التبرع بالخلايا الجذعية ودور مؤسسات العمل الخيري
31 ديسمبر 1969 - 22 شوال 1389 هـ( 11042 زيارة ) .

شهد العالم في ستينات القرن الماضي تطورات واكتشافات هائلة أثرت في مصير ملايين البشر وغيرت شكل العالم منذ ذلك الحين، ولعل أبرزها في مجال العلم والطب:هو التوصل إلى إمكانية زراعة النخاع العظمي أو الخلايا الجذعية،والذي اعتبر في ذلك الوقت اكتشافًا غير موثوق العواقب والنجاح، ليصبح اليوم من أهم ما اكتشفه الإنسان في هذا المجال حتى اعتبره البعض ثاني أهم اكتشاف في العالم بعد التطعيمات، حيث أصبحت عمليات زراعة الخلايا الجذعية هي العلاج الرئيسي والوحيد لأكثر من 80 مرضًا أغلبها من الأمراض المزمنة التي لم يكن علاجها في السابق ويعتبر المصاب بها في عداد الموتى.

 

وزراعة الخلايا الجذعية: هي عملية تتم فيها نقل خلايا جديدة سليمة لجسم المريض ويتم الحصول على الخلايا للزراعة من خلال ثلاث طرق:

 الأولى: هي جمع خلايا جذعية سليمة من المريض نفسه أثناء تضاؤل المرض وانحساره في جسمه لتتم زراعتها له فيما بعد.

 والثانية: هي نقل الخلايا من متبرع تتجانس خلاياه مع المريض سواءً كان هذا المتبرع من ذويه وأقربائه أو متبرعًا غريبًا.

 أما الثالثة والأخيرة: هي من خلال استخلاص الخلايا الجذعية من دم الحبل السري والمشيمة بعد الولادة، والذي عادة ما يتم التخلص منه في البلدان التي لا يوجد بها بنك مُجهز لحفظه حيث يمكن الحفاظ عليه والاستفادة منه حتى 20 عامًا.

 

لذا ومنذ اكتشاف أهمية الخلايا الجذعية وإمكانية زراعتها ونقلها من شخص لآخر، أخذت الكثير من الدول في مقدمتهم بريطانيا تنشئ سجلات عالمية تضم بيانات لأشخاص مستعدين للتبرع بالخلايا الجذعية في حالة تطابق نوع خلاياهم مع المريض. ونظرًا لانتشار الأمراض وزيادة عدد المرضى على مر السنوات؛ بسبب التلوث البيئي والتغير الذي يطرأ على محيط الإنسان، توالى إنشاء سجلات المتبرعين العالمية حتى وصل اليوم إلى 64 سجلًا في 44 دولة، إلى جانب مراكز لإجراء عمليات الزراعة والتي بلغت 1327 مركزًا في 71 دولة. ويُعد السجل العالمي لمتبرعي نخاع العظم، ومقره الولايات المتحدة، أهمهم على الإطلاق؛ حيث يضم 25 مليون متبرع من كل الفئات والجنسيات، ويتم اعتباره المركز الرئيسي الذي تُرفع التقارير إليه من أغلب المراكز والسجلات الدولية الأخرى.

 

 ويعتبر نصيب الدول العربية من هذه الأعداد الأقل؛ فأنشأت دولة الإمارات العربية مركزًا واحدًا، والمملكة العربية السعودية أنشأت مركزًا آخر، والسجل العربي الوحيد الذي تم إنشاؤه عام 2011م هو السجل السعودي للمتبرعين بالخلايا الجذعية ويضم 10,000 متبرع. هذا باستثناء السجل المُسمى بالسجل العربي في القدس؛ باعتباره متفرعًا من السجل اليهودي وتابعًا للجامعة العبرية ومستشفى هداسا الإسرائيلي.

ولكن هل يستطيع سجل عربي واحد أن يسُد حاجة جميع المرضى في المملكة والمنطقة العربية وخاصة في ظل غياب ثقافة التبرع وعدم الوعي بأهميته مما انعكس على عدد المتبرعين؟

 

فبحسب ما صرح به الدكتور أحمد العسكر، المدير التنفيذي لمركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية، أن  من 10,000 متبرع حتى الآن تم إجراء 4 عمليات فقط، والتي توافقت فيها خلايا المريض والمتبرع بصورة تسمح بإجراء عملية الزراعة.

 

وتشير الإحصاءات  الصادرة عن السجل السعودي لعام 2015م:  أن 1600 شخص يصابون سنويًا بسرطان الدم بأنواعه في المملكة، وأن من بين الآف المرضى الذين تستدعي حالاتهم الزراعة فإن 25% منهم فقط من يجد متبرعًا مطابقًا له من عائلته، بينما تظل النسبة الأكبر منهم والتي تشكل 75% تبحث عن متبرع غريب في كافة السجلات العالمية؛ لإنقاذ حياتهم من شبح الموت الذي يحاصرهم، فيحالف الحظ 10% فقط ويبقى للآخريين التمسك بالأمل وصراعهم اليومي للبقاء.

ويرجع سبب الندرة كون الغالبية العظمى من المتبرعين في السجلات العالمية من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يحول بين إيجاد المريض للمتبرع ويُضعف الأمل لديه؛ نظرًا لاختلاف الجينات الوراثية بين أبناء القوميات والأعراق المختلفة.

 

لا يزيد عدم الوعي بأهمية التبرع بالخلايا الجذعية العبء على المريض فقط وإنما أيضًا يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق اقتصاد الدولة؛ حيث لا تستطيع كل الدول العربية تحمل تكاليف استيراد العينات التي بلغت 25 ألف دولار للعينة الواحدة، في الوقت الذي يحتاج فيه البالغ إلى عينتين أو تحمّل تكاليف إرسال المريض للزراعة في الخارج، والتي تكلف كحد أدنى 800 ألف ريال سعودي، لذا نجد الآف المرضى يقضون نحبهم إما في انتظار المتبرع أو لعدم القدرة على تحمل تكاليف العلاج في الخارج.

 

ولعل من أبرز أسباب غياب ثقافة التبرع وعدم الوعي المجتمعي بالخلايا الجذعية: هو الغياب الواضح لدور مؤسسات العمل الخيري، المهتمة بالمجال الطبي والصحي، المساند لدور مؤسسات الدولة بالرغم من كونها من أهم القطاعات في المملكة ولها تأثير على توجهات المجتمع، وبالتالي لا يمكن إغفال أهمية الدور الاجتماعي لهذه المؤسسات وتأثير غياب هذا الدور بالسلب على المجتمع.

 

ولتفعيل دور منظمات العمل الخيري وإبراز إمكانية إسهامها بشكل فعال ومؤثر في نشر ثقافة التبرع بالخلايا الجذعية هناك العديد من العوامل التي يجب أن تراعيها هذه المؤسسات وتضعها في الاعتبار، وهي :

-       أهمية الدور الذي تقوم به مؤسسات العمل الخيري المهتمة بالمجالين الصحي والطبي، ومدى تأثيره على صحة المجتمع وأبنائه في المستقبل.

-       أن ماتقدمه هذه المؤسسات يصب في تنمية المجتمع ودعم الاقتصاد المحلي.

-       نشر الوعي بأهمية التبرع : هو مهمة ومسئولية منظمات العمل الخيري كما هي مسئولية الدولة، بل تعتبر مسئولية المنظمات أكبر باعتبارها متغلغلة داخل المجتمع وفئاته واستطاعت أن تحوذ ثقة الملايين من المتبرعين والمستفيدين.

-       أن التبرع بالخلايا الجذعية لا يقل أهمية عن بناء المساجد وتوزيع المعونات والمساعدات لما فيه من تخفيف الآم ومعاناة المرضى وإنقاذ حياتهم من الموت المحيط بهم.

-       أن تعي المؤسسات الخيرية مدى افتقارها للتعاون فيما بينها مما يؤدي إلى تشتيت الجهود وعدم الوصول إلى النتائج المرجوة أو الاستفادة المتبادلة للخبرات.

 

وللتغلب على مشكلة عدم الوعي بالتبرع نضع عددًا من المقترحات التي يمكن لمؤسسات وجمعيات العمل الخيري من خلالها تطوير أدائها في هذا الإطار، وأبرزها:

-       وضع الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد لنشر الوعي بين كافة فئات المجتمع لضمان عدم وجود فئة تعترض وتعوق عملية التبرع نتيجة عدم وعي وفهم صحيح.

-       العمل على حشد عدد كبير من المتطوعين وتدريبهم لإمكانية التوسع في حملات جمع العينات بشكل أكبر وعلى نطاق واسع والذي سوف ينعكس بالطبع على عدد المتبرعين وعدد المرضى الذين يتم إنقاذهم.

-       إنشاء صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي لسهولة التواصل مع فئات الشباب ولسهولة توصيل المعلومات لهم من خلالها حيث أصبح لها دور بارز وفعال في توجيه الشباب.

-       المداومة على عقد المؤتمرات والفعاليات وألا يقتصر على فترة زمنية محددة لما يطرأ من تطورات في هذا المجال وتوزيع المجهودات على مدار العام.

 

كما يمكن وضع عدد من التوصيات المقترحة التي يمكن من خلال العمل عليها تطوير أداء كافة مؤسسات الدولة المعنية بهذا الشأن مما يؤدي إلى زيادة فعالية دور السجل ودعم أدائه في المجتمع :

 

-       توزيع المهام على مؤسسات العمل الخيري بشكل رسمي لتصبح مهمة وطنية على الجميع المشاركة والمساهمة فيها.

-       إعادة تفعيل دور الإعلام  بشكل أكبر ومؤثر باعتباره أحد مؤسسات الدولة وتقع عليه المسئولية التي تقع على المؤسسات الأخرى.

-       التوسع في إنشاء مراكز ثابتة لاستقبال العينات تكون على مسافات محددة ومحسوبة لتغطي أكبر رقعة جغرافية بدلًا من التمركز في مقر واحد مما يشكل صعوبة على المتبرعين.

-       التنسيق مع كافة المستشفيات بصفة عامة ومستشفيات التوليد بصفة خاصة للقيام بالدور المنوط بهم؛ باعتبار أن للأطباء الدور البارز والرئيسي في نشر الوعي بين الأمهات والعائلات بضرورة التبرع بدم الحبل السري والخلايا الجذعية، وباعتبار الطبيب دائمًا ما يكون محل ثقة مرضاه وقراراته تصب في مصلحتهم ومصلحة المجتمع.

في النهاية يجب أن نعلم أن مجتمعنا بشكل عام مجتمع عمل تطوعي وخيري، وهذا يتجلى بوضوح في عدد المؤسسات الخيرية والمتطوعين والمتبرعين بالمال أو بالجهد، والذين لا يدخرون أي جهد لدعم مجتمعهم والذي يدل على وجود بذرة الخير ولكنها تحتاج دومًا إلى سُقيا واهتمام.

 

الكاتبة : ياسمين جمال