن مشاعره وهو الشاب الصغير الذي يمتلك مثل هذه المليارات، وكانت إجابته مفاجئة للكثيرين حيث قال جيتس إن هذه المليارات ماهي إلا مجرد أرقام تتغير في حسابه البنكي كما أنه لا يلمسها ولا يشعر بها.

وقبل وقت ليس طويل أثبت جيتس صدق مقولته السابقة وأثبت أيضاً أن أثرى الأثرياء ربما لا يحتاج من أمواله الطائلة أكثر مما يحتاجه الشخص العادي ليضمن قوت يومه وملبسه ومسكنه وكلها من الأمور البسيطة عند ثري يمتلك مثل هذه المليارات ، فتبرع جيتس وزوجته بمبلغ  30.2 مليار دولار من ثروتهما لصالح الأعمال الخيرية والإنسانية حول العالم، فكان جيتس بذلك ملهماً للكثيرين من أثرياء العالم مثل تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل، الذي تنازل هو الآخر عن ثروته للأعمال الإنسانية واكتفى فقط بتكفلة الدراسة الجامعية لابن أخيه ذي العشرة أعوام ،ولحقهم مؤخراً الشاب الأمريكي الشهير مارك زوكربرج مؤسس فيس بوك والذي أعلن أنه تبرع بـ 99% من ثروته، وهو ما يفتح الباب للبحث خلف الأبعاد النفسية لمثل هذه التبرعات وحتى يأتينا الجواب اليقين لا سيما مع ندرة أو عدم وجود دراسات اهتمت بدراسة الدوافع النفسية والسلوكية التي تدفع كبار رجال الأعمال نحو التبرع بكل أو بأغلب أموالهم.

في عام 2011، أجريت إحدى الدراسات الاستقصائية [1] التي اهتمت بدراسة سلوكيات المتبرعين وتحديد الأسباب والدوافع النفسية التي تدفعهم نحو القيام بعملية التبرع، وكانت أسئلتها الرئيسية وإجاباتها على النحو التالي:

-        هل يدفعك تعاطفك مع المحتاج للتبرع له...؟؟ وكانت نتيجة الإجابة على السؤال إيجابية بنسبة 90%.

-        هل ترى أن الرغبة في مساعدة الآخرين من سماتك الشخصية وأنها هي ما يدفعك للتبرع...؟؟ وكانت نتيجة الإجابة على السؤال بنسبة 86%.

-        هل ترى أن لديك رغبة في تقديم مساهمة فعالة للمجتمع هي التي دفعتك للتبرع...؟؟ وكانت نتيجة الإجابة على السؤال إيجابية بنسبة 80%.

-        هل كان هناك تأثير من قبل موظفي المؤسسات الخيري عليك بشكل شخصي لدفعك نحو التبرع ...؟؟ وكانت نتيجة الإجابة على السؤال إيجابية بنسبة (62٪).

-        هل هناك امتيازات حكومية كتخفيض حجم الضرائب المفروضة هي التي دفعتك نحو التبرع ...؟؟وكانت نتيجة الإجابة على السؤال إيجابية بنسبة (23٪).

وأشارت هذه الدراسة إلى أن هناك العديد من الأساليب الفعالة والمتطورة لديها القدرة على تعزيز زيادة التبرعات وأن أهم هذه الأساليب هي تحقيق الاستفادة المباشرة للمتبرع من خلال تخفيض الضرائب على الأموال والدخل، ولذلك ليس من المستغرب أن نجد البعض يشكك في مصداقية هذه التبرعات المليارية التي تستطيع إذا تم توظيفيها بالشكل الذي سمعنا عنه أن تجتث أغلب معاناة البشر في كل أقطار الأرض وممن قاد حملة كبيرة ضد هذه التبرعات الملياردير الألماني الشهير بيتر كرامر من خلال حوار صحفي أعيد نشره في جريدة واشنطن بوست الأمريكية [2] بتاريخ 2/12/2015م  حيث كان كرامر واضحاً وقال إن السلطات الغربية بما فيها سلطات الولايات المتحدة تشجع كبار رجال الأعمال الرأسماليين على التهرب من الضرائب وتوجيه أموالهم برغباتهم الشخصية ووفق نزواتهم وتصوارتهم إلى أماكن قد لا يستفيد منها الفقراء أنفسهم ،  فمثل هذه التبرعات قدتؤدي إلى توزيع سيء للأموال على أعمال خيرية غير حقيقية ولا تمثل أولوية للمجتمعات ولا تحقق فائدة على النحو المأمول، إذ أن هذه السلطات تمنح هؤلاء المتبرعين الحق في توجيهأموالهم وإداراتها وإستثمارها وفي نفس الوقت حرمان المجتمع منها وممارسة هؤلاء المتبرعين دور الراعاة الموجهين ، حيث أن المؤسسات الخيرية التي يتم إنشاءها وإدارتها من قبل هؤلاء المتبرعين الكبار تتخذ صفة الشركات ذات المسئولية المحدودة بحكم القوانين وبالتالي يحق لها مع ذلك القيام بأنشطة استثمارية مدرة للربح تحت عين وتوجيه وإدارة هؤلاء المتبرعين ، وهو ما كشفت عنه العديد من التقارير الصحفية الفاضحة لا سيما مع إعلان ماركزوكربرج مؤسس موقع فيس بوك بتبرعه بـ 99% من أمواله والتي تجاوزت مبلغ 44 مليار دولار قبل قرابة شهرين بعد استقباله أول مولدة له،  وهو ما فتح هذا الموضوع من جديد للبحث وراءه لا سيما أن المبالغ التي نسمع عنها تتجاوز إقتصاديات العديد من الدول مجتمعة ولكننا على ما يبدو سنظل نسمع الجعجعة ولا نرى ذلك الطحين الذي يشبع الفقراء .

والله من وراء القصد ،،



 (1- http://www.redbirdonline.com/blog/understanding-donor-psychology-motivations-and-barriers-charitable-giving)Understanding donor psychology: motivations and barriers to charitable giving

2- Jeff Guo,2015"Why a German billionaire says that pledges like Mark Zuckerberg’s are really bad " https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2015/12/02/why-some-people-feel-billionaire-pledges-like-mark-zuckerbergs-are-really-bad/