الحل والنهاية القانونية لأنشطة الجمعيات الخيرية
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 9429 زيارة ) .
 
إنهاء نشاط الجمعيات الخيرية وحلها هو إجراء من الإجراءات القاسية والصادمة، والتي قد تعبر عن تعثر أو فشل إداري وتنظيمي ومجتمعي.. نرجو ألا يحدث في أحلك الأحوال وأكثرها سوءا. ولكنه ـ أيضاً ـ من الإجراءات الطبيعية والقانونية، التي من المعقول أن تصل إليه هذه الجمعيات عندما لا تحقق كل أو أغلب، أو حتى أقل الأهداف التي أنشئت من أجل تحقيقها، فتكون الجمعية الخيرية مخالفة لمواثيق ونظم تكوينها التي اشترطتها القوانين والأنظمة العامة للدول والحكومات، والتي من أهمها تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة، وإشراك المهتمين في عملية إدارة المجتمع بشكل أهلي وإنساني؛ للمساهمة في تطويره، والارتقاء به، ورفع المعاناة التي يحياها قطاع كبير من المواطنين بطريقة مباشرة ومنجزة، وبعيدة عن الضغوط الإجرائية والروتينية التي يسببها التعامل من خلال النوافذ الحكومية المتاحة، فيكون هذا الدور بمثابة طوق نجاة وسط الالتزامات المتلاحقة التي لا تتوقف، والواقعة على كاهل الحكومات. وهذه المخالفة لمواثيق وقوانين ونظم تكوينها تتحقق بمجرد حصول الأسباب التي يتحقق بها هذا الأمر. 
 
ضوابط تشريعية في أمر الحل وتوقيف الأنشطة
تنوعت الأسباب التي تدعو لحل الجمعيات الخيرية والأهلية في أغلب أنظمة وقوانين الدول التي لديها قوانين خاصة بالجمعيات الأهلية والخيرية، ولكن تشابهت هذه الأسباب إلى حد بعيد في أنظمة وقوانين الدول العربية والخليجية، التي اهتمت بأمر التنمية الإنسانية المستدامة عبر المشاركات الأهلية، من خلال الجمعيات  والمؤسسات الأهلية والخيرية. فأمر حل وإنهاء أنشطة الجمعية الخيرية والأهلية ـ وفق القانون السعودي مثلاً ـ يسير في خط سير يحقق المصالح العليا للمجتمع وللأفراد وللحكومات؛ فلا تعسف فيه ولا غلو، ويستطيع القائمون على شؤون الجمعية العمومية ـ إذا أحاط بها ما يحول بينهم وبين شأن تيسيرأمورها ـ عقد اجتماع للجمعية العمومية المنوط بها البت في شأنها، لاتخاذ القرار المناسب في حقها، ومن هذه القرارات قرار حل الجمعية وتوقيف أنشطتها، أو دمجها في جمعية أخرى، مع إخطار السلطات المختصة بذلك في الوقت والموعد الذي حدده القانون لمتابعة الإجراءات واتخاذ التدابير اللازمة، ففي المادة الحادية والثلاثين من قانون الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن السعودي - مثلاً - تنص المادة على أنه إذا تبين لمجلس إدارة الجمعية أنها أصبحت قادرة على مواصلة رسالتها تعين دعوة الجمعية العمومية للانعقاد للنظر في الأمر، وللأمانة العامة للمجلس الأعلى للجمعيات الخيرية توجيه مثل هذه الدعوة للسبب نفسه. وفي المادة الثانية والعشرين من قانون الجمعيات الأهلية السعودي ـ أيضاً ـ تنص على أنه يجوز حل الجمعية حلاً اختيارياً بقرار من الجمعية العمومية غير العادية طبقاً للقواعد التي تحددها اللائحة الأساسية للجمعية.
فالجمعية العمومية ملزمة بنصوص القانون على اتخاذ قرار حل الجمعية الخيرية إذا واجهتها المعوقات التي تحول بينها وبين تحقيق أهدافها.
 
الحل الإجباري للجمعيات الخيرية
ويمكن حل الجمعية الخيرية حلاً إجبارياً من قبل السلطات المختصة لأسباب ودواعٍ مختلفة إذا تحققت، وهذه الدواعي التي يمضي بمقتضاها أمر الحل وإنهاء الأنشطة ليست من الأشياء الاعتيادية أو الطارئة، أو التي قد تتحقق بمخالفات بسيطة أو بأمور سهلة التحقق، لتنتهي بذلك شبهة التربص أو الاصطياد في الماء العكر، لمحاربة المؤسسات والجهات الخيرية من قبل الأنظمة والحكومات، ففي المادة الثالثة والعشرين من قانون الجمعيات الأهلية السعودي، الصادر عام 2008، يجوز بقرار من الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الوطنية حل الجمعية أو دمجها في جمعية أخرى في إحدى الحالات الآتية:
 
1. إذا قل عدد أعضائها عن عشرة أشخاص:
فعندما يقل عدد أعضاء الجمعية الخيرية عن عشرة أعضاء فهذا وإن كان يؤكد الفشل التنظيمي والإداري والعملي للجمعية، فإنه يؤكد الفشل المجتمعي أيضاً، ويساعد على إهدار الموراد، فلا شك أن الدعم الحكومي للجمعيات الخيرية لا يتوقف عند متابعة أنشطتها، وفرض الرقابة المالية والحسابية والإدارية، بل قد يصل الأمر إلى مرحلة تقديم الدعم المادي والمعنوي، وتعتبر عدم القدرة على جلب الأعضاء هي الفشل بعينه، وإهدار الوقت والموارد بشكل لا يجدي ولا يقدم نفعاً فعلياً. 
 
2. إذا خرجت عن أهدافها، أو ارتكبت مخالفة جسيمة للائحتها الأساسية:
خروج الجمعية الخيرية عن أهدافها، وتحقق المخالفات الجسيمة، شيء غير إيجابي، يتحقق به سوء النية، وغالباً فإن الصمت أمام هذا الأمر يفضي إلى التمادي، وهو ما يعني إفساد منظومة العمل الخيري، وإخراجها من شكلها الأهلي غير الربحي إلى الشكل التجاري، أو للشكل الذي تتحقق فيه مصالح الأشخاص والأفراد من غير المستحقين، وهو ما يعني ضياع الحقوق، وإهدار الموارد، وفشل المنظومة الخيرية.
 
3. إذا أصبحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية:
الجمعية الخيرية شخصية اعتبارية تتمتع بالميزات التي يتمتع فيها الأفراد العاديون من إجراء العقود والتصرفات المالية، ولها أمر الربح والتكسب، وعليها الالتزامات المختلفة، ومنها الوفاء بالديون وغيرها. وتكون الجمعية عاجزة عن الوفاء بالتزماتها المالية إذا زادت الديون عن الموارد بشكل كبير، ناهيك عن عدم قدرتها على تقديم خدمات إنسانية واجتماعية بالشكل الذي حددته لوائح العمل الخاصة بها، وهذه الديون التي تتبلور في شكل إجراءات قانونية توجب الوفاء والسداد، و تدخل هذه الجمعيات بأصولها ومنقولاتها تحت الوصاية القانونية ليتم الوفاء للمدينين ببيع أصولها ومنقولاتها، بعد قرار حلها وإنهاء أنشطتها من قبل السلطات المختصة.
 
4. إذا تصرفت في أموالها في غير الأوجه المحددة لها:
يعتبر التصرف في أموال الجمعية الخيرية في أوجه مخالفة للوائحها الأساسية من الأمور غير المقبولة، والتي قد لا يجدي معها التبرير؛ فالقانون جامد لا يقبل الميوعة أو التأويلات غير الواضحة، وإذا تحقق مثل هذا الإجراء فإن الجمعية تكون عرضة للحل القانوني، وإنهاء الأنشطة؛ فأموال الدولة وأموال المتبرعين إنما هي أموال من أجل الفقراء والبؤساء، ومن أجل أكثر الناس حاجة، ويجب أن تبقى لهم، وتسير في طريقهم لا في طريق مغاير.
 
5. إذا خالفت النظام العام، أو الآداب العامة، أو التقاليد المرعية:
وهذا البند من البنود البديهية، فلا يجوز لأي جهة تعمل داخل نطاق الدول أن تأتي بما يخالف النظم العامة أو الآداب أو التقاليد المرعية، ولكن هذه النظم والتقاليد ليست من الأشياء أو الأمور الفضفاضة التي يؤخذ بها على الإطلاق في كل صغيرة وكبيرة، ولكنها من الأمور التي تنظمها القوانين الموازية، أو قرارات وأحكام المحاكم، كمحاكم الاستئناف، أو محكمة النقض، وغيرها.
 
الطعن ضد قرار الحل
الطعن ضد قرار حل الجمعية هو الإجراء الطبيعي لكل شخص حريص على جمعيته، وعلى دورها الخدمي الذي يقدم مجاناً لقطاع مهم من الفقراء والمرضى وغيرهم. ومن المفترض أن يقوم به القائمون على الجمعيات والمؤسسات الخيرية عند صدور قرار الحل، أو توقيف الأنشطة التي تقوم بها الجمعية كلها أو أحدها، فمن الطبيعي أن يفتح القانون المجال للتظلم من الجور والغبن عندما يحدث؛ لكي تستقر منظومة العدالة التي تخدم المجتمعات الإنسانية، وتعزز مسيرتها تجاه كل خير ورقي وعمل يخدم النهوض والريادة المجتمعية والإنسانية. وتشترط القوانين القيام بالطعن بمثل هذه القرارات خلال وقت معين، وإلا أصبح قرار الحل وتوقيف الأنشطة نافذاً لا يجوز التراجع عنه أو الطعن فيه من جديد. وقد حدد قانون الجمعيات الأهلية السعودي هذه المدة بستين يوماً من تاريخ إبلاغها بقرار الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الوطنية.
 
وراء كواليس حل الجمعية الخيرية
الحل الاختياري الذي قد تختاره الجمعية العمومية للجمعية الخيرية بطريق مباشر عن طريق الانعقاد الذي تعلن فيه القرار، أو بشكل غير مباشر، كاتخاذ تدابير سلبية من شأنها جعل السلطات المختصة تنحاز لأمر حل الجمعية الخيرية ـ هو عمل غير صحي، وسط واقع مجتمعي عالمي يعج بالمشكلات والأزمات، ويتطلع بكل من فيه إلى من يساهم في تخفيف حدة الأمر بعين من الإكبار والتعظيم، ليكون في النهاية المآل السلبي الذي تصل إليه الجمعية الخيرية لأسباب منها ما هو متعلق بالعاملين فيها، وبما قد يقترفوه من أعمال سلبية تعوق الجمعية، وتكبل أنشتطها، وتعرقل أدوراها، وتنهي أعمالها. ومنها ما يتعلق بالمجتمع، فيظهره بشكل سلبي متراخ وغير متعاون، وهذا الجانب وإن كان ينبيء فإنه ينبيء بالمزيد من التراجع المجتمعي والإنساني، والسير عكس الركب، والمزيد من التخلف والمشكلات.
 
 وفي حال الحل الإجباري الذي توقعه السلطات والحكومات المختصة، فإن للجمعية العمومة العاملة في الجمعية أو للقائمين عليها حق الطعن إذا وجد هناك تعسف في قرار الحل، ولكن يرجى ألا تكون مثل هذه القرارات الحساسة، ولكي لا تكون طريقة لإفشال مؤسسات المجتمع المدني عموماً، ومؤسسات وجمعيات العمل الخيري خصوصاً، فمثل هذا الأمر قد يؤثر على الحكومات والأنظمة في المجمل أكثر مما يؤثر في جمعية خيرية أو عدة جمعيات قد يصدر ضدها مثل هذه القرارات. 
 
والله من وراء القصد ،،