عبد الرحمن السميط.. الداعية الأسطورة!
20 اغسطس 2013 - 13 شوال 1434 هـ( 615 زيارة ) .

أفنى حياته في خدمة قضايا الإسلام، والمسلمين، بعد أن أمضى أكثر من ثلاثة عقود من عمره في عمل الخير، ونشر الدين الإسلامي الحنيف، فأثمرت على ما يزيد عن إسلام أكثر من 11 مليون شخص في أفريقيا على يديه، بمعدل ما يقرب نحو 972 مسلماً يومياً، وبناء 5700 مسجد، وحفر 9500 بئر، وإنشاء 860 مدرسة، و4 جامعات، و204 مراكز إسلامية.

كان خير سفير للإسلام، والعمل الخيري في مختلف دول العالم، - لاسيما - في القارة الإفريقية. بل كان أحد أشهر الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي، التي عملت لخدمة الفقراء، والمساكين في قارات الأرض. فتطلعت إليه الأفئدة قبل العيون؛ لينال ألقابا كثيرة بحكم موقعه، ودعوته، منها: سفير الفقراء في إفريقيا، وفاتح إفريقيا، ورجل من الزمن الجميل، وخادم فقراء إفريقيا، ودكتور القارة السوداء، ورجل إفريقيا القادم من الشرق، و د. السميط رجل بأمة، وسفير الكويت إلى القارة السمراء.

سطّر اسمه بأحرف من نور، كأحد أبرز أعلام العمل الإنساني، والإغاثي، والدعوي، وكأشجار وارفة الظلال، يتفيأ بظلها الكثير من البشر في مشارق الأرض، ومغاربها؛ وليجود بوقته، وماله، وأسرته في سبيل الدعوة إلى الله، بل جاد بنفسه لسد مواضع الخلل، وتجنب أسباب الزلل في الفجوات، التي لا تخلوا منها نفس بشرية.

تعجبت، وأنا أقرأ أبحاث الراحل في مجال سرطان الكبد في مستشفى كلية الملوك بجامعة لندن، بين العامين 1979م، و1980م. بل إن من أبرز إنجازات الفقيد العلمية، والطبية، « أبحاث حول الفتحة بين البنكرياس والقولون «، نشرت في مجلة الجمعية الطبية الكندية عام 1978م، و»سرطان بقايا المعدة بعد جراحة القرحة الحميدة»، المقدم إلى مؤتمر الكلية الملكية للأطباء في كندا عام 1979م، و» الفحص بالمنظار للورم الأميبي بالقولون»، المنشور في مجلة منظار الجهاز الهضمي في الولايات المتحدة الأميركية عام 1985م، وبحث « المنظار الطارئ في حالات نزيف الجهاز الهضمي». ثم شهد تأليفه نقلة نوعية، وهي التي حددت مكانته الطبية - في السابق -؛ لتتضمن هيكلة أخرى في مسيرة كتب الدعوة التي ألفها الفقيد - رحمه الله -، ومنها: «لبيك إفريقيا»، و»دمعة على إفريقيا»، و»رحلة خير في أفريقيا.. رسالة إلى ولدي»، و» العرب والمسلمون في مدغشقر»، و»التبشير المسيحي بين المسلمين - دراسة علمية - «، و «إدارة الكوارث للعاملين في المنظمات الإسلامية». كما كتب مئات المقالات في مجال الدعوة الإسلامية في صحف، ومطبوعات مختلفة. وترك الراحل بحوثا إسلامية، ومؤلفات أخرى.

في الوقت الذي ينشغل فيه بعض الدعاة بجمع المال؛ من أجل الثراء، إلا أن الدنيا لم تشغل عبد الرحمن السميط، ولا ملذاتها، ولم تشغله الحياة، ولا شهواتها، وإنما أشغلته «جمعية العون المباشر»؛ لتكون بوابة نحو الأعمال الخيرية في العالم، - وخصوصاً - في القارة السوداء، التي لا تعرف عن الإسلام سوى الخرافات، والأساطير، فحمل همّ مسلمي إفريقيا، وما يواجهونه من عمليات تنصيرية نشطة. وعن أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في إفريقيا، يقول - الدكتور - عبد الرحمن: «ما زال التنصير هو سيد الموقف، مشيراً إلى ما ذكره د. دافيد بارت - خبير الإحصاء في العمل التنصيري بالولايات المتحدة -، من أن عدد المنصرين العاملين - الآن - في هيئات، ولجان تنصيرية يزيدون على أكثر من 51 مليون منصِّر، ويبلغ عدد الطوائف النصرانية في العالم - اليوم - 35 ألف طائفة، ويملك العاملون في هذا المجال 365 ألف جهاز كمبيوتر؛ لمتابعة الأعمال التي تقدمها الهيئات التنصيرية، ولجانها العاملة، ويملكون أسطولا جويا لا يقل عن 360 طائرة، تحمل المعونات، والمواد التي يوزعونها، والكتب التي تطير إلى مختلف أرجاء المعمورة، بمعدل طائرة كل أربع دقائق على مدار الساعة، ويبلغ عدد الإذاعات التي يملكونها، وتبث برامجها - يومياً - أكثر من 4050 إذاعة، وتلفازا، وأن حجم الأموال التي جمعت العام الماضي لأغراض الكنيسة، تزيد على 300 مليار دولار، وحظ إفريقيا من النشاط التنصيري، هو الأوفر. ثم ذكر أمثلة لتبرعات غير المسلمين للنشاط التنصيري، ومنها: تبرعات صاحب شركة مايكروسوفت، والتي بلغت في عام واحد - تقريبا - مليار دولار، ورجل أعمال هولندي تبرع بمبلغ 114 مليون دولار دفعة واحدة، وقيل: إن هذا المبلغ كان كل ما يملكه. وفي أحد الاحتفالات التي أقامها أحد داعمي العمل التنصيري في نيويورك، قرر أن يوزع نسخة من الإنجيل على كل بيت في العالم، وكانت تكلفة فكرته 300 مليون دولار حتى ينفذها، ولم تمر ليلة واحدة، حتى كان حصيلة ما جمعه أكثر من 41 مليون دولار.

وكنت وددت لو حدثنا - الدكتور - عبد الرحمن - رحمه الله -، عن زيادة أعداد الشيعة في غرب إفريقيا؛ ليصل الآن إلى نحو 7 ملايين شخص، فيما يقوم مجمع « أهل البيت «، الذي يتبع المرشد الأعلى لإيران، بالإشراف على عملية الإحصاء العددي للشيعة في العالم، - خاصة - في القارة الإفريقية. وكيف أن إيران قد سعت - خلال السنوات الخمس الماضية - إلى تعزيز وجودها الإستراتيجي، والاقتصادي، والاستثماري في إفريقيا، وذلك وسط تنافس على النفوذ بين إيران، وإسرائيل على القارة السوداء، التي تتمتع بموارد مائية كبيرة، كما تتمتع بمصادر نفيسة، مثل: الألماس، واليورانيوم. وأذكر جيدا - خلال العام الماضي - عندما قام - وزير الخارجية الإيراني - منوشهر متقي، بزيارات كثيرة إلى إفريقيا؛ من أجل تعزيز علاقات إيران داخل القارة.

صحيح، أنه نال عددا من الأوسمة، والجوائز، والدروع، والشهادات التقديرية، مكافأة له على جهوده في الأعمال الخيرية. ومن أرفع هذه الجوائز: «جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام»؛ لكنه تبرع بمكافأتها، والتي تقدر بـ(750) ألف ريال سعودي؛ لتكون نواة للوقف التعليمي لأبناء إفريقيا، ومن عائد هذا الوقف، تلقت أعداد كبيرة من أبناء إفريقيا تعليمها في الجامعات المختلفة.

أجمع على حبه القاصي، والداني من جميع الأطياف الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. ولا أبالغ إن وصفته: بـ»مجدد هذا القرن دعويا»؛ نظير جهوده الفردية التي تكللت بالنجاح، ومشاهده الرائعة التي ستظل شامخة على أعماله الخيرية. فكانت مسيرته حافلة بالإنجازات، وبصماته شاهدة بالتضحيات، أوليس هو القائل: «نذرت نفسي لعمل الخير، ولن أتوقف إلا إذا أخذ الله أمانتي»، كل ذلك؛ من أجل نشر دين الله الصحيح في أماكن سبقه إليها المنصرون بعقود من الزمن.

رحمك الله، فقد أتعبت من سيأتي بعدك، وستترك لنا فراغا كبيرا في دعوتك، وعلمك، وخلقك، وتضحيتك، ووسطيتك، ومحاسنك، ومناقبك. فأنت من الرجال القلة، الذين نالوا إجماعا من الأمة في إعلاء كلمة الله، وخدمة للإنسانية. ورحمك الله، فقد كنت زاهدا في كل شيء؛ لكنك - اليوم - ستحصد ما قدمته لآخرتك في دنياك من أعمالك الخيرية. ولئن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له «، فإني لأرجو الله: أن يكون الفقيد قد حاز الثلاثة - بإذن الله -؛ لإنعام الله عليه بالتوفيق علما، وعملا، وذرية صالحة. سائلا الله - جلّ في علاه -: أن يتقبل أبا صهيب في فيض رحمته، ورضوانه، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله، ومحبيه الصبر، والسلوان، وعزاؤنا أنه قدم على رب غفور رحيم كريم.