دور الوقف في دعم البحث العلمي (دراسة فقهية)
3 نوفمبر 2013 - 29 ذو الحجة 1434 هـ( 11122 زيارة ) .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الأوقاف لها دور كبير عبر التاريخ في البناء الحضاري والتنموي للدول، وتلبية حاجات المجتمع المتنوعة، ودعم البرامج النافعة لعموم الناس، والتاريخ الإسلامي حافل بالأوقاف التي حققت مصالح المسلمين من عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر، يشهد لذلك الأدلة والنصوص في السنة النبوية، والتاريخ الإسلامي، والسجلات والوثائق الخاصة بالأوقاف التي شيدت لدعم البر والخير والتنمية كبناء المساجد، والمدارس، والمكتبات، ورعاية الأيتام والفقراء، وحفر الآبار، والخدمات الصحية.. وغيرها.
وقد قامت الأوقاف بتمويل العديد من الحاجات والخدمات الأساسية والعامة للمجتمع مما يخفف العبء على ميزانيات الدول.
ويعتبر البحث العلمي أساساً للتقدم في شتى المجالات العلمية والتنموية، والحاجة ماسة في عصرنا الحاضر مع تقدم البحث العلمي، وتطور تقنياته، وزيادة تكاليف المعيشة، وحاجة المجتمع إلى التقدم ومواكبة متغيرات العصر، وتلبية حاجاته المعاصرة إلى الإفادة من الوقف، وتطوير آلياته، وابتكار صيغ تتناسب مع الاقتصاد المعاصر، وتراعي الأحوال والظروف الاجتماعية، والتوعية والتثقيف لتحفيز الناس على المشاركة في الأوقاف لضمان استمرارها، وقيامها بدورها المنشود، وسواء أكان هذا التطوير في صورة الموقوف أم صيغة الوقف، أم في طريقة إدارته واستثماراته، أم في مجالات صرف ريعه.


ويسرُّني المشاركة بهذا البحث الموسوم ب "دور الوقف في دعم البحث العلمي - دراسة فقهية" في منتدى المشاركة المجتمعية في مجال البحث العلمي في المملكة العربية السعودية، المنعقد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وسأحاول الاختصار، وتجاوز الكثير من المقدمات والممهدات في موضوع الوقف وأهميته، والتي بُسطت في كثير من الدراسات السابقة، كما أني سأحاول التركيز على المسائل الفقهية بما يتناسب مع طبيعة المنتدى.
ومن ذلك:


1- دور الوقف في دعم البحث العلمي بشكل عام، والبحوث الفقهية على وجه الخصوص.
2- المستند الفقهي لصور الوقف على البحث العلمي، والمجالات والمصارف الشرعية التي يمكن أن تصرف لدعم البحث العلمي.
3- ضرب الأمثلة بالتخصصات الفقهية.
ويأتي هذا المنتدى في وقت تشهد فيه الجامعات السعودية اهتماماً بارزاً بدعم البحث العلمي، ومراكز الأبحاث، وتمويل المشروعات البحثية، ويتزامن مع هذا اهتمام ملموس بإنشاء الأوقاف لدعم التعليم والبحث العلمي، وتشجيع الكراسي البحثية الوقفية وغير الوقفية.
أسال الله أن تكلل هذه الجهود المباركة بالتوفيق والنجاح لتحقيق الأهداف الطموحة.
المبحث الأول: تعريف الوقف
الوقف في اللغة: أصل يدل على تمكث في الشيء, مصدر وقف.
ومن معاني الوقف في اللغة: الحبس، والمنع، والسكون، والسكوت، والإدامة.
الوقف في الاصطلاح: عرف الفقهاء الوقف بتعريفات متعددة وفق اتجاهات مختلفة, ومن أخصر تلك التعريفات وأوضحها أن الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.
 

المبحث الثاني: مشروعية الوقف وخصائصه
الوقف مشروع بالكتاب والسنة, وقد تضافرت النصوص على مشروعيته والحث عليه، ومن هذه النصوص:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له.
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره, وولدا صالحا تركه, ومصحفا ورثه, أو مسجدا بناه, أو بيتا لابن السبيل بناه, أو نهرا أجراه, أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده, فإن شبعه وريّه وروثه وبوله، في ميزانه يوم القيامة.
4- عن عمر رضي الله عنه: كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث صفايا: بنو النضير, وخيبر, وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه, وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل, وأما خيبر فجزأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين, وجزء نفقة لأهله, فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين.
5- وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أن عمر - رضي الله عنه - أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها))، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه.
وكثير من أحكام الوقف ثابتة بالاجتهاد نظرا لأن النصوص الواردة فيه في جملتها عامة الدلالة، مما دعا العلماء إلى بذل الجهد في تفصيل أحكامه وبيانها، ويعد هذا العموم ميزة توسع مجالات الوقف وتواكب متغيرات الزمان.
ويتسم الوقف بسمات وخصائص من أهمها ما يأتي:


1- أن الوقف من الصدقة الجارية على أعمال البر, والتي يراد منها الأجر والمثوبة، واستدامة منفعتها في الدنيا والآخرة، وهو من عقود التبرعات التي يقصد منها التقرب والطاعة، كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة.
2- التأبيد والاستدامة من خصائص الوقف بحيث لا يمكن التراجع عنه أو فسخه.
3- ما يحققه الوقف من مشاركة فاعلة في التنمية, ومساندة الجهود الحكومية في توفير ما يحتاجه المجتمع من موارد تلبي احتياجاته ومصالحه.
4- شمولية الوقف في أنواعه ومجالاته ومصارفه المتنوعة التي تحقق شتى حاجات الأمة.
5- إمكانية المشاركة في إقامة الوقف، ونظام الوقف مفتوح أمام جميع المسلمين وغيرهم, وقد جاءت قواعد الوقف وأصوله باستيعاب ذلك.
6- الوقف نظام جمع بين التبرع في أصله، والاستثمار والإدارة اللازمة لتنميته واستمراره.
7- للواقف أن يضع شروطاً في مصارف الوقف ومجالاته، وهذه الشروط يجب الوفاء بها والالتزام بها ما لم تخالف الأحكام الشرعية، كما أن للواقف أن يقيم ناظراً يشرف على الوقف، ويلتزم بشروطه.
8- الوقف يمثل إحدى الصيغ المبكرة في الفقه الإسلامي التي كان لها دور في إيجاد عدد من التطبيقات المعاصرة؛ حيث يعتبر الوقف أساساً لفكرة الشخصية الاعتبارية.
 

المبحث الثالث: أنواع الوقف
للوقف أنواع باعتبارات متعددة :
فينقسم باعتبار الموقوف عليه إلى: الوقف الخيري, والوقف الأهلي الذري, والوقف المشترك.
وينقسم باعتبار محل الوقف إلى: وقف العقار, ووقف المنقول, ووقف الأموال النقدية, ووقف المنافع, ووقف الحقوق.
وينقسم باعتبار الزمن إلى: وقف مؤبد, ووقف مؤقت بزمن.
وينقسم باعتبار المشروعية إلى: وقف صحيح، ووقف غير صحيح.
وينقسم باعتبار طريقة الوقف أو مضمونه إلى: الوقف المباشر, والوقف الاستثماري.
وسأتناول أنواع الوقف بهذا الاعتبار الأخير بشيء من التفصيل لمناسبته لموضوع هذا البحث.
والمقصود بالأوقاف المباشرة: هي التي تقدم خدمات مباشرة للموقوف عليهم بحيث يمكن الاستفادة من ذات الموقوف.
ومثال ذلك: وقف المبنى ليكون مسجدا تقام فيه الصلاة, وكذلك وقف المدرسة للتعليم, والمستشفيات للعلاج, والمكتبات للباحثين وطلاب العلم.. ونحو ذلك.
وأما المقصود بالأوقاف الاستثمارية فهي الأموال التي يتم وقفها لا بقصد الانتفاع بذاتها، وإنما بقصد الانتفاع بريعها الذي يتم الاستفادة منه لأغراض الوقف.
مثال ذلك: وقف مبنى يتم تأجيره، ومن ثم الاستفادة من ريعه في الصرف على الباحثين ومراكز البحوث.
 

المبحث الرابع: شروط الواقف
يقصد بشروط الواقف تلك الشروط التي يشترطها الواقف عند إنشائه للوقف، وهي في الغالب جارية مجرى الشروط في العقود، والاتجاه العام الذي رجحه أغلب الفقهاء هو أن الأصل في الشروط الإباحة، ولا يحرم أو يبطل إلا ما دل الشرع على حرمته أو بطلانه، نصَّا، أو قياسًا.
والأصل في شروط الواقفين المعتبرة شرعًا أن تكون ملزمة للنظار ولمتولي الوقف، وليس لهم مخالفتها، وقد قعّد لذلك الفقهاء قاعدتهم المشهورة في شروط الوقف: "شرط الواقف كنص الشارع" ، أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، ولكن لا ينبغي العمل وتنفيذ أي من الشروط إلا ما كان فيه طاعة لله ويحقق مصلحة للمكلف، وأما ما كان بضد ذلك فلا اعتبار له .
وشرط الواقف له أثره في مصارف الوقف، فقد ينص على مجال من مجالات البر أو أكثر بتفصيل أو بإجمال، وقد يعمم المصرف في وجوه البر حسب ما تقتضيه المصلحة.
ويحتاج الناس في هذا العصر إلى التوعية بما يحتاجه المجتمع من حاجات قد يغفل عنها الناس، أو لا يقدرون أهميتها، وعظم مصلحتها، مثل البحث العلمي الذي يتحقق به رقي المجتمع وتطوره، ويمكن للجامعات المساهمة بهذه البرامج التوعوية ، كما يمكن لها أن تعد لوائح وصيغاً للمصارف التي يحتاج إليها المجتمع، تساعد الواقفين حين رغبتهم في الوقف.

المبحث الخامس: الوقف المباشر العيني على البحث العلمي

هناك صور متعددة للوقف المباشر على البحث العلمي  منها:

1. وقف الكتب:
وهذا النوع يصدق عليه أنه تحبيس أصل لينتفع بالاطلاع عليه, وهو مما يبقى ويدوم وإن كان منقولاً غير ثابت، ويدل على مشروعيته: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: ((من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده, فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة)) .
كما أنه متيسر لكثير من الناس أن يشارك في هذا النوع من الوقف نظراً لقلة كلفة الكتاب في هذا العصر، وسهولة الحصول عليه ونشره, هذا ويمكن أن يشجع الناس على هذا النوع من الوقف ببرامج توعوية تثقيفية في المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وعبر المطويات والنشرات التعريفية بأهمية وقف الكتب لطلاب العلم والباحثين من خلال وسائل وطرق متنوعة؛ منها:
- أن يشتري الواقف مجموعة من الكتب النافعة،ويقوم بوقفها ووضعها في المكتبات العامة ومكتبات الجامعات.. وغيرها.
- أن تعد قائمة بالكتب المهمة التي يحتاج إليها الباحثون وطلاب العلم مقرونة بأسعارها, ومن ثم يتم شراؤها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
- أن يشترك من يرغب في الوقف اشتراكا شهريا أو سنويا لوقف الكتب الجديدة.
- أن يقوم مؤلف الكتاب بوقف نسخ معينة من كتبه للمكتبات العامة.
- أن يقوم المؤلف بوقف حقوق طبع الكتاب ونشره لمن أراد نشره مجانا, فيكون بذلك قد وقف ما يملكه من حقوق معنوية للكتاب.

2. وقف البرامج الحاسوبية:
تحوي البرامج الحاسوبية عدداً كبيراً من الكتب المتخصصة، ويتوفر في هذه البرامج غالباً محرك بحث، يمكن الباحث من الوصول للمعلومة التي يبحث عنها بدقة، وفي كل المواضع، وقد تم إصدار عدد من البرامج المتخصصة في الفقه من الكتب التراثية، أو الكتب والمجلات المعاصرة المتخصصة في الفقه، أو الفتاوى المعاصرة.
ويمكن لمن يرغب في الوقف بهذا النوع من البرامج شراء نسخ من البرنامج العلمي، ومن ثم توفيره للمكتبات العامة ومراكز الأبحاث، أو إهداؤه للباحثين وطلاب العلم.

3. وقف المكتبات:
وذلك بأن يقوم الواقف ببناء مكتبة وتزويدها بالكتب التي يحتاج إليها الباحثون في العلوم النافعة في شتى التخصصات, أو في التخصص الذي يحدده الواقف، كما يتم تزويدها بالوسائل التي تخدم الباحثين؛ مثل: أجهزة الحاسب، وبرامجه، وشبكة المعلومات الإنترنت، وقواعد المعلومات، ومحركات البحث ، وبذلك يشارك الأفراد والقطاع الخاص في وقف المكتبات كما كان ذلك معهوداً على مر التأريخ.
والمكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية هي جزء من الصورة التي سادت المجتمعات في التاريخ الإسلامي وفي هذا العصر، خاصة في مكة المكرمة والمدينة النبوية التي اندثر كثير منها .
وأقترح في هذا الصدد ما يأتي:


- توعية الأفراد والقطاع الخاص بأهمية المشاركة في إنشاء المكتبات الوقفية.
- متابعة الإصدارات الجديدة، وتطوير الآليات المناسبة لتزويد المكتبات الوقفية بها.
- التواصل مع المكتبات العامة المحلية والعالمية، والاشتراك في الشبكات وقواعد المعلومات التي تخدم الباحثين.
- متابعة البرامج الحاسوبية الجديدة.
- متابعة الموسوعات الورقية والإلكترونية.
- الاشتراك في الدوريات والمجلات ومراكز الأبحاث.
- تهيئة المكان المناسب للقراءة، وأوقات الاستراحة.
كما أدعو إلى نشر ثقافة وقف المكتبات العلمية داخل الأحياء السكنية، والاهتمام بتوفير كافة الإمكانات اللازمة لجذب الباحثين وعامة الناس للإفادة منها، والتعود على الاطلاع والقراءة، على غرار مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، بإشراف من الجهات المختصة بالمكتبات العامة.
وتوفير مثل هذه المكتبات في الأحياء له فوائد كبيرة للباحثين من أهمها توفير الوقت في الانتقال إلى المكتبات العامة خاصة في المدن الكبيرة مثل مدينة الرياض .

4. وقف الأجهزة:
يمكن للواقف أن يقف أجهزة الحاسب، أو التجهيزات التي تحتاجها المكتبات، أو المعامل المتخصصة، أو الأدوات والأجهزة التي يحتاج إليها الباحثون، مما يمكن الانتفاع به بعينة لخدمة الباحثين، وتطوير البحث العلمي.

المبحث السادس: الوقف الاستثماري لدعم البحث العلمي
تبرز في العصر الحاضر أهمية توفير الموارد المالية بصيغة الوقف الاستثماري الذي يصرف ريعه لدعم البحث العلمي؛ نظراً لتطور البحث العلمي، وتطور الإدارات الإشرافية، ومراكز البحوث، وسعة مجالات البحث العلمي لمواكبة متغيرات العصر وفق الأسس العلمية.
وسأعرض فيما يأتي أبرز المجالات والكيانات البحثية التي يمكن صرف ريع الأوقاف فيها:

1- مراكز البحوث:
تعتبر الموارد المالية من العناصر الأساسية لإنجاز البحث العلمي في الواقع المعاصر الذي يتطلب مجموعة من المصروفات اللازمة لإنجاز البحث العلمي على الوجه الأمثل في مراكز البحوث المتخصصة.
ومن هذه المصروفات على سبيل المثال:

المصروفات على الجهاز الإداري: وهذا الجهاز له أهمية بالغة في وضع خطة الجامعة أو مركز البحوث، واستكتاب الباحثين، أو تلقي طلباتهم ومشاريعهم البحثية، والتواصل معهم، والإشراف العلمي، وتقديم الخدمات للباحثين.. إلى غير ذلك.
وطبيعة هذه المصروفات أنها مصروفات دائمة، وليست مؤقتة، والملائم لتلبية هذه المصروفات الدعم الثابت المستمر من ريع الأوقاف المخصصة لدعم البحث العلمي، وليس التبرع المقطوع أو المخصصات المقطوعة، وهذا الريع الدائم مفيد في رسم الخطط الاستراتيجية، والخطط التوسعية، كما أنه مفيد في بناء الخطط التشغيلية ومؤشرات الأداء.
والحكم الفقهي للصرف على الجهاز الإداري من ريع الوقف المخصص لدعم البحث العلمي، أنه يجوز ذلك - مع أن هذا الجهاز الإداري لا يباشر العمل البحثي، وإنما يقدم الخدمات المساندة للباحثين، وللبحث العلمي -؛ لأن في ذلك تحقيقاً لمصلحة البحث العلمي، وهي من المصارف التي تحقق مصلحة شرعية، وتدخل في عموم الصدقة الجارية وفي سبيل الله.
مكافآت الباحثين: وهذه المكافآت لها أهميتها في حفز الباحثين على تفريغ أوقاتهم للانشغال بالبحث العلمي.
ويجوز الصرف من الوقف لطلاب العلم والباحثين بإعطائهم مبالغ بصورة مكافأة أو حافز أو نحو ذلك؛ لما في ذلك من مصالح ظاهرة.
كما أنه يجوز للباحثين أخذ هذه المكافآت مع إخلاصهم النية أن تكون هذه الأبحاث مبتغى بها وجه الله لا عرضاً من الدنيا، وهذه المكافآت مما يعين على طاعة الله كما جاء في الحديث:إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله.
ومبلغ هذه المكافآت يختلف باختلاف مستوى الباحث، ودرجته العلمية، وطبيعة البحث، وغير ذلك من الاعتبارات.


رواتب الباحثين:
تضم مراكز الأبحاث عدداً من الباحثين الدائمين في المركز، ووجود الباحثين الدائمين مفيد جداً في إثراء البحث العلمي، والقدرة على إنجاز خطة البحث في أي مجال من المجالات التخصصية، وما يصحبه من إنجاز للبحوث، والنقاش المثمر بين الباحثين.
والصرف من الأوقاف المخصصة لدعم البحث على العلمي على رواتب الباحثين جائز، ويعتبر من المصارف الأساسية، خاصة وأن الباحث فرغ منفعته ووقته وفق عقد الإجارة على العمل الموقع مع مركز الأبحاث.

مكافآت اللجان العلمية:
وتقوم هذه اللجان بالإشراف العلمي، وضمان جودة الإنتاج العلمي في المؤتمرات والندوات والمجلات العلمية ومراكز البحوث ونحوها، وتكون مكافآت هذه اللجان غالباً مقابل الاجتماعات بمبلغ مقطوع لكل اجتماع حسب اللوائح المالية المنظمة.
ويمكن الصرف من الأوقاف المخصصة للبحث العلمي على اللجان العلمية؛ لأن وجودها يحقق مصلحة البحث العلمي وجودته والتخطيط له.

مكافآت التحكيم العلمي:
جرت العادة أن يكون هناك تحكيم علمي وفق أسس علمية بحيث يعطى البحث بعد إنجازة لاثنين أو أكثر من المحكمين، لإبداء تصويباتهم، ومقترحاتهم التطويرية، ولإعطاء حكم لقبول البحث للنشر أو عدمه.
ويجوز الصرف من الأوقاف المخصصة للبحث العلمي على هذا النوع من المكافآت لما في ذلك من مصلحة تطوير البحث العلمي، والاطمئنان لصلاحيته للنشر.

إدارة متابعة التوصيات إدارة مقترحة:
في كثير من الأحيان تخلص المؤتمرات والندوات التي تقدم فيها مجموعة من البحوث وأوراق العمل إلى توصيات، وتخلص كذلك البحوث العلمية في المجلات العلمية، والبحوث العلمية المدعومة إلى توصيات، وتعلن هذه التوصيات، وتنشر في وسائل الإعلام غالباً،لكن يندر أن تكون هناك جهة في مراكز الأبحاث أو الجامعات تعنى بتفعيل هذه التوصيات، والسعي لتطبيقها، وأقترح في هذا البحث أن يكون من ضمن الإدارات الرئيسة في مراكز الأبحاث، وعمادات البحث العلمي في الجامعات إدارة لمتابعة تطبيق التوصيات التي خلصت إليها البحوث العلمية، يمكن تسمية هذه الإدارة بإدارة البرامج العملية لتوصيات البحوث، أو إدارة متابعة توصيات البحوث العلمية.

ويكون من أبرز مهامها ما يأتي:
- نشر توصيات المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية، والبحوث العلمية المدعومة، والرسائل الجامعية، في وسائل الإعلام المتنوعة.
- مخاطبة الجهات ذات العلاقة في القطاعين الحكومي والخاص بالتوصيات.
- التنسيق مع الجهات ذات العلاقة للإفادة من التوصيات، وتطبيق ما يصلح منها على أرض الواقع.
- التنسيق لعقد حلقات نقاش تجمع الباحثين والممارسين، لتطوير ما توصلت إليه البحوث، والسعي لابتكار منتجات جديدة يمكن أن يستفيد منها المجتمع.
ويجوز الصرف من ريع الأوقاف المخصصة لدعم البحث العلمي على إدارة متابعة التوصيات, وما يتبعها من برامج عملية؛ لأن هذا يحقق ثمرة البحوث العلمية وهو تطبيقها في الواقع ليستفيد منها المجتمع، ويعم نفعها، ويحقق النمو والتقدم والتطور، وهذا من الإتقان والإحسان الذي دعت إليه النصوص الشرعية.

2- الموسوعات العلمية:
تقدم الموسوعات العلمية المتخصصة خدمات نافعة للباحثين، وتوفر لهم كثيراً من الوقت والجهد، خاصة إذا اعتني فيها بالإشراف العلمي، واختيار الباحثين المتميزين، ومن أمثلة هذه الموسوعات في عصرنا الحاضر: الموسوعة الفقهية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف في الكويت، التي أصدرت ما يزيد على خمسين مجلداً، كما أنها صدرت في نسخة إلكترونية، ومن الموسوعات التي جمعت كتب التراث في الفقه، وموسوعة جامع الفقه الإسلامي التي قامت بإعدادها شركة حرف للتقنية، وقد قامت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بشراء نسبة كبيرة من هذه الموسوعة وإتاحتها مجاناً على موقع الإسلام الذي تشرف عليه الوزارة.
وهذا النوع من الأبحاث الموسوعية يحتاج إلى مجموعة كبيرة من الباحثين المتخصصين والإداريين، كما يحتاج إلى موارد مالية, وتعتبر الأوقاف من أبرز الموارد لإنجاز هذه المشاريع العلمية، وذلك لما يتسم به الوقف من الديمومة والاستمرارية التي يحتاج إليها لتغطية النفقات التشغيلية.

والموسوعات قد يكون الهدف منها بحث مسائل وجمعها وتحريرها في مجال معين، مثل تأليف موسوعة في القضايا الفقهية المعاصرة، أو المعاملات المالية المعاصرة، أو المسائل الفقهية في القضايا الطبية المعاصرة.
وقد يكون الهدف منها جمع ما كتب في موضوع معين من الكتب والبحوث المحكمة وغيرها، والمقالات، والقرارات المجمعية، وقرارات الهيئات العلمية، مثل تأليف موسوعة في بحوث المعاملات المعاصرة، أو المعاملات المصرفية.

3- كراسي الأبحاث:
برزت هذه الصيغة من صيغ البحث العلمي وتطوير مؤسساته وموارد دعمه، وقد جاء تعريف الكرسي العلمي: بأنه عبارة عن منحه نقدية أو عينية, دائمة أو مؤقتة, يتبرع بها فرد أو شخصية اعتبارية, لتمويل برنامج بحثي أو أكاديمي في الجامعة, ويعين فيه أحد الأساتذة المتخصصين المشهود لهم بالتميز العلمي والخبرة الرائدة والسمعة الدولية.
والكراسي العلمية على نوعين من فئتين:
- الكراسي الوقفية: وهي التي يتم تمويلها عن طريق الأوقاف العينية الدائمة للجامعة.
- الكراسي المؤقتة: وهي التي يتم تمويلها عن طريق التبرعات والمنح والوصايا لفترة زمنية محددة.
ولهذه الكراسي أنظمة ولوائح تنظم إجراءات الكرسي، ولوائحه ومميزاته.
وقد أثبتت هذه الصيغة نجاحها في تشجيع المتبرعين على التبرع لدعم هذه الكراسي التبرع المقطوع، أو الوقف لصالح كرسي محدد أو كراسي متجددة.
وأوصي بهذه المناسبة القائمين على هذه الكراسي بتطوير عمل هذه الكراسي، والاهتمام بتشغيلها وإدارتها بالأسلوب الأمثل لتتحقق منها النتائج العملية التي تخدم المجتمع.
وفيما يتعلق بالكراسي المتخصصة في الفقه الإسلامي أقترح ما يأتي:
- أن يكون موضوع الكرسي مركزاً في دراسة نازلة معينة، أو في مجال محدد يعم نفعه، وينتج عنه برامج عملية تخدم المجتمع.
- يمكن إثراء موضوع الكرسي البحثي بمنظومة من الآليات والوسائل، ومن ذلك: استكتاب الباحثين في دراسة مشكلة محددة، وعقد الورش العلمية وحلقات النقاش لدعم التصور الصحيح للمسألة، وعقد اجتماعات تجمع الفقهاء مع الممارسين في الشركات والمؤسسات المالية إذا كانت المسألة في المعاملات المالية، أو مع الأطباء إذا كانت في المجال الطبي وهكذا، وتطوير نتائج البحوث والنقاشات والخلوص بمنتج، أو براءة اختراع في مجال معين، بحيث تتحقق الثمرة والنتائج العملية التي تخدم الهدف الذي أنشئ الكرسي البحثي من أجله.
- الإفادة من مخرجات الكرسي البحثي، ومنها: الإصدارات التي تجمع البحوث والدراسات، والإصدارات التي تجمع النقاشات التي دارت في حلقات النقاش المنعقدة في مدة الكرسي البحثي، والإصدارات المرئية للفعاليات التي أقيمت ضمن برامج الكرسي البحثي، والأفلام الوثائقية التي رصدت تاريخ الكرسي البحثي وبرامجه.


4- مراكز التميز:
نشأت حديثاً مراكز التميز في الجامعات السعودية بدعم من وزارة التعليم العالي، ومن هذه المراكز: مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وأقترح التوسع في إنشاء مثل هذه المراكز البحثية بدعم من الأوقاف التي تخصص لدعمها، وكذلك التوسع في دعم ميزانيات المراكز القائمة من الأوقاف الموجودة، والأوقاف التي يدعى الناس للمشاركة فيها.
5- مراكز تأهيل الباحثين:
ظهرت مراكز التدريب المهاري والتطوير الإداري بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وأرى أننا بحاجة إلى مراكز متخصصة في تأهيل الباحثين، وخاصة في العلوم الشرعية؛ لتكون مساندة للجامعات، وتزود الباحث بكافة المهارات في طريقة البحث العلمي المعاصر، والمهارات التقنية، ومهارات التفكير الإبداعي والابتكاري في مجال الفقه المعاصر، ويتم دعم هذه المراكز بالأوقاف، كما أنه يمكن أخذ رسوم مناسبة من الباحثين، أو من الجهات الراعية للباحثين.
6- مراكز البيئة الابتكارية في العلوم الشرعية:
أقترح إنشاء مراكز علمية متخصصة في مجال العلوم الشرعية، توفر لها كافة التجهيزات والخدمات البحثية، والوسائل التعليمية، وتهيئة المكان ليعطي الباحث قدرة أكبر على التفكير والبحث، مع وجود أجنحة تمثل تاريخ المذاهب الفقهية ومدارسة مدعمة بالمراجع والوسائل التعليمية، وتزويد المركز بقاعات التدريب والاجتماعات النقاشية إلى غير ذلك من الأفكار التطويرية التي يمكن أن تخرج في دراسة مستقلة.
المبحث السابع: صيغ إنشاء الأوقاف على البحث العلمي
هناك عدة صور يمكن أن تكون صيغة ملائمة لإنشاء وقف يستفاد منه أو من ريعه في دعم البحث العلمي، ومن أبرزها:
1- وقف العقار:
من أوضح الصور الوقفية، وأكثرها أمانا وقف العقار كالأراضي، والمزارع، والمباني التجارية والعمائر، ونحوها، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على مشروعية وقف العقار. ويدل على ذلك نصوص كثيرة منها: وقف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أرضه بخيبر.
ويستفاد من ريع العقار الموقوف لأغراض البحث العلمي في صياغة خطة تشغيلية مثالية لموارد ثابتة، ويمكن مضاعفتها باستثمارها، وبزيادة حجم الوقف.
2- وقف المنقول:
يشرع وقف المنقول الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالحيوانات، والسلاح، والأجهزة، ونحوها.
ويدل على ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"...وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله...
وما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده, فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة.
جاء في فتح الباري: في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات من باب أولى.
3- وقف النقود في محافظ استثمارية:
اختلف الفقهاء في جواز وقف النقود على ثلاثة أقوال. والراجح من هذه الأقوال هو جواز وقف النقود، ما دامت تحقق مصلحة شرعية، مثل أن يتم إقراضها للمحتاجين من الباحثين مثلاً، أو أن تستثمر ويصرف ريعها في مصارف الوقف.
والمجال رحب في هذا العصر لوقف النقود في المحافظ الاستثمارية وغيرها، وتتولى استثمارها الجهات المالية والاستثمارية المتخصصة، مع مراعاة الضوابط الشرعية، وضوابط الاستثمار الآمنة. ومن ثم يستفاد من ريعها في مصارف الوقف.
4- وقف الأسهم في الشركات المساهمة:
وقف الأسهم في الشركات المساهمة من قبيل وقف المشاع، وذلك أن السهم: صك يمثل حصة شائعة في صافي موجودات الشركة. ووقف الأسهم مشروع مع مراعاة الضوابط الشرعية والاقتصادية في شراء الأسهم.
ومن ذلك:
أن تكون الأسهم الموقوفة من أسهم الشركات ذات النشاط المباح.

مراعاة قواعد الاستثمار الآمنة:
وتمتاز هذه الصيغة بسهولة المشاركة بأوقاف من خلالها للأفراد والشركات، فيمكن لأي فرد أن يوقف أسهماً يملكها، أو يشتري أسهماً بمبالغ يسيرة في متناول متوسطي الدخل، ودون حاجة كذلك إلى كثير من اللوائح التنظيمية.
كما أنه يمكن للجامعات أن تتملك محافظ استثمارية متخصصة في الأسهم، وتدعو عموم الناس للمساهمة فيها وفق تنظيمات هيئة السوق المالية، وبالتعاون مع شركات الوساطة المالية، وينص في لوائح المحفظة الوقفية على مصارف الوقف، في دعم البحث العلمي.
ويجدر في هذا الصدد التنبيه على أمور، منها:
أن الاستثمار في سوق الأسهم هو استثمار عالي المخاطرة، ولذلك فإنه لا يجوز تداول الأسهم الوقفية بصيغة المتاجرة أو المضاربة بالأسهم في حالة شراء الأسهم؛ ومن ثم ترقب ارتفاع قيمة الأسهم لبيعها، إلا وفق أسس معينة وفي نطاق ضيق.
أن الصيغة المناسبة للاستثمار بشراء الأسهم الوقفية هو بصيغة الاستثمار الدائم للحصول على ريع السهم، ويراعى في ذلك اختيار أسهم الشركات الكبيرة التي توزع عوائد دورية جيدة وبشكل منتظم.
اختيار الوقت المناسب لشراء الأسهم في الأحوال التي يكون فيها سعر السهم منخفضاً.
5- وقف بالإفادة من عقد الاستصناع:
ويتم عقد الاستصناع بين الجهة الراعية للوقف مثل الجامعة، وجهة ممولة تقيم بناءً على أرض الوقف، ويكون البناء مملوكاً لتلك الجهة التي تولت بناءه، وتشتريه الجامعة بناءً على اتفاق مسبق بثمن مؤجل على أقساط سنوية أو شهرية، والغالب أن تكون أقل من الأجرة المتوقعة من تأجير المبنى، ومع نهاية تسديد الأقساط تؤول ملكية المبنى للأوقاف، وهذه الطريقة مطبقة في عدد من الدول الإسلامية.
6- الوقف من خلال المشاركة:
يقدم الناظر الجامعة أرض الوقف لممول يقوم بتشييد بناء عليها يكون ملكاً له، والأرض تبقى على أصلها من ملك الوقف، ويقوم الناظر بتأجير العقار كاملاً، والأجرة توزع بين الوقف ومالك البناء بحسب استحقاق كل من الأرض والبناء.
7- الوقف من خلال المشاركة المتناقصة:
تقوم على صيغة المشاركة العادية مع إضافة عنصر جديد، وهو قيام الوقف بتخصيص جزء من عائده الربح لشراء البناء من الممول تدريجياً حتى تؤول ملكيته نهائياً إليه، فيصير الوقف مالكاً للأرض والمبنى معاً.
ويتَّضِحُ من هذه الصيغة والتي سبقتها أنه ليس فيهما معنى شراكة العقد التي تكون فيها الحصة شائعة بين الشريكين، وإنما هي شركة ملك؛ إذ يبقى الوقف مالكاً للأرض، والممول مالكاً للبناء؛ وهذا ما يجعل هذه الصيغ متلائمة مع الطبيعة الخاصة للوقف.

المبحث الثامن: استثمار أموال الوقف
المراد باستثمار أموال الوقف هو استثمار أصل الوقف عقارا كان أو منقولا، أو استثمار الريع الناتج عن استغلال الوقف.
وهذا الاتجاه في تعريف استثمار أموال الوقف هو ما انتهى إليه منتدى قضايا الوقف؛ حيث أشار في القرارات والفتاوى المتعلقة باستثمار أموال الوقف إلى أن المقصود باستثمار أموال الوقف: تنمية الأموال الوقفية سواء كانت أصولا أم ريعا بوسائل ومجالات استثمارية مباحة شرعاً.
والواقف إما أن ينص صراحة على استثمار الأصل الموقوف إما مباشرة، أو بجزء من ريعه، أو استثمار الريع، أو جزء منه، أو يترك ذلك كله دون تحديد، وهذه الصور تمثل مجالا واسعا لأهل الخير ممن يريدون وقف أموالهم، مع تحديد سبل المحافظة على الأصول الوقفية وتنميتها مستقبلا وفق خطة مناسبة من خلال استثمار نسبة معينة من الريع، مما يؤدي إلى الزيادة المستمرة لأصولهم الموقوفة، ويمكن للواقف أن يجعل هذا الأمر من شروطه التي ينبغي مراعاتها؛ وهي اشتراطات معتبرة ومقبولة يجب العمل بها؛ ولأنها لا تنافي مقتضى عقد الوقف.

والقول بجواز الاستثمار ظاهر وبارز، ولكن حيث ما ورد القول بجواز الاستثمار فإنه لا بد أن يكون ذلك بضوابط دقيقة يحسن تلخيصها في الآتي:

1- أن يكون الاستثمار في وجه من الوجوه المباحة شرعا، فلا يجوز للناظر أو لهيئة الوقف إيداع أموال الوقف بقصد الحصول على الفوائد الربوية، أو الاستثمار في السندات الربوية، أو شراء أسهم لشركات أصل نشاطها حرام.
2- مراعاة شروط الواقفين فيما يقيدون به الناظر في مجال تثمير ممتلكات الأوقاف.
3- عدم المجازفة والمخاطرة في المشروعات ذات المخاطر العالية.
4- التنويع في المحفظة الاستثمارية للتقليل من المخاطر.
5- اختيار صيغ الاستثمار الملائمة لطبيعة الأوقاف بما يحقق مصالح الوقف، ويجنبه مخاطر ضياع حقوق المستفيدين.

ويمكن استثمار أموال الوقف بأدوات الاستثمار الشرعية التي تتسم بالكفاءة الاقتصادية، وقلة المخاطرة، والافإدة من البنوك الإسلامية، والشركات الاستثمارية المتخصصة، ومن العقود والصيغ الملائمة، ومنها: عقد السلم، والمشاركة، والمضاربة، والمشاركة المتناقصة، والمرابحة للآمر بالشراء، والمشاركة في الوقت.