تجربة فريدة ومتميزة شهد لها القاصي والداني ..العمل الخيري الكويتي ··غرس زرعة الأجداد
2 سبتمبر 2015 - 18 ذو القعدة 1436 هـ( 8600 زيارة ) .

عبدالله متولي.

قد يتصور البعض أن العمل الخيري الكويتي حديث العهد، أو هو لاحق على اكتشاف النفط ووفرة المال·
لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن العمل الخيري في الكويت قديم قدم هذا البلد، ومتأصل في نفوس أبنائه الذين عملوا على تطويره حتى أصبحت الكويت منارة العمل الخيري والتطوعي بين دول العالم العربي والإسلامي، حتى أصبح لايذكر العمل الخيري في أصقاع الأرض إلا مقروناً باسم الكويت·

وحري بنا ونحن نتكلم عن المساعدات الإغاثية الكويتية للشعب اللبناني المنكوب، أن نعطي لمحة سريعة وموجزة عن العمل الخيري التطوعي الكويتي قديماً حتى نعطي هذا البلد المعطاء حقه، وحتى يدرك الجميع أن ما يحدث الآن ليس وليد اللحظة، أو مجرد موقف ليس له جذور·

يعتبر العمل الخيري في دولة الكويت سمة من سمات الدولة عرفت به في الماضي، وتعرف به في وقتنا الحاضر، والمتتبع لتاريخ العمل الخيري في دولة الكويت يجد ذلك العطاء الكبير، وذلك العمل العمل العظيم الذي قدمه أبناء الكويت لبلدهم ولأمتهم العربية والإسلامية، والتاريخ يحفظ ويذكر تلك المساعدات الخيرية التي تبرع بها أبناء الكويت حكاماً ومحكومين، تجاراً ومحدودي الدخل في الماضي من مساعدات للقبائل المجاورة، ونجدة ونصرة للقبائل المعتدى عليها والدول المنكوبة، فرغم قلة ذات اليد في الماضي الا أن المساعدات الخيرية التي قدمها أهل الكويت كانت كبيرة، فأزمة الهيلك التي تعرض لها سكان فارس خير شاهد على عطاء أبناء الكويت·

واستغاثة الدولة العثمانية في حريق استانبول العام 1910م، وتبرع الكويت لها، وإهداء الدولة العثمانية لحاكم الكويت آنذاك وسام مجيدي من الدرجة الأولى، ما هو إلا تعبير عما قدمته الكويت ليس منة منها، بل واجباً في نصرة قضايا المسلمين، ومساعدة للإنسانية جمعاء، وما قدمته الكويت في عام 1934م لنجدة فلسطين وتقديم التبرعات المتعددة، الأمر الذي أعجب الأدباء والمؤرخين، وماتعرف به الكويت هذه الأيام من لجان خيرية متنوعة للعمل في شتى بقاع العالم لدليل على استمرار عطاء الكويت، وتعبير عن تضامنهم لأمتهم ودينهم، وشكر لربهم الذي أغدق عليهم بنعمة النفط والوفرة المالية التي تعرضت لها لكويت بعد ظهور النفط فيها·

 مراحل العمل التطوعي في دولة الكويت·
مر العمل التطوعي في دولة الكويت بثلاث مراحل عبر تاريخها نوجزها فيما يلي:

أولاً: العمل التطوعي الفردي:
يعتبر العمل التطوعي الفردي في دولة الكويت، أولى المراحل نظراً لصغر المجتمع وبساطة تكوينة، فلم يكن آنذاك مؤسسات حكومية تدير شؤونه أو مؤسسات أهلية تساهم في بنائه، بل كان الجميع رجالاً ونساءً، حكاماً ومحكومين يساهمون في بناء المجتمع، وكان العمل التطوعي جهوداً ذاتيه كل حسب طاقته وقدراته·
فكان للحكام دور في إدارة شؤون البلاد، وكان للعلماء دور في التعليم والقضاء والتطبيب والوعظ والإرشاد، وكان للتجار دور في مساعدة الضعفاء والمحتاجين، وبناء المساجد، والأوقاف الخيرية التي يصرف ريعها على احتياجات المجتمع، وافتتاح المدارس الأهلية ودعمها مالياً، وتحديد نسبة 2% من ريع بضائعهم وتجارتهم، تعطى للدولة طواعية منهم، لإعانة الحاكم مالياً في إدارة شؤون البلاد، وتصاعدت هذه النسبة حسب احتياجات البلاد حتى وصلت في يوم من الأيام الى 5%، واستمر العمل التطوعي الفردي بين أبناء المجتمع الكويتي جيلاً بعد جيل ليدل على أصالة المجتمع الكويتي وإيمانه وحبه لعمل الخير (2)·

ثانياً: العمل التطوعي الجماعي
مع وجود العمل التطوعي الفردي في الكويت قديماً، وجد كذلك العمل التطوعي الجماعي الذي كان يأخذ صورة العفوية والبساطة وتكاتف أبناء المجتمع وتلاحمهم وتعاونهم، ولم يأخذ الجانب المؤسسي آنذاك لصغر المجتمع وقلة إمكاناته·
وكان العمل التطوعي الجماعي في ذاك الوقت يعرف بتطوع الفزعة والذي يفزع فيه أبناء المجتمع بصورة جماعية لحل مشكلة ما أو تقديم خدمات لمحتاجين أو مكروبين، وقد كانت هذه الفزعة تأخذ أشكالاً عدة منها:
1- فزعة الصاري: وهي أن يفزع الناس في مساعدة صاحب السفية الجديدة في حمل الصاري على ظهر السفينة وهو عمود خشبي كبير·
2- فزعة السفينة: بعد أن يتم تجهيز السفينة الجديدة يفزع الناس لإنزالها الى البحر وهي تحتاج لجهد كبير وعدد من الناس كثير، وهو نوع من أنواع التطوع الجماعي·
3- فزعة إنقاذ السفينة: من المعلوم أن الكثير من الكويتيين كانوا هم ملاك السفن التي كانت مصدر زقهم، ومن المعلوم أيضاً هذا العمل محفوف بالمخاطر، فإذا ما وقعت كارثة بإحدى السفن - كالغرق أو التحطم - كان الأصدقاء يسارعون الى جمع التبرعات دون علم من أصابته الكارثة وكانت هذه التبرعات الآتية كفيلة بتغطية الخسارة كلها وفي بعض الأحيان كانت تزيد على جملة الخسارة·
كما كان الكويتيون يسارعون دون تفريق لإنقاذ السفن التي تجنح في الخليج اثناء رحلاتها وكانت حملات الإنقاذ تتم طوعاً وبسرعة، أما مصاريف الحملة الإنقاذية فكان يتكلف بها أحد الموسرين، أو أكثر من واحد إن تعذر ذلك على أصحاب السفينة·
4- فزعة الحرائق: يصف الأديب حمد الرجيب صورة من صور التطوع الجماعي في الكويت أثناء الحرائق في كتابة >مسافر في شرايين الوطن< فيقول:
أتذكر مشهداً من مشاهد التواد والتراحم والعطف الذي امتاز به الكويتيون في ذلك الزمان·· ويتذكره جيلنا والجيل الذي سبقنا·· كان ذلك عند حدوث حرائق في منزل أو دكان أو سفينة·· لم يكن في البلاد كما هو الحال الآن سيارات للإطفاء، يقوم عليها رجال متخصصون، وأتمنى لو كانت عندنا في تلك السنين كاميرات فيديو تصور تلك المشاهد وتصور النجدة التي يقوم بها الناس·· نجدة بكل ما تحمل الكلمة من معان·
5- فزعة في الكوارث العامة: فزع أهل الكويت فزعة رجل واحد حين أصابت الكويت عدة نكبات تطوعوا فيها لسد حاجات الناس وتخفيف وطأة الكوارث التي حلت بهم، ومن هذه الكوارث:
 أزمة الهيلك عام 1869م، وهي مجاعة أصابت أهل فارس فنزحوا الى الكويت، وأبلى فيها أهل الكويت بعطائّهم وسخائهم بلاءً حسناً·
عام 1872م غرقت سفن كثيرة لأهل الكويت ففزع الناس لمساعدة المتضررين·
عام 1934م وتسمى بسنة الهدامة في هذا العام تهدمت بيوت كثيرة ففزع أهل الكويت لنجدة أصحابها·

ثالثاً: العمل التطوعي المؤسسي:
بدأت ملامح العمل التطوعي الجماعي المؤسسي في الظهور في دولة الكويت مع مطلع القرن العشرين، وكان لظهور هذه المؤسسات أسباب عدة أدت الى ظهورها رغم بساطة المجتمع وقلة إمكاناته وعدد سكانه·
من هذه الأسباب: موقع الكويت الاستراتيجي المطل على الخليج، الأمر الذي أدى الى مرور العديد من التجار والعلماء والأدباء على دولة الكويت واحتكاكهم بأبناء الكويت أمثال الشيخ محمد رشيد رضا، والمصلح التونسي عبدالعزيز الثعالبي، والشيخ محمد الشنقيطي، فهؤلاء المفكرون والرواد كان لهم أثر واضح على أبناء الكويت في دعوتهم لإقامة مثل هذه المؤسسات التعليمية والثقافية والخيرية، وما تأسيس الجمعية الخيرية العربية في دولة الكويت عام 1913م إلا تأكيد لتأثر أبناء الكويت بهؤلاء المصلحين الرواد·
كما أدى عمل أبناء الكويت في البحر الى احتكاكهم بالدول القريبة والبعيدة، والتقائهم وتعارفهم على الدول والشعوب والحضارات·
وكان حب حكام الكويت لعمل الخير من الأسباب الرئيسية التي أدت الى ظهور هذه المؤسسات التطوعية والخيرية·
وبناءً على هذه الأسباب ولدت أول مؤسسة تطوعية في الكويت وكانت المدرسة المباركية وهي مؤسسة تعليمية ثقافية ساهم أبناء الكويت في دعمها مالياً كما ساهموا بالتعليم فيها وإدارتها، وتوفير كافة احتياجاتها، وكان ذلك في عام 1911م·
ثم تلى ذلك الجمعية الخيرية العربية عام 1913م، والتي ساهمت في ترميم وإصلاح المساجد القديمة، وتوفير كل احتياجاتها وساهمت بمساعدة الأسر الفقيرة، وتعليم كبار السن، وساهمت بالدعوة والوعظ والإرشاد، وساهمت ايضاً بتجهيز مستوصف خيري ليقدم خدماته للمرضى·
ثم المدرسة الأحمدية في عام 1921م، لتقف بجانب المدرسة المباركية في الارتقاء بالتعليم، ثم النادي الأدبي كملتقى للأدباء والشعراء والعلماء والمثقفين، وكان ذلك في عام 1922م، ثم المكتبة الأهلية كموسسة ثقافية فكرية في عام 1926م·
وفي مطلع الستينيات وذلك في عام 1961م، تم فتح المجال لإنشاء جمعيات النفع العام التطوعية لتساهم مع مؤسسات الدولة في تنمية المجتمع وازدهاره تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حتى بلغت في يومنا هذا ما يزيد عن خمس وخمسين جمعيمة نفع عام في كافة المجالات، لم يتوقف نشاطها داخل المجتمع بل خرج إلى بقاع كثيرة على وجه الأرض، تبني وتعمر، وتعلم وتطبب، تقدم العون والغوث في النكبات والنوازل·

وأخيراً: فإن دولة الكويت استطاعت عبر قرون رغم الظروف التي مرت بها من فقر أو رخاء أن تقدم كثيراً كثيراً من المساهمات لأبناء وطنها وأبناء الأمة الإسلامية في بقاع شتى من العالم، وأن هذه التجربة في العمل الخيري والتطوعي تجربة فريدة ومتميزة، تستحق تسليط الضوء علىها وتقديرها بقدر ما قدمته وتقدمة دائماً·

http://alwaei.com/topics/view/article_new.php?sdd=1405&issue=492

 


المصادر:
1- العمل التطوعي في الشريعة الإسلامية وأثرة في تنمية المجتمع مع التجربة الكويتية رسالة دكتوراه للدكتور خالد الشطي·
2- الاقتصاد الكويتي القديم عادل محمد العبد المغني·
3- جوانب من شخصية الكويت دراسة في الموقع والأهمية الاقتصادية والدور السياسي د· غانم سلطان·
4- مسافر في شرايين الكويت - حمد الرجيب·