الدولة والمجتمع المدني والقانون"ملاحظات على بعض جوانب التمييز التشريعي ضد النساء في الوطن العربي"
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 7917 زيارة ) .

تهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على واقع الحياة المدني العربي من حيث علاقته بالدولة ومن حيث الإطار التشريعي الحاكم له ومدى تأثير ذلك على موقفه من مظاهر التمييز القانوني ضد المرأة.

ولتحقيق هذا الهدف ستحاول الورقة الإجابة على التساؤلين التاليين:

1 –ما هي خصائص العلاقة بين المجتمع المدني العربي ومؤسسة الدولة العربية؟

2 –ما هي أبرز مظاهر التمييز ضد المرأة في التشريعات العربية؟ وما هو دور منظمات المجتمع المدني العربي في مناهضتها؟

فالإجابة على هذين التساؤلين تمكننا من معرفة موقف التشريع العربي من مسألة التمييز ضد المرأة أما بالتعريف على موقفه من المجتمع المدني وهل يكفل له الاستقلالية والفعالية التي تمكنه من مناهضة التمييز، أو بالتعرف على موقفه من مبدأ المساواة بين الرجال والنساء. هل يكرس المشرع العربي صور التمييز أم يناهضها؟ هل يؤكدها أم يعمل على إزالتها وفاء بالتزامتاته الدولية المتمثلة في اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعت عليها أغلب الدول العربية وإن كان بتحفظات متفاوته؟.

** المجتمع المدني العربي ومؤسسة الدولة العربية

قبل عقد السبعينات تحديدا لم يكن الحديث عن المجتمع المدني حديثا مطروقا في الأدبيات السياسية والاجتماعية العربية. كان الحديث يجري عن الجمعيات الأهلية والخيرية والمجتمعات ذات النفع العام والنقابات والنوادي والأحزاب وكافة المؤسسات التي تنظم الجهد الجماهيري غير الهادف إلى الربح المادي ككيانات متميزة لم توجد ضرورة علمية أو عملية لجمعها في سياق نظري أو تحليلي أو تشريعي واحد.

على أن حداثة المصطلح لا تعني بطبيعة الحال جدة مضمونة في الواقع الاجتماعي العربي. فالمجتمعات العربية تعرف من عصور قديمة أشكالا متعددة وصورا للتنظيم الاجتماعي كانت تقف بمنأى عن الدولة وعن تدخلها وتقوم الكثير من الوظائف تتمحور حول إشباع مجموعة من الحاجات الاجتماعية قد تعجز الدولة عن إشباعها بنفس الكفاءة. هذا الدور الفاعل (لمؤسسات المجتمع المدني) في التاريخ العربي حدا ببعض الباحثين إلى صياغة اقتراض لم تثبت صحته بعد أن البنية الاجتماعية العربية تنشط بحيوية في إفراز منظماتها غير الرسمية لمقابلة الحاجات الاجتماعية التي تعجز الدولة عن توفيرها في أوقات ضعفها وتدهور آدائها.

وبصفة عامة يمكن القول أنه حيث تواجد الدولة المهيمنة التي تدعى لنفسها القدرة على القيام بوظائف شديدة الاتساع والشمول بدءا من الأمن الداخلي والخارجي حتى إدارة وتوجيه الاقتصاد مرورا بصور الرعاية الاجتماعية والصحية المختلفة، في ظل هذه الدولة تضمحل أو تكاد تتلاشى مبادرات الأفراد في تنظيم أنفسهم في شكل تنظيمات طوعية من أجل الوفاء بمختلف حاجاتهم الاجتماعية بل إن الدولة المهيمنة ذاتها تضيق بهذه المبادرات ولا تشجعها لموقفها المبدئي المعادي لمبادرات الأفراد.

وإذا كان ظهور مؤسسات المجتمع المدني تاريخيا رهن بالحاجة الاجتماعية إليها، ورهن أيضا بعجز الدولة عن الوفاء بمتطلبات الرعاية الاجتماعية للمواطنين، فقد أكتسب هذا الظهور طابعا دينيا خيريا منذ بداياته الأولى. والمجتمع المدني العربي وإن كانت نشأته مرتبطة بالدولة العاجزة، فإن تطوره وازدهاره رهن بتوافر مناخ من التسامح الليبرالي. هذا التسامح الذي افتقدته الدول العربية كافة سواء تلك الدول الشمولية التي سادت في بعض مناطق العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ورفعت شعارات القومية والتحرر الاجتماعي، أو الدول ذات الطابع الديني المحافظ. والنتيجة التي ترتبت على ذلك وتضمنها في تشريعاتها، كما ظل لوقت طويل منحصرا داخل حدود النشاط الديني والخيري من ناحية أخرى.

فإذا ما انتقلنا إلى خصوصية منظمات المجتمع المدني النسائية أو منظمات المجتمع المدني التي تجعل من قضايا المرأة محورا لنشاطها، نجد أن هذه المنظمات قد تأثرت سلبا أكثر من غيرها بالطابع المهيمن للدولة العربية من ناحية وبالطابع الديني الذي صاحب نشأة النشاط الخيري لمنظمات المجتمع المدني العربية من ناحية أخرى.

كلا هاتين الخاصيتين: المهنية السياسية والمحافظة الدينية قد جعلتا من نشأة المنظمات التي تدافع عن حقوق النساء وتناضل من أجل رفع صور التمييز عنهن أمراً تحوطه المحاذير والصعوبات في مختلف البلدان بدرجات متفاوتة. لأن المطالبة بحقوق الإنسان، ولدى حاملي الثقافة الدينية المحافظة الذين يصرون على تفوق الرجال على النساء كمعتقد ديني.

وتقدر بعض المصادر أن أنشطة الطفولة والمساعدات الخيرية ورعاية المسنين تمثل الجانب الأكبر من نشاط الجمعيات الأهلية العربية في حين لا تمثل قضايا المرأة إلا حيزا محدودا. ولا يعني عزوف الجمعيات الأهلية العربية عن التصدي لقضايا المرأة أن المرأة بعيدة عن النشاط الأهلي العربي بل على العكس تحتل مكانا بارزا ومرموقا في داخله حتى في بعض المجتمعات المحافظة مثل مجتمعات الخليج العربي، ولكن أغلب النساء اللائي يباشرن العمل الأهلي (عدا المناضلات منهن) لا يتصدين في الغالب لقضايا رفع التمييز بين الرجال والنساء ولكنهن تكتفين بالعمل الخيري والديني وعلى أحسن الفروض بالعمل الثقافي والتربوي.

** القيود التشريعية على المجتمع المدني العربي:

تمثل القيود التشريعية على المجتمع المدني العربي الوجه القانوني للهيمنة التي تمارسها الدولة العربية على المجتمع المدني. وتبدو حالة مصر نموذجا تم احتذاؤه في العديد من البلدان العربية من حيث القيود التشريعية التي تفرضها الدولة المهيمنة على المجتمع بداء من النصف الثاني من القرن العشرين.

ففي أعقاب ثورة يوليو سنة 1952 شهدت البلاد تدريجيا بيروقراطية الدولة المهيمنة التي وصلت أوجها بتطبيق نوع من النظام الاشتراكي في إدارة الاقتصاد، وشهدت أيضا مصادر التعددية في الحياة السياسية، وفرض الوصاية شديدة الوطأة على مؤسسات المجتمع المدني ومنها الجمعيات الأهلية. فتم إلغاء الوقف الأهلي (وهو الشكل التقليدي للمؤسسات الإسلامية ذات الوظيفة الاقتصادية)، كما تم حل الأحزاب السياسية وإلغاء العديد من الجمعيات ومصادرة نشاط النقابات المهنية والعمالية وتحويلها إلى مؤسسات خاضعة لرقابة ووصاية الدولة أو تنظيمها السياسي الواحد. ثم صدر القانون رقم 32لسنة 1964 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة الذي فرض رقابة صارمة من قبل الدولة على تأسيس الجمعيات ومباشرة نشاطها وجعل للدولة سلطة التدخل فيها بل وحلها.

وبدأ هذا الاتجاه المتمثل في إشراف الدولة على الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني في الانتشار في كل الدول العربية حقبة الستينات. فقد انعقد في القاهرة عام 1960 مؤتمر لخبراء الشئون الاجتماعية العرب انتهى إلى ضرورة فرض الإشراف الكامل لوزارات الشئون الاجتماعية في البلاد العربية على العمل التطوعي في كل دولة. وبالفعل صدر في الأردن قانون الجمعيات الخيرية رقم 7 لسنة 1965 الذي فرض على الجمعيات الخضوع لصلاحيات واسعة تباشرها وزارة الشئون الاجتماعية كما خضعت نوادي الشباب لإشراف مؤسسة رعاية الشباب في عام 1966. وهي نفس الظاهرة التشريعية (ظاهرة بسط هيمنة الدولة على مؤسسات المجتمع المدني) التي تكررت في كل من سوريا والعراق والعديد من البلدان العربية الأخرى.

أما في المغرب العربي فقد أخذت هيمنة الدولة على منظمات المجتمع المدني تجليات ومظاهر مختلفة تتوافق من ناحية مع التاريخ العريق لهذه المؤسسات من ناحية ومع الظروف التاريخية التي مرت بها بلدان المغرب العربي من ناحية أخرى. فقد ورثت بلدان المغرب العربي منذ الاستقلال تراثا ممتدا من مؤسسات المجتمع المدني ذا الطابع الديني والتحرري في نفس الوقت. ولعبت الزوايا الدينية والحركات الصوفية دورا بالغ الأهمية في الوفاء بالاحتياجات المادية والروحية للمجتمع المغاربي. ولذلك أخذت مظاهر بسط هيمنة الدولة الحديثة في المجتمع المدني المغربي بخصوصية الأوضاع التاريخية لهذه المؤسسات. فعلى حين بقى العمل الأهلي في دولة المغرب الأقصى بكل تجاعيده ولم يتعرض لسياسات العزل والاقتصاد، فقد كان الأمر مختلفا في تونس والجزائر. ففي تونس استبدلت الهياكل والمؤسسات التقليدية بهياكل مستحدثة تعمل في إطار سياسة الدولة وتحت إشرافها المباشر. وفي ظل هذه الهيمنة تسارعت نشأة هياكل جديدة تهدف ضمان شروط الحياة المدنية وتأكيد مبدأ الاختلاف والتعدد. في حين استبدلت السلطة السياسية في الجزائر العمل الأهلي بمفهوم آخر هو العمل الجماهيري الذي يفصح عن هويته الفكرية في ظل فلسفة جديدة تقوم على أفكار عن السلطة الشعبية المباشرة. وارتفع شعار أن من تحزب خان.

انعكست هيمنة الدولة العربية الحديثة على منظمات لمجتمع المدني على التنظيم القانوني للحق في تشكيل الجمعيات الذي غلب عليه طابع تقييد مبادرات الأفراد وفرض سلطة الأجهزة الحكومية ورقابتها، سواء من حيث اشترط الترخيص الإداري لمباشرة الجمعية لنشاطها، أو من حيث رقابة جهة الإدارة على الجمعية أو حل الجمعية ذاتها أو وقف نشاطها. ورغم النزاعات الليبرالية المحدودة التي بدأت تهب على عدد من التشريعات العربية منذ بداية العقد الماضي، فما زالت التشريعات العربية الحالية الحاكمة لنشاط الجمعيات تفصح عن هيمنة الدولة على هذه الجمعيات وحياتها ونهاية وجودها.

فبالنسبة لتأسيس الجمعيات فإن كافة التشريعات العربية (فيما عدا التشريع اللبناني والتشريع المغربي) تحظر على الجمعية ممارسة نشاطها قبل الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية (راجع مثلا القانون المصري رقم 84 لسنة 2002 والقانون رقم 33 لسنة 1966 في الأردن والقانون الاتحادي رقم 6 لسنة 1974 في الإمارات والقانون رقم 8 لسنة 1998 في قطر والقانون رقم 24 لسنة 1962 في الكويت والقانون رقم 1 لسنة 2001 في اليمن والقانون رقم 1 لسنة 2000 في فلسطين والقانون رقم 93 لسنة 1958 في سوريا).

وتحظر أغلب القوانين العربية على الجمعيات الوطنية قبول التبرعات سواء من الداخل أو الخارج إلا بموافقة الجهة الإدارية. وتعطى العديد من التشريعات للإدارة حق الاعتراض على قرارات الجمعية وتجيز لموظفي الجهة الإدارية التفتيش على سجلات الجمعيات (المادة20 والمادة7 من القانون المصري وما يقابلها في التشريعات الأخرى وإن كانت ثمة تشريعات كالتشريع الكويتي لم يخضع الجمعيات للرقابة الإدارية أثناء مباشرة عملها) كما يجيز القانون في العديد من البلدان للجهة الإدارية حل مجلس إدارة الجمعية ووقف نشاطها ومنع الجمعية المنحلة من التصرف في أموالها وإن جعلت بعض البلدان من هذه الإجراءات محلا لمراجعة القضاء.

ومع كل هذه القيود القانونية يشهد المجتمع المدني العربي حيوية ملحوظة في الكثير من البلدان العربية بالنظر إلى عدد الجمعيات التي تباشر نشاطها فيها. ففي مصر تذهب بعض التقديرات إلى بيان عدد الجمعيات المشهرة تبلغ حوالي 17000 جمعية وفي تونس يبلغ عددها حوالي سبعة آلاف وفي الجزار وفقا لتعداد سنة 1992 حوالي 25000جمعية أما في الكويت فيوجد بها حوالي خمسين جمعية مسجلة رسمية وفي البحرين حوالي 400 جمعية وفي الأردن قرابة 1500 جمعية وفي الإمارات حوالي 100جمعية. هذا بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني الأخرى التي توجد في العديد من البلدان العربية كالنقابات العمالية والنقابات المهنية والنوادي الرياضية وغيرها.

ويبدو أن مشكلة هيمنة الدولة العربية على منظمات المجتمع المدني من خلال التنظيم التشريعي والتدخل الإداري المفرط في توغله قد أوجد في المجتمع العربي حركة ثقافية تنحو إلى الفصل بين المجتمع المدني والدولة بما يكفل استقلالية الأول بعيدا عن الثانية.

** ثقافة الديمقراطية وثقافة المجتمع المدني:

وعلى مستوى المصطلح أصبح المثقفون العرب يفضلون استخدام مصطلح المجتمع المدني بدلا من مصطلح العمل التطوعي أو العمل الخيري أو العمل الأهلي أو غير ذلك من المصطلحات وفى الإمارات حوالي 100 جمعية. هذا بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني الأخرى التي توجد في العديد مرا البلدان العربية كالنقابات العمالية و النقابات المهنية النوادي الرياضية وغيرها ويبدو أن مشكلة هيمنة الدولة العربية على منظمات المجتمع المدني من خلال التنظيم التشريعي والتدخل الإداري المفرط في توغله قد اوجد في المجتمع العربي حركة ثقافية تنحو إلى الفصل بين المجتمع المدني والدولة بما يكفل استقلالية الأول بعيدا عن الثانية.

** ثقافة الديمقراطية وثقافة المجتمع المدني:

وعلى مستوى المصطلح أصبح المثقفون العرب يفضلون استخدام مصطلح المجتمع المدني بدلا. هن مصطلح العمل التطوعي أو العمل الخيري أو العمل الأهلي أو غير ذلك من المصطلحات التي كانت متداولة في حقبة هيمنة الدولة وما قبلها. فلم يظهر مصطلح المجتمع المدني على مستوى الخطاب الثقافي العربي إلا منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وأصبح هذا المصطلح متداولا في الدراسات و. المقالات الصحفية والمؤتمرات والمنظمات الدولية وتقارير وبيانات المنظمات الحقوقية.

فالمصطلح إذن في دخيل على الأدبيات السياسي العربية وهو مصطلح ذو نشأة غربيه ظهر مع ظهور النزعات الليبرالية التي بشرت بها الثورة الفرنسية ضمن ما بشرت به لهن حريات ليبراليه تجعل الفرد ومبادراته متميزا عن الدولة ومؤسساتها.

حقيقة أن مضمون المبادرات الأهلية التطوعية قد عرف في الواقع الاجتماعي العربي كما اشرنا منذ عصور قديمة، ولكن استخدام المصطلح ذي النشأة الغربية يحصل إشارات على أمور عدة:

أولها أن أمر المؤسسات الاجتماعية غير الحكومية التي يتحلق حولها الأفراد للوفاء بحاجاتهم الاجتماعية قد خرج من إطار الرؤية الوظيفية بل والدينية إلى إطار الرؤية الحقوقية والسياسية التي ترى في حق الأفراد في تشكيل منظماتهم المستقلة فرعا من فروع الحريات العامة وأخصها حرية التعبير والاجتماع.

وثانيها أن سقوط و ثبوت عجز الدولة الشمولية قد جعل للمجتمع المدني مفهوما ودورا سياسيا وهو وقوفه في وجه الدولة الشمولية التي تنتهك حقوقا وحريات مواطنيها وبالمعارضة لها وعملا على تحرير المواطنين من بطشها.

وثالثها وعلى المستوى العربي أن سقوط المعسكر الاشتراكي الذي كان نصيرا قويا لعدد من الأنظمة العربية الشمولية قد عرى هذه الأنظمة وفضح عجزها عن أن تحمى حمى أوطانها في مواجهة الاعتداءات الخارجية مع إلغاليها في انتهاك حريات مواطنيها دون مبرر يبرر لها ذلك ودون شفيع من نجاح تحققه على مستوى طموحات المواطنين في العدل والتحرر والتنمية. لقد بات واضحا أن حريات المواطنين العرب قد ضاعت بلا ثمن.

هذه المؤشرات الثلاثة: سقوط الشمولية عالميا، والدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في هذا السقوط، والعجز الذي ظهرت به الدولة العربية الحديثة هي التي أدت إلى تغير وظيفي في مفهوم المجتمع المدني ووظيفته لا على البلدان العربية فحسب وإنما في اغلب في دول العالم الثالث خاصة تلك التي اختارت طريق التحول من نظام الاقتصادي المركزي إلى نظام اقتصاد السوق ومن نظام الدولة الشمولية إلى نظام التحول الليبرالي للمجتمع. في عملية التحول هذه تبلور مضمون الصراع (المدني) وأطرافه على نحو واضح. لقد أصبح النضال من اجل رفع يد الدولة المهيمنة عن الوصاية على المبادرات الطوعية المؤسسية للأفراد هو رافد أساسي من روافد دفع الحماس في أنشطة المجتمع المدني الجديد التي تبلورت فى أغلبها حول موضوعات جديدة على المجتمع المدني في المنطقة العربية مثل أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان ونشر الوعي بها وحماية الأقليات الدينية والعرقية وغير ذلك من الأنشطة التي تضع الدولة العربية بشكل محدد هدفا مباشرا لها.

وفي القلب من هذا التوجه الجديد تأتي شرائح المجتمع المدني التي تناضل في سبيل رفع كافة صور التمييز ضد المرأة. لقد ارتبطت قضية التحرير القانوني والفعلي للمرأة بقضية النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد الدولة المهيمنة. هذا وإن كانت هذه المنظمات النسائية قليلة العدد بالنظر إلى الأعداد الهائلة لمنظمات المجتمع المدني ذات الطابع الخيري أو الثقافي إلا أن دورها الفاعل في سبيل رصد ظاهر عدم المساواة بين الرجال والنساء يتصاعد يوما بعد يوم. بل وبات هذا الدور مؤثرا في فرض العديد من التعديلات التشريعية التي تكرس لمبدأ المساواة وتتلافى صور التمييز. وليس بالمستطاع في هذه الورقة أن نقدم حصرا لهذه المنظمات ولكنها حاضرة الوجود وتقوم بدورها الفاعل في مختلف أرجاء الوطن العربي.

ودخل المجتمع المدني العالمي ممثلا في المنظمات غير الحكومية الأجنبية – وخاصة الغربية، بل والمنظمات والمؤسسات الرسمية والحكومات الغربية طرفا مباشرا في دعم المجتمع المدني العربي ذي التوجه الدفاعي الحقوقي بما في ذلك المنظمات المجتمع المدني الحديث التي تعمل على التبشير بالقيم العالمية (المحسوبة على الغرب) والدفاع عنها خاصة ما يتعلق منها بحماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة. وأصبح تعبير المنظمات القاعدية تعبيرا متداولا لدى منظمات التمويل ويقصد به منظمات المجتمع المدني الحديثة التي أنشأت للتبشير بالقيم السياسية الغربية وفي مقدمتها نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن حقوق النساء والأقليات.

والخلاصة أنه وجدت على ساحة العمل التطوعي العربي ثلاثة أنواع من المنظمات تتباين في أهدافها وفي العلاقة بينهما وبين الدولة: المجتمع المدني الديني والإرثي وهو أقدم أشكال المنظمات غير الحكومية في المنطقة العربية ويعتبر من الناحية العددية ممثلا لأكبر عدد من الأعضاء الذين يقدرون بالآلاف وفي بعض البلدان بالملايين، ويشمل هذا النمط الجمعيات الدينية والجماعات الصوفية والجمعيات الخيرية وجمعيات البر والإحسان. وقد زادت النمط الديني للمجتمع المدني العربي في العقود الأخيرة بسبب تصاعد قوة التيارات الدينية والطائفية في المجتمعات العربية."