حقوق الإنسان بين الشريعة والمواثيق الدولية
14 اكتوبر 2013 - 9 ذو الحجة 1434 هـ( 10399 زيارة ) .

حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية هي موضوع المؤتمر الرابع عشر لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في مدينة مكة المكرمة خلال الفترة من 5 إلى 7/12/1434هـ، ويضم كوكبة من علماء المسلمين لتدارس أهم القضايا التي يعيشها العالم اليوم وتتداخل مع الأمور الحياتية المتعلقة بالمسلمين في مختلف أرجاء الدنيا، أو المواضيع التي تشوبها بعض الشبهات حول الإسلام وتعاملاته العصرية. وهذا العام يأتي موضوع حقوق الإنسان كأحد المواضيع التي يدور حولها الكثير من القضايا والمنازعات، خصوصا مع ارتفاع وتيرة المشاكل والحروب في العديد من دول العالم، خصوصا في العالمين العربي والإسلامي، مما يؤدي إلى الكثير من التجاوزات التي تهدر كرامة الإنسان وحقوقه، وهذا يؤدي إلى النظرة السلبية للمسلمين، وتنعكس بأثرها السلبي على الدين الإسلامي.

المؤتمر الرابع عشر للرابطة يهدف إلى إبراز سمو الشريعة الإسلامية وسعيها لتحقيق كرامة الإنسان وصون حريته وبيان أسبقيتها على المواثيق الدولية في ذلك، إضافة إلى تعزيز الجوانب الإيجابية في القانون الإنساني الدولي وبيان مبادئ حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالمنطلقات الفكرية للمواثيق الدولية، كما يهدف المؤتمر إلى إشاعة ثقافة حقوق الإنسان ودعم أنشطتها والتوعية بقضاياها ومشكلاتها، كما يهدف إلى بيان موقف الشريعة الإسلامية من نصوص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتكامل الرؤى والجهد الهادفة إلى حماية الإنسان وضمان حقوق الإنسان في العالم المعاصر ومعالجة الانتهاكات والممارسات الخاطئة. إن الدين الإسلامي أوضح كل ما يتعلق بحقوق الانسان في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولعل في قول الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ ''قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ''. لقد أوضح الله ــــ سبحانه وتعالى ــــ من خلال هذه الآية الضرورات الخمس التي تجب حمايتها وتحريم الاعتداء عليها، وهي حفظ الدين المتمثل في عقيدة التوحيد وحفظ النفس من القتل إلا بالحق وحفظ العرض والنسل من اقتراف الفواحش وحفظ المال من أكل أموال الناس بالباطل، وهذه الضرورات الخمس ''الدين والنفس والعقل والعرض والمال'' تتطلب الكثير من الإجراءات والأنظمة والإيضاح لكيفية حمايتها وما يتفرع عنها من أمور تتعلق بحقوق الناس الدينية والدنيوية، والقارئ للقرآن والمطلع على الكثير من الأحاديث النبوية يجد عظم حقوق الإنسان في الإسلام وعدم جواز التعدي عليها بأي شكل من الأشكال أو سبب من الأسباب، ولعل في خطبة الوداع التي نعيش اليوم ذكراها وأحداثها في التاسع من شهر ذي الحجة من العام العاشر الهجري ما يؤكد حرص الإسلام على حقوق الإنسان وصيانتها وحمايتها في رحلة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - الدعوية الأخيرة، مع أن الإيمان يقول لنا ويذكرنا بواجباتنا وحقوقنا بشكل لا يقبل الجدل أو النقاش، ومن ذلك دعوته عليه الصلاة والسلام بقوله ''أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ــــ ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

وإن رِبَا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون، قضى الله أنه لا رِبَا. وإن أول رِبَا أبدأ به رِبَا عمي العباس بن عبد المطلب.

وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قَوَد وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية ــــ ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ــــ ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً ـــــ ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه ــــ ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ــــ ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد، قالوا نعم ـــــ قال فليبلغ الشاهد الغائب.

أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم''.

هذه هي الرؤية الإسلامية الحقيقية لحقوق الإنسان، لم تترك شيئا إلا أوضحته واستكملت أركانه ومرجع للبشرية أجمع، ومسؤوليتنا أن نوصل هذه الحقوق بالعمل بها وتقديمها للعالم أجمع كنموذج إسلامي رباني لحماية الحقوق وتحديد الواجبات.. وفقنا الله جميعا لما يحب ويرضى، وتقبل الله من كل صائم لهذا اليوم وكل واقف في صعيد عرفة، وكل من يعمل في خدمة ضيوف الله، وكل عام وأنتم بخير.