أنظمة الجهات الخيرية
12 مايو 2015 - 23 رجب 1436 هـ( 10862 زيارة ) .
المصدر :مداد

إذا اتفقنا بأن العمل الخيري، الذي نناقشه ونتحدث عنه، هو الكيان والمظلة الرسمية المسجلة التي لها هيكل ولها موقع واسم ونشاط، ويعمل بها عدد من الأفراد على صفة الديمومة، وإنما أردت بهذا التوصيف ألا ينصرف ذهن القارئ إلى الأنشطة التطوعية الفردية أو أنشطة المجموعات أو الفرق التطوعية التي تفتقر إلى مجموع ما ذكرناه في وصف الجهة الخيرية محل الحديث هنا، فإذا توحد المفهوم فإننا نتحول بدفة الحديث إلى معوق ومشكلة من مشكلات تلك الجهات، وهي ضعف اللوائح والأنظمة، وذلك مظهر من مظاهر ضعف العمل المؤسسي فيها.

فحين يكون العمل المؤسسي في أحد تعريفاته: "التجمع المنظم بلوائح، يوزع العمل فيه على إدارات متخصصة، ولجان وفرق عمل، بحيث تكون مرجعية القرارات فيه لمجلس الإدارة، أو الإدارات في دائرة اختصاصها؛ أي أنها تنبثق من مبدأ الشورى، الذي هو أهم مبدأ في العمل المؤسسي".

ولعل الباحث عطية [1] أشار إلى تلك المشكلة، حين بحث الموضوع، وسجل أسباب عزوف الجهات الخيرية وتأخرها عن مأسسة أعمالها، ولخصها في الآتي:

  • طبيعة المجتمعات من حيث عدم ترسخ العمل المؤسسي في حياتها، وتأصل الفردية، وضعف الروح الجماعية والحوار والمناقشة والمشاركة.
  • ضعف المهارات الإدارية لدى كثير من العاملين في القطاع الخيري.
  • انتشار الأعمال الخيرية، والتوسع في افتتاح تلك الجهات، مع قلة الطاقات المؤهلة.
  • الخلط بين العمل الجماعي والعمل المؤسسي.
  • حداثة العمل الخيري العربي المعاصر؛ فإنه إذا ما قورن عمره بعمر المؤسسات الغربية فإنه قصير جدا.

تظهر وتبدو بوضوح مشكلة ضعف بناء الأدلة والأنظمة في تلك الجهات بعد مدة من انطلاقة تلك الجهة في أعمالها، حيث الجهة الخيرية منتج هجين، لا هو بالنظام الحكومي، ولا هو بالنظام التجاري، يفترض في الداخلين فيه التسامح بينهم، والاستسلام المطلق والثقة، لكن مع التوسع في الأعمال تظهر معالم الترهل في التنظيم والتوصيف الوظيفي، وبيان الحقوق والواجبات، والحاجة إلى ابتداع حل أو حلول في كل مرة يتم فيها التعامل مع أحد المواقف والبرامج الاعتيادية التي تقوم بها تلك المؤسسة، وأيضا تضارب وتعارض قراراتها ورؤاها نتيجة عدم وضوحها وعدم بنائها البناء الصحيح، وبالتالي عدم صلاحيتها، وضعفها يبدو كذلك من حيث سهولة اختراقها من قبل منسوبي الجهة أو المتعاملين معها.

تحتاج تلك المؤسسات إلى أن تتوجه إلى التسليم بوجود المشكلة أولا، ثم التعاون مع الجهات المتشابهة الأنشطة لوضع استثمار خاص، ولو كان مدعوما من جهة مانحة، لكي تتبنى بناء لوائح وأنظمة وأدلة عمل وحقوق وواجبات، وسن تشريعات وآليات تعامل مع المواقف، تكون مناسبة ومتسقة مع المتغيرات الحالية والقفزة الهائلة للعمل الخيري التي نشهدها حاليا ـ ولله الحمد ـ.

ثم يعهد إلى تلك القوانين واللوائح بتجديدها وتعاهدها بالتطوير والتحسين والمراجعة، ثم اعتمادها من قبل جهات رسمية أخرى، أو بطريقة أوضح تعتمد من الجهات الإشرافية  لتلك الجهات، ولا يكتفى بوجودها داخل تلك المؤسسة، كما يتم التأكد من عدم تعارضها مع القوانين واللوائح المرعية في ذلك البلد الذي فيه تلك الجهة الخيرية؛ لأن بعض الأنظمة، حتى لو كانت منصوصا عليها، تصبح لاغية في حال تعارضها مع القوانين العامة المرعية والسائدة في ذلك البلد، أيضا يعمد إلى نشرها وتوزيعها، وتوالي سلسلة تثقيف ومراجعة لمنسوبيها بها؛ لضمان الدراية بها، وتقليل النزاعات التي قد تقع أثناء سير العمل.


ولا يمنع أبدا من تدريب بعض الكوادر وإلحاقهم في دورات سن الأنظمة والقوانين واللوائح والأنظمة، أو صياغة العقود، وتوالي برامج التثقيف بأخطاء قد تقع أثناء إجراء بعض تلك الأعمال.

______________________________________________________________________________________________________
[1] عطية، محمد ناجي، البناء المؤسسي في المنظمات الخيرية: الواقع وآفاق التطوير، موقع صيد الفوائد.