« دبي العطاء » تبدد الظلام في القارة السمراء .
9 اغسطس 2015 - 24 شوال 1436 هـ( 8372 زيارة ) .

« البيان » ترافق حملات وفرت تعليم 13 مليون طفل في 39 دولة

وسط أحراش أفريقيا وفي مجتمعات تتآكل بفعل الجهل والمرض والحروب والنزاعات تقف مؤسسة «دبي العطاء» في محاولة للقضاء على الأمية بإنشاء مدارس للأطفال وتحفيزهم بوجبات غذائية متكاملة للإقبال على تحصيل الدروس، وتهدف المؤسسة إلى خلق جيل متعلم ينتشل تلك المجتمعات من البؤس والفقر والمرض.. «البيان» رافقت «دبي العطاء» في رحلتها إلى قلب القارة السمراء وبالتحديد في السنغال وأثيوبيا وغانا لملامسة معاناة شرائح مهمشة والإنجازات التي تحققت على أرض الواقع.

حكايات

جلست رقية بنت الثالثة عشرة على جانب الطريق في العاصمة السنغالية داكار تبيع بعض الملابس المستعملة علها تجمع ما يكفي لقوت عائلتها المكونة من سبعة أفراد، تنظر للسيارات الفارهة تحدق بركابها لفترات طويلة تندب حظها العاثر لأنها لم تلتحق بمدرسة طوال حياتها، وأمام المدرسة المتهالكة جلس عبد الرحمن وصديقه إبراهيم أمام الباب الرئيسي ومظاهر الفقر والبؤس قد بدت على وجهيهما، والديهما لا يملكان الأقساط المدرسية التي تقل عن 5 دولارات في السنة وعندما سألناهما بواسطة المترجم قالا إنهما يتوقان لدخول المدرسة للهروب من واقعهما المؤلم ويضيفان: من دون تعليم حياتهما لا تختلف كثيراً عن حياة الماشية التي ترعى على مقربة منهما.

ما رأيناه في السنغال وقبلها في أثيوبيا وغانا كان من القسوة بما يؤكد ما قاله طارق القرق المدير التنفيذي لـ «دبي العطاء» عندما سألناه قبل أن نبدأ الرحلة عن الإحصاءات: دعك من الإحصاءات.. الحقائق التي شهدتها شخصياً على أرض الواقع في زياراتي الميدانية إلى بعض أكثر البلدان فقراً لا تحتاج إلى أي إحصاءات لإظهار المحنة التي يمر بها الناس ولاسيما الأطفال.

وعبر رحلتنا معه في أكثر من بلد، تلونت الوجوه التي تشابهت جميعها بعلامات المحنة حول العالم بأسره، فهناك 69 مليون طفل في مرحلة التعليم الأساسي في البلدان النامية يذهبون إلى المدارس وهم يعانون من الجوع، بينهم 23 مليون طفل في أفريقيا وحدها، مجرد رقم قد نقرأه ونمضي، لكن معايشة مأساة طفل واحد من هذه الملايين تجعلنا نقف معقودي اللسان من دون قدرة على الوصف.

أمراض وعلل وجوع وجهل، مأساة مركبة، وحين طرح التعليم كحل سحري لهذه المشكلات مجتمعة، كانت المعضلة: كيف للأطفال الذين لا تتوفر لهم المدارس ولا يحصلون على التغذية تلقي التعليم واستيعاب دروسهم؟ العلاقة إذن متبادلة وحلولها معقدة.

«دبي العطاء» ابتكرت طرقاً وأساليب فريدة لجذب الأطفال للمدارس ففي بعض البلدان ووفرت لهم الوجبات المدرسية وفي دول أخرى وفرت برامج تعليمية ثنائية اللغات لتعزيز مدى استيعابهم للحد من تسربهم من المدارس وقد تركت هذه المبادرات بصمة سحرية لتعلق الأطفال في التعليم.

الوجبة الدراسية

وكثير من الأطفال ممن التقتهم «البيان» في أثيوبيا ومنهم الإبراهيمي ومحمدو لم يتورعا عن الاعتراف بأنهما جاءا إلى المدرسة فقط من أجل الوجبة التي توفرها «دبي العطاء»، كحل إبداعي منها تجذب من خلاله الأطفال لتلقي العلم، فيما أظهر زميلهما دانو ذكاءً أكثر وهو يخبرنا أنه جاء ليضرب عصفورين بحجر، تلقي العلم والحصول على الوجبة، ويدرك في النهاية أن التعليم هو الحل لمشكلة الجوع من أساسها فهو كما يقول لا يتطلع أن يصبح وزيراً وإنما هدفه في الحياة أن يصبح معلماً لتعليم أبناء قريته وإنقاذهم من حالة البؤس.

الوجبة المدرسية التي توفرها «دبي العطاء» في أثيوبيا عبارة عن ذرة مهروسة مخلوطة بالماء، ويضاف إليها بعض الفيتامينات والأدوية المضادة للديدان المعوية، وهذه الوجبة تتكرر كل يوم صيفاً وشتاءً.

مدارس الأطفال في الدول الثلاث متهالكة تساقطت أجزاء من سقفها، فصولهم بلا تهوية ليس فيها سوى شباك واحد صغير لم يمنع تراكم العفونة والرطوبة، ومنذ دخولك إليها تصاب بنوبة ربو، حقائب المحظوظين منهم أكياس سوداء من البلاستيك أو القماش، وكتبهم داكنة اللون مهترئة من كثرة الاستعمال.

كل ذلك لم يمنعهم من التعبير عن فرحتهم بالمبادرات الإنسانية التي تقوم بها دبي بنشر التعليم الأساسي وافتتاح الفصول الدراسية وتدريب المعلمين وإنشاء جمعيات لأولياء الأمور، وكنا نحظى لدى وصولنا إلى أي من المناطق المستهدفة باستقبال حافل من قبل سكان القرى المجاورة وقد اصطفوا على جانبي الطريق للترحيب بوفد «دبي العطاء».

الأم والتلميذات

وفي قرية بوتاجيرا جلست جاني على جانب الطريق تحاول إسكات طفلها الذي ألح بالبكاء، بثدي ضامر لا حليب فيه، لم تتراجع عندما رأتنا، عليها أن تسكت الطفل سريعاً وتكمل طريقها إلى المدرسة لاصطحاب بناتها الأربع إلى المنزل الذي يبعد 12 كيلومتراً، ولا تستطيع تركهن ليقطعن كل هذه المسافة البعيدة وحدهن.

جاني واحدة من نساء بوتاجيرا التي تبعد 350 كيلومتراً عن العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، التقتها «البيان» هناك، على قارعة الطريق بين الجبال الوعرة، في رحلتها مع «دبي العطاء» التي ذهبت إلى أقاصي الأرض لتوفير التعليم لأطفال لم يسمع به آباؤهم من قبل فوجدت نفسها أكثر من ذلك تطارد الجوع ومآسي الحروب في أدغال القارة السمراء، فالمسير الشاق والانتظار هو شغل جاني اليومي، ولكنها تفعله بسعادة لأنها لم تعد هي وزوجها يحملان هم طعام الفتيات، فالوجبة التي توزعها مدرسة «دبي العطاء» تكفيهن لليوم التالي، بل تتمنى لو كانت هناك مدرسة من قبل، فقد مرت عليهم أيام لم يذوقوا فيها طعم الأكل ولم يشربوا نقطة ماء بسبب الجفاف والقحط الذي حل بالمنطقة وهو ما يبدو جلياً على صحة البنات اللواتي تحولن إلى هياكل عظمية.

وأكثر من ذلك تتمنى جاني لو كانت هناك مدرسة في زمانها فقد عاشت طوال حياتها في بيت من القش لم تخرج من المنطقة إطلاقاً ولا تحمل أي أوراق ثبوتية، كما أن أولادها غير مسجلين ولم يولدوا بمستشفيات أو مراكز صحية، وهذه مشكلة كبرى حيث إن ما يقرب من 35% من الأمهات يمتن أثناء الولاة ويعيش أطفالهن إيتاماً إن كتبت لهم الحياة.

مفارقات طبقية

في بعض مناطق أثيوبيا وغانا والسنغال تقيم النخبة قصوراً ومدارس تدرس جميع اللغات، ولكن على الجانب الآخر المنازل عبارة عن أكواخ من القش لا تقي سكانها من حر الصيف والبرد القارص، في دلالة واضحة على أن البلد ما زال يعيش عصر العبودية والاستبداد، ووسط هذه الأكواخ تنتشر الأمراض السارية بكثرة وقبل سفرنا إلى هناك طلب منا أخذ الاحتياطات ومن ضمنها ست تطعيمات ينصح بأخذها لعدم انتقال العدوى، هذا هو الواقع المرير في دول عانت وما زالت تعاني آثار الاحتلال وبعضها من آثار الحرب مع دول الجوار، ولا تترك لهم الأمية أي أمل في معالجة هذه السلبيات المتراكمة والقاتلة.

ولكن يبدو أن الأمل بالفعل يولد من رحم المعاناة، بل إن ما يحمله عبد الرحمن مدير مدرسة في السنغال أكثر من ذلك فهو يتحدث بحماس وثقة كبيرين، حيث يقول نعلم أننا لم نلحق بركب الدول المتقدمة التي باتت تدرس على الأيباد واللوحات الإلكترونية ولكن هذا حالنا وقدرنا نعمل في ظل الإمكانيات المتوفرة وبالتأكيد الأمل يولد من رحم المعاناة.

وفي غانا لا تختلف الأوضاع عن أثيوبيا، وهناك كان الموت أول من استقبلنا فقد ماتت ابنة فاطمة في ولادتها الأخيرة لتترك خمسة أطفال في عهدة جدتهم.

وأثناء محاولتها حلب معزة لم يتبق منها سوى العظم بسبب جفاف الأراضي الزراعية، نظرت الجدة فاطمة إلينا متهكمة وهي تقول: مستقبل هؤلاء مثل ضرع معزة لا حليب فيه، وتساءلت كيف لهم أن يفكروا بالتعليم وسط هذا الجوع.

معاناة

وفي الحقيقة، ليس الجوع هو عائق التعليم الوحيد هناك، برغم أنه السبب الأكبر، فوالد خيرية ابنة العشرة أعوام، وهو أب لـ 14 طفلاً، تحدث بصراحة عن حالات اغتصاب وتحرش جنسي تتعرض له الفتيات من زملائهن وحتى من المدرسين أنفسهم، ولذلك تدعم عادات حياة الصحراء التي يعيشها اعتقاده بأن الفتيات لا يجب أن يذهبن للدراسة على الإطلاق.

صعوبات واختلافات

أكد طارق القرق، أن الأطفال في أنحاء عدّة من العالم يواجهون صعوبات في استيعاب المحتوى في المدارس بسبب الاختلافات بين اللغات المستخدمة في المنزل وتلك المستخدمة في المدارس.

وقال: عادة ما يخسر الأطفال حماسهم جرّاء عدم قدرتهم على استيعاب المقاطع اللفظية ومجاراتها، ممّا يؤدّي إلى تسرّبهم من المدرسة، ومن الضروري سدّ هذه الفجوة حرصاً على بقاء الأطفال في المدرسة وتحسين تعليمهم.

وأوضح أن برامج «دبي العطاء» وصلت إلى 39 دولة من الدول النامية استفاد من تلك البرامج لغاية الآن أكثر من 13 مليون طفل.

 

فقر وجهل وبطالة

الفقر والجهل في غانا وجهان لعملة واحدة، والأمة الجائعة لا يمكن أن تفكر بالإنتاجية والإبداع، فالأمية تنهش في جسد المجتمع، والبطالة جرفت الشباب إلى احتراف ما يتنافى مع أخلاقهم وأعرافهم، والموت يتربص بالمسنين المتهالكين من الجوع والأمراض.

واستغرق وصولنا إلى هناك 8 ساعات قبل أن ننتقل إلى منطقة ابوكو بي في غانا أيست، حيث يكتشف المرء هول الفاجعة، بلاد تحتاج في قواميس بعض البلدان إلى معجزة للنهوض.

عبدو رحيم، واحد من قاطنيها وأفضل من يصفها، يقول: الأراضي السهلية الخصبة التي ترونها على امتداد البصر تحولت إلى مقابر للبشر والدواب، والغيوم التي ترونها تسر الناظرين أشبه ما تكون بالمرأة العاقر.

رحيم أب لسبعة أطفال يعيشون يومهم على وجبة يضطر أن يقطع أميالاً لتوفيرها، وعندما نسأله عن المعيشة، يشير نحو كوخ القش، «هنا نعيش نتقاسم هذا الكوخ مع الأغنام التي لا تجد ما تأكله أيضاً بعد أن تكالبت علينا ظروف القهر جميعها»، ويستنكر حديثنا عن تعليم أطفاله: «الطفل الجائع لا يمكن أن يفكر إلا بالأكل»، يقول متبعاً كلامه بتنهيدة.

لكن حميد الله مدير المدرسة الابتدائية رأيه مختلف تماماً، ويحمل ثقة كاملة بأن رياح التغيير قادمة لا محالة ويبدي حماسه بتذكر مقولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إن الإرادة تصنع المستحيلات، مؤكداً أن التعليم هو السبيل الوحيد إلى التقدم والتطور.

في محطتنا الأخيرة في السنغال أول ما يلفت النظر هو أن 97% من سكان هذا البلد هم من المسلمين ولكن من يتكلمون العربية هم ندرة، لأن اللغة الرسمية في البلاد هي اللغة الفرنسية.

وإلى جانب الفرنسية هناك 27 لهجة محلية أشهرها هي لغة الولف فتجد الأطفال في الشارع والمنزل يتكلمون اللهجة المحلية وعندما يذهب المقتدرون منهم إلى المدرسة يفاجأوون أن التعليم باللغة الفرنسية وهو ما يؤدي إلى تسرب نسبة كبيرة منهم من المدارس بسبب عدم استيعابهم.

وبعد دراسات معمقة قامت بها «دبي العطاء» لجذب الأطفال والحد من تسربهم من المدارس ارتأت طرح برنامج ثنائي اللغات الفرنسية إلى جانب الولف لمساعدة الأطفال على استيعاب وفهم دروسهم.

مستفيدون

من المتوقع أن يصل عدد الطلبة المستفيدين من البرنامج 10.500 طفل، و300 معلّم ومدير، و24 مفتّشاً في مجال التعليم حيث سيتم مستقبلاً توسيع نطاق البرنامج في جميع أنحاء البلاد.