رمضان بين الفرص و التحديات للمؤسسات الخيرية
28 يونيو 2015 - 11 رمضان 1436 هـ( 8048 زيارة ) .

شهر رمضان ليس كباقي شهور السنة بالنسبة للمسلمين؛ ففيه ترتفع روحانيات المسلم من تنوع العبادات كالصيام، و الصلاة، و الذكر، و قراءة القرآن، و الصدقة، و حتى إخراج الزكاة، و نقترب أكثر من صفات الرحمة و الكرم، لنجد الرحمة في قلوب المسلمين، و نصل بها إلى التكاتف و التكامل بين أبناء الأمة الواحدة.

وفريضة الصيام هي أبرز ما يميز الشهر الكريم، و تجعلنا نشعر بآلام المساكين و الفقراء و المحتاجين حول العالم، فتخرج الصدقات و الزكوات لتحقق التكافل بين الأمة الواحدة، في ترجمة عملية للاقتداء بحديث الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أجود الناس، و كان أجود ما يكون في رمضان ...).

ولكل قطاع من القطاعات الثلاثة: الحكومي و الخاص و الأهلي موسم يزداد العمل فيه، و يُعد شهر رمضان هو موسم القطاع الأهلي في العالم الإسلامي؛ فهو لرعاية الفقراء، و إقامة مشروعات تساعدهم لمواجهة ظروف الحياة، كما يُعد موسما لتلقي التبرعات و توعية المتبرعين.

وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الحقيقي الذي تلعبه المؤسسات الخيرية، و هو توعية المتبرعين، و لفت أنظارهم لمن هم أشد حاجة للمساعدة، ذلك من خلال إيصال صوت من لا صوت لهم، و نقل معاناة المحاصرين بين مطرقة الجوع و الفقر و بين سندان انشغال الإعلام بالمناطق و القضايا الساخنة على الساحة.

لكن ما الحل؟ و كيف للمؤسسات الخيرية أن تتولى مسؤولية التوازن بين المحتاجين في مناطق الصراعات و الكوارث و بين هولاء في المناطق المنسية؟

وقبل أن نبدأ في طرح الاقتراحات التي من شأنها الوصول إلى الحلول، علينا أولا تحديد المخاطر و العقبات التي تواجه العمل الإنساني في ذراع البرامج و تنفيذ المشروعات على أرض الواقع، و لعل أبرز ما يواجه القائمين و المنفذين المباشرين لتلك المشروعات: فقدان الحياة، و الاختطاف، و الإصابة بأمراض، أو تلك الأضرار التي قد تلحق بسمعة المؤسسة في حالة الصراعات المسلحة و الكوارث الطبيعية، كاتهامها بالتحيز لطرف دون آخر، أو مساعدة طائفة دون أخرى.

الجدير بالذكر ـ أيضا ـ أن لذراع جمع التبرعات خطورته، و إن كانت محدودة جدا مقارنة بمخاطر عمل المؤسسة في الميدان، حيث تتمثل في اختلاف طريقة جمع التبرعات، و الصبر على توعية المتبرعين.

ومن هنا يجب أن يكون الحل غير تقليدي، يتوافر فيه الإبداع و كسر الجمود، فلماذا لا نفكر في حملة تسويقية تجمع بين بلدين؟ الأولى في منطقة ساخنة ( فلسطين - سوريا - اليمن )، و الثانية لمنطقة منسية (وسط و جنوب أفريقيا - وسط آسيا )، أو منطقة ساخنة سياسيا و منسية إنسانيا ( ليبيا )، و بهذا نحقق الهدف الأول المتمثل في خلق الوعي لدى المتبرعين، مع ملاحظة أن تحقيق هذا الهدف ليس بالهين؛ فهو يحتاج إلى معلومات دقيقة، و طرق عرض مناسبة، فأهم و أخطر خطوة هي توعية المتبرعين و إعلامهم بأماكن أخرى تحتاج إلى دعمهم، مثل: الأماكن الساخنة الأخرى، و لكن ما ينقصها هو تسليط ضوء الإعلام عليها.

الطريقة الأولي : الجمع بين بلدين:
قد تكون حملة جمع التبرعات ـ مثلا ـ مشتركة بين قضيتين هما: قضية اللاجئين السوريين و لاجئي أفريقيا الوسطى مثلا؛ فكلاهما تحت نار اللجوء و النزاع المسلح، فنجمع التبرعات لبرنامج مكافحة الجوع، و هو عبارة عن مشروع طرود غذائية للاجئين السوريين و لاجئي أفريقيا الوسطى، أو مشروع عمل مخيمات، على أن يتم تقسيم حصيلة ما يجمع بالتساوي بين البلدين؛ و بهذا تكون أيقظت قضية منسية بقضية ساخنة.
ومن الممكن أن تضع اختيارين في التبرع، بأن يقسم مبلغ التبرع بالتساوي، أو أن يكون ثلثان للقضية الساخنة و ثلث للقضية المنسية، و قد تقوم بحملة لبرنامج الرعاية الصحية لكل من اليمن و السودان، أو برنامج الحياة الكريمة للأرامل في كل من الصين و هاييتي و كوسوفا.
وتوجد أماكن مرتبطة ببعضها، مثل: اليمن و الشام، فكما قال الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ: ( اللهم بارك لنا في شامنا و يمننا )، فلماذا لا توجد "حملة شامنا و يمننا"، و تشمل مشروعات كثيرة، و بهذا نربط بين قضيتين ساخنتين، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، فتكون بذلك حققت المهمة الأساسية، و هي إيصال صوت من لا صوت لهم، و حققت توازنا في برامجك و مشروعاتك، و أرسلت رسالة قوية للمتبرعين مفادها أنك تعمل أينما وجد أي إنسان محتاج، و أنك على اطلاع كامل بالمحتاجين حول العالم. و ستحذو حذوك بعد ذلك كافة المؤسسات الأخرى في أفكارك الإبداعية لجمع التبرعات، و الاهتمام بالقضايا الإنسانية المنسية.

كما سيوفر لك جمع التبرعات للبرامج دعم محتاجين بشكل أكبر، و لكن سيأخذ وقتا أطول حتى يتم الانتهاء من مرحلة توعية المتبرعين، و هذا يتوقف على وسائل العرض الجذابة و الرسالة الواضحة، و لكن جمع التبرعات لبلاد بعينها سيوفر لك دعما سريعا، و كلا الطريقتين مطلوبة.


الطريقة الثانية: الجمع بين مؤسستين:
عملا بقوله تعالى: ( و تعاونوا على البر و التقوى )، و تحقيقا للهدف الثامن من الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة، و هو تحقيق الشراكات من أجل التنمية؛ فلماذا لا تقوم مؤسستان كبيرتان بعمل حملة لجمع التبرعات لبلد منسي أو برنامج يحتوي على مشروعات لبلاد منسية، و بهذه الشراكة سيتم تشكيل وعي سريع للمتبرعين، بل ستمثل ضغطا على الإعلام ليهتم بهذه القضية المنسية، إضافة إلى الضغط على الحكومات و المؤسسات المانحة لتمويل هذا البرنامج.
ولنجاح هذه الشراكة يجب مراعاة شرط الوضوح الكامل في كل المراحل بين الشريكين من أول مرحلة جمع التبرعات إلى مرحلة تسليم المشروعات؛ ليكون نموذج نجاح يحتذى به.


وعلينا جميعا أن نعي من روؤساء مجالس إدارات أو مدراء و تنفيذيين أن الله تعالى اختارنا من بين الملايين لنقوم بهذه المهمة، قال تعالى: (.. هو اجتباكم )، و جعل في أعناقنا مسؤولية إسعاد الفقراء و المساكين و المحتاجين حول العالم، طالما سمحت لنا القوانين أن نتحرك شرقا و غربا و شمالا و جنوبا، فالفقراء هم أصحاب الحق، تصديقا لقوله تعالى: ( و الذين في أموالهم حق معلوم * للسائل و المحروم )، و هم أصحاب الأموال التي تجمع، فنحن أجراء لدى الفقراء، فإذا كان أهل القطاع الخاص يسعون لرضا العملاء بقولهم "customer is chairman" ، فنحن ـ أهل القطاع الأهلي ـ نسعى لرضا أصحاب الحق ( الفقراء )؛ و لذلك نقول "poor is the owner" .

أما المتبرع، فهو صاحب الحق في الإشراف على التبرع، و الاطمئنان أن التبرع سيصل للمستفيد الذي يستحق، و التأكد أنه لن يرضى المتبرع حتى يرضى المستفيد؛ فهناك ثمة اتصال رباني بينهم، و حق المتبرع أن يتم توثيق تبرعه بالطريقة التي يرغب فيها.

وفي النهاية: متى سيكون جمع التبرعات لدى المؤسسات الخيرية إدارة متخصصة، بها مسوقون محترفون، لديهم خيال واسع و ثقافة خيرية و إحساس صادق بالفقراء و المحتاجين، و يقومون بدراسة رغبات المتبرعين و كيفية توجيههم، و يقومون بوضع مزيج تسويقي للمشروعات الخيرية، و يقومون بالتسويق في رمضان و غير رمضان، و تحقيق التوازن بين المناطق المنسية و المناطق الساخنة، و بين الإغاثة و التنمية، و بين البرامج الصحية و التعليم؟ و كل هذا سيعود بالنفع على المحتاجين، و على الصورة الذهنية للمؤسسة، و على المتبرع الذي سيتحول من متبرع كوارث إلى متبرع عالمي؟!

 

عمر جمال عبد السلام
باحث في مجال جمع التبرعات