التطوع الوظيفي... الرغبة المسجونة
9 نوفمبر 2013 - 6 محرم 1435 هـ( 455 زيارة ) .

يشعر الكثير من الموظفين في القطاعين العام والخاص بالولاء المنقطع النظير للكيان الذي قضوا فيه اكثر من ثلث اعمارهم لانهم عرفوا الدنيا عن طريق هذا الكيان واخذوا جل تأهيلهم العلمي والعملي من خلاله وكونوا صداقات يعدونها رأس مال ثابت وعلاقات دامت عشرات السنين في عملهم ثم تواصلوا مع العالم الخارجي بكل موجوداته من قنوات بيتهم الثاني (جهة العمل) ولديهم اعتراف بالجميل لهذا الكيان الذي ساهم بان يكون لهذا الفرد اسرة سليمة البدن مشبعة الحاجات من خلال التأمين الطبي والراتب الشهري غير المكافآت والحوافز التي يمنحها القطاع شبه الحكومي او القطاع الخاص، وشعروا بعد ذلك بحب يتراكم ووله يتزايد وارتباط لا يستطيع احد ان يفصلهم عنه الا اذا ساءت الخاتمة معهم وانكر جهدهم وهمش دورهم او طعنوا في اماناتهم ولم تقدر لهم سنوات الخبرة والخدمة التي تجاوزت الاربعين عاماً او لن تقل بأي حال عن عشرين عاماً عند التقاعد المبكر لمن رغب في ذلك وهم قليل ان تم مقارنتهم بمن اكملوا الخدمة.

ان ما سبق من حديث اعتبرته مدخلاً استفسر من خلاله عن اسباب عدم وجود نظام للتطوع الوظيفي وعدم اعداد الية لتطبيقه وتمكين من يرغب فيه الى مزاولته طالما انه تطوع مجاني يجعل هذا الانتماء يتزايد عند الاباء ويورثونه للأبناء ويقدمون من خلاله خبرتهم بشكل يتأكد معه استمرار العمل والحفاظ على خدمة العملاء وعدم حدوث فراغ في اداء المهام عند تغييرات الهيكل ودوران العمل خاصة وان هذا الامر لن يكلف الجهاز الاداري أي نفقات مالية بل سيحفظ به استمرار الولاء والعطاء ويحقق به الوفاء لمن يستحقه، وطالما ان الجهاز الاداري مخير فيمن يرغب الاستعانة به ممن يرغب الاستغناء عنه بالكلية فان القناعة به مؤكدة كما ان امر التطوع في حال تحقيقه لن يحتاج سوى مكان مناسب ومكاتب يزاول من خلالها العمل وتحديد ساعات بالاتفاق مع المتطوع ليقضيها داخل ادارته ووقت معين يلتزم به في الافادة عما يحتاج اليه فيه، وهو حال تستطيع عليه كل المصالح العامة والخاصة ان صدقت النوايا في تطبيقه وتحقيقه.

ولان التجربة خير برهان فانا ممن جرب قسوة تلك الرغبة المسجونة لأنني رغبت وكأول متطوع ان استمر في العمل بشركة الاتصالات السعودية وهي الكيان الذي قضيت فيه 25 سنة ووصل ولائي وانتمائي لها لدرجة قد لا تصدق ولم احظ بتلك الرغبة بشكل رسمي ولكن رحب بها القيادات المسؤولة فيها واعتذروا عن عدم وجود الية تنظم ذلك ولكن فتح الباب على مصراعيه للتطوع في المسؤولية الاجتماعية وصندوق التكافل الاجتماعي وابقوا مكتبي ووسائل الاتصال موجودة حتى الان بصفة شخصية واكتفوا مشكورين بالإيجابية في التعامل ومقابلة الوفاء بالوفاء ولهم قوافل من الشكر على حسن صنيعهم وسأبقى وفياً لهم ما حييت، ثم اعدت الكرة مرة اخرى مع الكيان الشاب الهيئة العامة للسياحة والاثار الذي احسست فيه بالانتماء والرغبة في العطاء حتى مع قصر المدة التي بقيتها فيه ولكن مع الاسف لم احظ بتحقيق رغبتي والتطوع فيه حتى ولو في برامج المسؤولية الاجتماعية وصندوق التكافل ولا زلت اطرق الباب لذلك وسأستمر من فرط حبي واعجابي بقياداتها وبيئتها وكل موجوداتها وبقي تطوعي لها وتواصلي معها من خلال علاقاتي الرائعة فيها ولا زلت احمل بكل شرف بطاقتي التعريفية وكأنني احد منسوبيها واحس بشرف المكان معها دائماً.

والمثال الايجابي الاخر وجدته في الغرفة التجارية الصناعية بالرياض التي رحبت بالطوع في احد اهم مهامها وهي خدمة المجتمع وجعلت المشرف العام على تلك المهمة هو الشيخ الفاضل عبدالله المقيرن الذي يعد بكل صدق احد رموز المسؤولية الاجتماعية وأحد بناة خدمة المجتمع ورواده ويحظى باحترام الجميع وتقديرهم، وهو اما رئيس لمجلس ادارة او نائب له او عضو في مجلس اخر للجمعيات الخيرية الخاصة بالأمراض (السرطان والايدز وغيرها) بالإضافة الى انه نائب رئيس مجلس المسؤولية الاجتماعية بغرفة الرياض، وكفلت له الغرفة المكانة المناسبة والمكتب اللائق والسكرتارية وجميع وسائل الاتصال ويحضر يومياً للدوام ويتجاوز وجوده ساعات الدوام الرسمي ويشارك على حسابه الخاص في العديد من المؤتمرات الخاصة بخدمة المجتمع وما دفعه لذلك الا حب العمل التطوعي ولأنه صاحب رسالة اجتماعية رائدة ووجد من يحتضن هذه الدوافع والمبادرات ويعينه على تحقيقها، والغرفة التجارية تستحق الشكر والتقدير على وقفتها الرائدة التي مكنته وغيره من التطوع والاسهام في خدمة المجتمع من خلال لجانها المتعددة سواء الخيرية والاجتماعية او لجانها المختصة التي يساهم فيها الاعضاء متطوعين لخدمة وطنهم ومواطنيهم واقتصادهم وسبل تجارتهم.

واخيراً.. الا يمكن دراسة ذلك من وزارة الخدمة المدنية والتأمينات الاجتماعية والرفع لوزارة المالية بما يتم التوصل اليه كي يكون نظاماً دقيقاً له آليات واضحة ولوائح تنظيمية وتنفيذية حتى ولو اخذ ذلك الوقت الطويل الذي تعودنا عليه، او ان تشكل لجنة مصغرة لدراسة ذلك والخروج بقرار يبسط تحقيقه طالما انه لا يحمل خزانات القطاعين العام والخاص أي تكاليف مالية او تبعات قانونية وهل بالإمكان ان يقوم مجلس الشورى او لجنة الاصلاح الاداري بمناقشة ذلك.