احترافية المسوِّق الإنساني
20 يناير 2016 - 10 ربيع الثاني 1437 هـ( 8965 زيارة ) .

أصبح العمل الإنساني عملاً احترافياً، يخضع لقوانين الاحترافوالتميز وقبل كل ذلك الأمانة التي يتحلى بها هذا العمل من الجانبين، فالأمانة على أموال المتبرعين وتوعيتهم باحتياجات المستفيدين والأمانة في تقديم أفضل خدمة لهم، فهم الأصحاب الفعليون للمؤسسة الإنسانية والتي من أجلهم تأسست.

وبسبب الاحتراف الذي أصبح سمة العصر الذي نعيش فيه فإننا نعرض في هذا المقال صفات المسوق الإنساني المحترف، باعتبار الاحتراف مطلوبا في كل المهن بما في ذلك المسوق الإنساني الذي يقوم بتسويق المشروعات الإنسانية للمتبرعين سواء من أفراد أو مؤسسات مانحة.

وهنا نسرد الخصائص التي يجب أن يتحلى بها المسوق الإنساني المحترف:

1-جامع ومحلل ومُخزِن للمعلومات.

ونقصد هنا البحث عن المعلومات وتحليلها والاستفادة منها، ومثل هذه المعلومات:

1-الوضع الإنساني الميداني في المنطقة الجغرافية التي يسوق لها.

2-ما هي طبيعية الأزمة هناك هل هي صراع مسلح أم كارثة طبيعية.

3-معرفة التاريخ الإنساني في هذه المنطقة (هل هي كارثة طبيعية تحدث كل فترة؟ هل هو صراع مسلح مستمر؟ هل هو نزوح دائم للبحث عن الماء والطعام؟)

4-ما دور المؤسسات الدولية هناك وما هي أهم برامجها؟

5-الاطلاع على كافة التقارير سواء من مؤسسات دولية أو مؤسسات محلية.

6-لوكان هناك توثيق للعمل الإنساني عن هذه المنطقة يجب الحصول عليه ودراسته جيداً.

7-هل هذه المنطقة ككل تعاني من نفس المشكلة أم لكل بلد مشكلة خاصة تعاني منها؟

8-بعد إعداد الإجابة عن هذه الأسئلة فإن هذا يساعدك على:

أ-فهمك للوضع الإنساني المراد التسويق له.

ب-التكامل في البرامج التي ستقدمها مع برامج باقي المؤسسات الدولية أو المحلية.

ج-تناغم البرامج مع الاحتياج الفعلي على الأرض.

د-توافق البرنامج مع ثقافة المستفيدين.

ه- من هم الجهات المانحة لهذه المنطقة الجغرافية أو لهذا البرنامج وهل لها مكاتب ميدانية أو تنفذ عن طريق شركاء محليين؟

و- كيفية عرض هذا الاحتياج على المتبرعين؟

ي- ما هي أفضل الطرق في جمع التبرعات هل من خلال حملة للأفراد أم مخاطبة مؤسسات دولية؟

وبعد كل هذا ستعمل على بلورة برنامجك ليكون فريدا و نوعيا عن باقي المؤسسات في خدمة المستفيدين وكيفية تكوين الشراكات مع باقي المؤسسات.

 

 2- صانع للشراكات.

1- لا تجعل همك هو جمع التبرعات بل يجب عليك التفكير في كيفية إفادة ومساعدة الفقير، هذا سيدفعك للتعاون مع الجميع وإقامة علاقة طويلة الأمد في مجال العمل وخدمة المستفيدين والشراكة وبحث سُبل التعاون. هنا يُولَد العمل والعمل يولِد الثقة والثقة تُولد الاعتمادية بين الطرفين.

2 –أعط لكل مؤسسة قدرها، ولا تجرح في أي مؤسسة، أتذكر عندما كنت أقوم بجمع التبرعات في دولة الكويت جلست مع متبرع واشتكي لي من أخطاء مؤسسة يتبرع لها في أكبر أزمة إنسانية يعيشها العالم المعاصر الآن وطلب أن يتبرع لهذه الأزمة عن طريق المؤسسة التي أعمل فيها ، فوضحت له أن الأزمة كبيرة وأن أي مؤسسة مهما كان حجمها فهي معرضة لأي أخطاء، فشكرني على احترامي للمؤسسة المنافسة ( حسب قوله ) وهنا أوقفته مسرعًا وذكرت له أن المؤسسات الإنسانية تتكامل في جمع التبرعات وتتنافس في تقديم أفضل خدمة للمستفيدين، وطلبت منه أن يدعم هذه المؤسسة ويقدم لها النصيحة بدلاً من البحث عن مؤسسة أخرى، وبعد ذلك أصبح من أكبر المتبرعين لنا في معظم مناطق عملنا بخلاف هذه المنطقة التي تشهد تلك الأزمة، ولذلك عندما تأتي لمتبرع انظر له كعلاقة مستمرة طويلة الأمد ليس تبرعًا عابرًا و كن صادقًا مع نفسك نحن لا نتنافس على جلب التبرعات و لكن نتنافس في خدمة الفقير .

3- القوي لا تدوم قوته والضعيف لا يعيش أبد الدهر ضعيفاً؛ ولذلك كن صادقًا في صناعتك للشراكات، عندما تحصل على أي دعم من الجهات المانحة قم بطلب 70% فقط من الدعم واعرض على المؤسسة المانحة توجيه الـ 30% الأخرى لمؤسسة أخرى يختارها هو للتنفيذ معك حتى يكون هناك منافسة، ولا تقم بهذه الخطوة إلا عندما تتوافر لديك القوة في الحصول على الـ 100% من الدعم حتى لا يشك المانح في مقدرتك على التنفيذ، ـوبهذه الطريقة نضمن بناء مؤسسات إنسانية قوية متشابكة متراصة كالبنيان المرصوص تواجهه الأزمات و الكوارث .

4- ارسم شراكات مع المتطوعين والإعلاميين، المتطوع يجب أن يستفيد بوجوده معك بل يجب أن يفتخر أنه متطوع في هذه المؤسسة دون غيرها. اعمل على تطوير مهارتهم حتى يكونوا رافدًا لك في تعيين الموظفين، والإعلامي يجب أن تقدم له كل فريد ومعلومات محدثة (لأن جوهر عمله المعلومات الفريدة المحدثة)، فيجب أن تشعرهم بقيمة وجودهم معك، خصص لهم غرف خاصة عندما يأتوا إلى المؤسسة أقم لهم جلسات العصف الذهني، أوجد لهم أعمالًا، رتب لهم زيارات للأماكن التي تحتاج إلى دعم ووفر لهم إقامة مؤقتة فيها، حتى يخرجوا هم بمشروع للمحتاجين في هذا المكان وأشعرهم بالإنجاز، فالمتطوع والإعلامي هما ذراعين مهمين لجمع التبرعات.

 

3-صمم شخصيتك

1 -الصدق والاحترام واللباقة واختيار أطيب الألفاظ والبشاشة تجعل منك صعب النسيان وهذه خطوة مهمة للمسوق الإنساني ولا تدخل في جدل أبدًا وابتعد عن السياسة تمامًا.

2-أنت مسوق إنساني مهمتك هي عرض احتياجات الفقراء لجمع الأموال لهم؛ ولذلك أنصحك بأن تكون ذمتك المالية واضحة تمامًا بل يُفضل عدم التعامل بأي أعمال تجارية حتى لا تقع في الشبهات، فلقد اخترت وظيفة صعبة ولكل وظيفة محاذير مثل السياسي المخضرم أو الصحفي الجريء أو القاضي النزيه، جميعهم لا يقوموا بأي أعمال تجارية حتى لا يقعوا في الشبهات وهذه درجة من درجات الورع التي يجب أن تتحلي بها.

3-كن على تواصل دائم بكل ما هو جديد في مجال جمع التبرعات وكون شبكة من أصدقاءك العاملين في نفس المجال تبادلوا الخبرات والقصص مع المتبرعين، كن على تواصل دائم بكل أخبار الطوارئ وتابع الأخبار من أكثر من مصدر.

4 -كن مسوقًا إنسانيًا رقميًا لا تقدم أي مشروع ولا تتحدث مع شخص إلا بلغة الأرقام مثل عدد اللاجئين السوريين بلبنان حسب إحصائيات الأمم المتحددة بتاريخ 10/2015

كوِّن أيضًا شبكة من أصدقائك في أماكن الكوارث وكن على تواصل دائم معهم واستوثق من أي خبر قبل أن تنقله للناس.

5-في الكوارث يجب أن تكون أول من يقدم المشروعات الإغاثية العاجلة ويقدم معلومات دقيقة عن حجم الكارثة يجب أن تكون أنت عين المتبرعين في منطقة الكارثة، أرسل لهم صور وأرقام صحيحة عن حجم الكارثة، يجب أن تكون على تواصل قوي مع زملائك في المنطقة التي بها الكارثة. أذكر في حرب غزة 2014 كان هناك اجتماع لبعض المؤسسات المانحة في الكويت وأثناء الاجتماع معهم رتبت اتصالا مع مدير مكتب مؤسسة دولية في غزة وقام بشرح الوضع، مما كان له أكبر الأثر في تفاعل هذه المؤسسات.

4 -صاحب رؤية

1 - (كل الناس متبرعون، فقط ينتظرون الفرصة) هذه القاعدة قمت بوضعها أمامي عند أول عملي في مجال جمع التبرعات، و إليك دليلي على قوة هذه القاعدة ، في 2011 أثناء مجاعة الصومال قام بعض الشباب في قطاع غزة المحاصر، بحملة لجمع التبرعات لإغاثة الصومال وفي ليلة 27 رمضان في أحد مساجد غزة وفي ليلة واحدة في مسجد واحد قام الشباب بجمع 200 ألف دولار لحفر بئر في الصومال ،ألم أقل لك إن الناس فقط ينتظرون الفرصة للتبرع، يجب أن تنظر لكل فرد على أنه متبرع محتمل إما متبرع بالمال أو الجهد، تعامل مع الكل بجدية لأنهم متبرعون ينتظرون الفرصة للتبرع.

2-كن مستشارًا للمؤسسات قم بإرسال آخر الأخبار من على أرض الواقع وآراء الخبراء الدوليين في الأزمات الدولية وأرسل لهم مواعيد الدورات التدريبية التي تساعدهم على تطوير أعمالهم وأرسل لهم قصص نجاح من الميدان، وتأكد إذا كنت مستشار لهم فأنت اجتزت خطوة الثقة وستكون دائمًا حاضر في أذهانهم ويرغبوا بمساعدة الفقراء عن طريقك بسبب قوة المعلومات التي تقدمها لهم.

3-دورك هو حمل أمانة احتياجات الفقراء، ونشرها في كل مكان وليس دورك هو جمع التبرعات فقط وإلا ما الفرق بينك وبين صندوق جمع التبرعات في المساجد أو المولات، دورك نشر احتياجات الفقراء في المناطق المنسية والاحتياجات الغير معلنة في المناطق المعروفة ويجب أن تعي أن بناء المصانع يعادل بناء المساجد وأن كفالة المعلمين لا يقل أهمية عن كفالة الأيتام.

5-اجتهد واصبر

1 -قم بوضع مزيج تسويقي إنساني للمشروع بحيث يتوافر في المشروع احتياج اجتماعي وضرورة إنسانية للمشروع ويكون به أثر قوي ويحدث فرق ايجابي بعد تنفيذه واسأل نفسك لماذا يختار المتبرع هذه المؤسسة دون غيرها وما هو الجديد في هذا المشروع ولماذا يتبرع لهذا المشروع دون غيره، فمع اتساع دائرة الاحتياج في العالم لم يعد جمع التبرعات عملية عاطفية كاملة بل هي عملية عقلية مدخلها عاطفي.

2-من رأى ليس كمن سمع، يجب أن تجتهد في السفر إلى مناطق الكوارث والصراعات -مع الأخذ بشروط الأمن والسلامة -وتعايش المحتاجين بل لو تمكنت أن يكون لك شهر في السنة تحدد بلدين تستقر فيهما وتطلع على أحوال المحتاجين هناك فهذا سيكون له بالغ الأثر في تسويقك للمشروعات الإنسانية.

3 -اسعَ أن تكون مؤسستك مؤسسة شفافة وواضحة في مسائل النسبة الإدارية وقيمة المشروعات الفعلية وتكلفة تنفيذ المشروعات، فالمؤسسات التجارية تنشر ميزانيتها في الصحف العامة فمن باب أولى أن المؤسسة التي أسسها المجتمع تكون هي الأقرب إليه من خلال الإفصاح.

3-يجب أن تتحلى بالرحمة واللين والعطف والود فأنت لست مسوقًا فقط بل أنت مسوق إنساني محترف، أساس عملك الفؤاد النقي وذراعي عملك الشعور الصادق والحماس المستمر وصدرك يتسع لهموم المحتاجين، فأنت لست مسوقًا عاديًا أنت مسوق إنساني محترف يبني المجتمعات ويأهل الناس للعيش في أمان غذائي واجتماعي وتعليمي وبيئي.

في النهاية تذكر الآيات القرآنية الكثيرة والأحاديث الشريفة التي توضح عظيم أجر المسوق الإنساني وتذكر ان إراقة ماء الوجه في سبيل الله لهؤلاء المحتاجين له شرف عظيم في الدنيا والأخرة وتذكر قوله تعالي (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) فدورنا هو بذر البذور ورعايتها و سقيها وتنفيذ المشروع وتحقيقه هو فضل من الله، أتذكر عندما كنت في الكويت وحدث نزوح جماعي من العراقيين إلى مخيم الخازر ودرجة الحرارة تصل إلى خمسين، سألت زملائي هل يمكن أن نسوق مشروعًا إغاثيًا للعراق في الكويت فكان الرد لا يمكن بسبب الظروف السياسية بين البلدين في الماضي وبعد نقاش اتفقنا أن نعمل ما تمليه علينا ضمائرنا حتى نقول (معذرة إلى ربنا) وكانت المفاجئة فبعد التسويق والذهاب والإقناع والتوضيح حصلنا على ثلاث تبرعات الأول من مؤسسة حكومية والثاني مؤسسة خيرية والثالث من فريق تطوعي.

في النهاية أذكرك

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)

 

اقترن فعل الخير بعبادة الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك يجب أن تكون مشبعًا بروح العبادة وروح مساعدة الناس، قبل أن تنام استشعر الأرامل والمساكين استشعر أن أبناءك بدون تعليم استشعر أن أمك لا تعرف النوم بسبب البرد القارص، تشبع بقوة العمل لمساعدة الناس، ضع صورة أثرت فيك في إحدى زياراتك الميدانية على مكتبك وانظر إليها كلما تعبت، تذكر أن آلاف الأيتام ينتظرون سعيك عليهم وملايين المحتاجين يدعون الله أن يرزقهم وبعد كل هذا اجتباك الله أن تقوم بهذا العمل، طبيعي أن يقابلك مشاكل في العمل وطبيعي أن يحدث لك فتور ولكن من غير الطبيعي أن تتأثر بهذه المشاكل.

أنت لست مسوقًا عاديًا. أنت مسوق إنساني محترف.

 

الكاتب : عمر جمال