التكنولوجيا في العمل الخيري.. المزايا والمحاذير
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 3807 زيارة ) .
لعب التقدم العلمي دوراً محورياً في تشكيل وتطوير العالم المعاصر، بحيث أصبحت التقنيات الحديثة هي المتحكمة بشكل كلي تقريباً في صيرورة الحياة اليومية للبشر في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، سواء كان ذلك بالوجه الإيجابي أي من خلال الاستفادة من تلك التقنيات واستخداماتها، أو سلباً بافتقاد مزايها والخضوع لمقتضيات التعامل مع متطلبات الحياة بطرق قديمة بدائية. بمعنى أن التكنولوجيا (التطبيقات الواقعية للإنجاز العلمي) أضحت هي المفرزة ومحور الاستقطاب بين عالمين.. متقدم ومتأخر.
 
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للعمل الخيري الإسلامي، فكما تساعد التكنولوجيا والتقنيات العلمية الحديثة على تحسين أداء الأفراد والجماعات والمنظمات في مختلف مناحي الحياة، فإن الأعمال الخيرية ذات المنطلق والتوجه الإسلامي ليست هي الأخرى بعيدة عن هذا النمط، فكلما مالت إلى اعتماد آليات وتقنيات حديثة كلما تحسن أداؤها واقتربت من تحقيق أهدافها بصورة أكثر فعالية في أغلب الأحيان.
 
بيد أن الرغبة في تطوير العمل الخيري الإسلامي والارتقاء به دوماً، تدفع بالضرورة إلى البحث الدائم والمستمر عن أفضل السبل لتطوير الأداء وتفعيل الآليات والوسائل المتبعة حتى وإن كانت معروفة مسبقاً بإيجابيتها. وهو ما يتحقق من خلال العمل على تعظيم المزايا والفرص التي تمنحها التكنولوجيا للعمل الخيري بشكل عام وذي الطابع الإسلامي منه على وجه التحديد، وبالتوازي مع ذلك ينبغي الوقوف على المثالب أو السلبيات التي ربما تنجم عن المضي في هذا الطريق بدءاً بتحري الضوابط الشرعية في مختلف مراحل العمل، فضلاً عن المحاذير والتحديات المصاحبة لاعتماد التقنيات الحديثة خصوصاً كونها وافدة من مجتمعات غير إسلامية.
 
المزايا:
 
لا بد من الإقرار بأن التكنولوجيا الحديثة بأوجهها المتعددة تمثل إضافة ودعماً لمختلف التفاعلات الإنسانية في العالم المعاصر، لذلك لدى النظر إلى تقييم دور التكنولوجيا في العمل الخيري يفضل تتبع هذا الدور وفقا لمراحل العمل كل على حدة، وذلك كما يلي:
 
مرحلة التخطيط:
معروف أن المراحل التحضيرية للعمل الخيري –على تنوع نطاقاته- تشمل استكشاف كلاً من مجال العمل والمحور الذي سيهتم به، وكذلك الفئة أو الشريحة أو النطاق المستهدف. وفي هذا الخصوص يمكن للتقنيات الحديثة الاضطلاع بدور مهم في تسريع وتيرة المرحلة التحضيرية وزيادة دقتها، وذلك بواسطة:
 
1- استخدام الوسائل التقنية الحديثة في البحث والاتصال لاختيار وتحديد كلاً من القطاع المستهدف ومجال العمل. ولا يقتصر الأمر هنا على استخدام الشبكة الدولية لمعلومات في استقصاء أوضاع وظروف الشعوب في مناطق مختلفة من العالم، لكن يمكن أيضاً الاعتماد على ما تنقله وسائل الإعلام في التعرف على خارطة المناطق والشعوب والجماعات ذات الحاجة إلى أعمال خيرية، تأتي بعد ذلك إمكانية تخصيص أو توظيف بعض وسائل النقل والاتصال خصوصاً تقنيات التصوير عبر الأقمار الصناعية في التركيز على مناطق بعينها ربما لا تتوافر عنها معلومات كافية وأوضاعها غير معلومة بدقة، خصوصاً تلك التي يقطنها مسلمون يعانون من تردي الأوضاع المعيشية والتنموية سواء نتيجة تمييز مقصود أو كجزء من الأوضاع العامة في دولهم. وقد تطورت تلك التقنيات وأصبحت متاحة حتى أصبح استخدامها مفتوحاً أمام أي شخص في أي بقعة في الأرض، والمثال الأبرز في هذا الإطار تقنية Google Earth.
 
2- يمكن الاستفادة من ذات الوسائل المشار إليها، في جمع المعلومات الأساسية الضرورية لدى الشروع في مباشرة المشروعات سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها من الأعمال ذات الطابع الخيري، بمعنى أن عمليات الاستقصاء والاختيار بين البدائل المحتملة، تسهل بدورها التعرف على طبيعة واتجاهات الاحتياجات الخاصة بالمنطقة المختارة بل وتساعد على توفير معلومات كافية أو على الأقل تمهيدية عن تلك الاحتياجات وأولوياتها.
 
3- يمكن بعد ذلك الاستناد إلى تقنيات الحواسب الآلية في تكوين قواعد بيانات تشمل كلاً من المناطق التي يجري العمل عليها، وكذلك التي لم تدرج بعد في الخطط المقترحة، ما يساعد على تسريع المراحل التحضيرية المستقبلية عند الانتقال إلى مناطق أخرى أو توسيع نطاق العمل في المناطق والمجالات القائمة بالفعل.
 
ويمكن الاسترشاد في هذه المرحلة بما يتوافر من بيانات ومعلومات تتضمنها قواعد البيانات والتقارير والإحصاءات التي تعدها المنظمات والهيئات الدولية، مع مراعاة أن ثمة اختلافات تحدث في المعلومات الخاصة بكل منها، لذا تمكن المقارنة والمفاضلة بين مصادر البيانات في ضوء المعلومات التي يتم الحصول عليها من المناطق المعنية بشكل خاص ومباشر.
 
 
مرحلة التنفيذ:
ربما كانت أوجه الاعتماد على التكنولوجيا في المراحل التنفيذية تتشابه بين الأعمال الخيرية ومختلف أشكال العمل العام سواء كان في النواحي الإدارية أو الميدانية. ويمكن في هذا الخصوص الإشارة إلى ما يلي:
 
1- الجمع بين المركزية والتفويض: فمن خلال سهولة الاتصال والتنقل يمكن تطبيق درجات متفاوتة من المركزية واللا مركزية في العمل، بمعنى الجمع بين أسلوب حصر بعض القرارات والاختصاصات في المراكز ونقاط التحكم سواء الرئيسية أو الفرعية. مع أسلوب التفويض وفتح المجال أمام القيادات الميدانية لاتخاذ القرارات المطلوبة في التوقيت والظرف الملائمين. وتلعب وسائل الاتصال والتفاعل المباشر والحي دوراً أساسياً في نجاح هذا النمط من الإدارة، حيث تتيح المتابعة المستمرة والإشراف الدائم مع السرعة والمرونة في آن معاً، ما يجعل الحواجز التقليدية المعروفة بين المركز والفروع تتلاشى تقريباً.
 
2- ضمان كفاءة الإدارة والعمل الميداني: إذ تساعد التطبيقات المتنوعة للعلوم التقنية في مختلف المجالات على الارتقاء بالأداء بدءاً بالنطاق الإداري بما فيه النظم الإدارية المتبعة وطريقة إدارة العمل بين الوحدات والأقسام، ومعايير التقييم والإنجاز. وكذلك في النطاق الميداني من خلال سهولة مراقبة ومتابعة العمل وإجراء عمليات الحصر والمراجعة بواسطة نظم المعلومات وأساليب الإحصاء وحصر البيانات وتحليلها.
 
3- توسيع مساحة العمل الخيري: خصوصاً في المجالات المتعلقة بالتدريب والتعليم ورفع المستوى المعرفي والمهاري للمتلقي. حيث يمكن من خلال وسائط التدريب والوسائل التعليمية الحديثة توصيل تنفيذ برامج تدريبية وتعليمية وتثقيفية على نطاق واسع دون الحاجة إلى تخصيص رؤوس أموال كبيرة فضلاً عن الاقتصاد في الطاقة البشرية اللازمة للقيام بهذه المهام.
 
وأخيراً فإن التكنولوجيا ذاتها يمكن أن تكون موضوعاً للمشروعات الخيرية أو جزءاً من المضمون الذي يقدم في الأعمال الخيرية، وهو ما يتجسد في أجهزة الحواسب والاتصالات والأجهزة الطبية ووسائل النقل ومستودعات التخزين وآلات الطباعة ووسائل التعليمية.
 
إجمالاً، تتمحور مزايا التكنولوجيا في مرحلة التنفيذ حول شقين، الأول هو سرعة وسهولة تدفق المعلومات والبيانات إدارياً وميدانياً من وإلى مختلف الوحدات (رأسياً بين المراكز والفروع أو أفقياً بين الفروع وبعضها البعض). والثاني في توسيع نطاق العمل الخيري من خلال استخدام التكنولوجيا في خدمة أكبر عدد من المتلقين والمستخدمين بقدر أقل من المخصصات النقدية أو العينية.
 
الواضح أن أغلب مزيات التكنولوجيا في العمل الخيري تتركز في المسار المعلوماتي، مع تنوع وتعدد أوجه الاستفادة من هذا المسار. بيد أن الوجه الأكثر بروزاً هو سرعة وانخفاض كلفة نقل المعلومة، وهو ما يجعل المسافات والفواصل بين مراحل العمل تتقلص حتى أنه أحياناً تتداخل معاً، مثال ذلك عملية جمع البيانات عن المناطق الأكثر احتياجاً لمشروعات خيرية، فتلك العملية تسهم في مرحلتي التخطيط والاختيار بين البدائل، كما تمثل في الوقت ذاته جزءاً مباشراً من مرحلة التنفيذ ومباشرة العمل الخيري، كذلك الأمر بالنسبة لعملية التقييم والمراجعة وتعديل أو تطوير العمل، إذ تتم بشكل سريع يكاد يتزامن مع العمل اليومي.
 
المحاذير:
رغم كثرة المزايا والإيجابيات المصاحبة لاستخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في العمل الخيري، إلا أنها لا تخلو من سلبيات أو على الأقل محاذير وخطوط حمراء ينبغي الوقوف عندها والتحسب لها.
ونشير في هذا الصدد إلى ما يلي:
1- الكم والكيف: إن كثرة المعلومات والبيانات وسرعة تدفقها ربما يكون على حساب دقة أو صدقية المعلومة أو البيان. خصوصاً في ظل تعدد مصادر المعلومات سواء الرسمية أو غير الرسمية.
 
2- التكنولوجيا صناعة غير إسلامية: شأنها شأن كل السلع والمنتجات الحديثة، جُل –إن لم يكن كل- الوسائل والتقنيات الحديثة المطبقة في العالم هي نتاج صناعات وأفكار وعقول غير مسلمة، وإن كان هذا لا يؤثر مباشرة في كيفية الاستفادة منها وتوظيفها فيما يخدم الإسلام والمسلمين، إلا أن الفارق الإيجابي الشاسع كان سيظهر لو كانت تلك التقنيات –أو بعضها- إسلامية المنشأ، وللقارئ أن يتخيل مدى التأثر الإيجابي في هذه الحالة ليس فقط على المتلقين المسلمين لكن أيضاً على المتلقي غير المسلم. لذا ربما يكون مطلوباً بالتوازي مع اعتماد تلك التقنيات والاستفادة منها، العمل على إصباغ الطابع الإسلامي عليها قدر المستطاع، لحين التمكن من إبداع تكنولوجيا متقدمة إسلامية الفكرة والتنفيذ.
 
3- إعلاء البعد المادي: تحقق التكنولوجيا مزايا في الوقت والجهد والمال، لكن ذلك يتم من خلال التواصل غير المباشر (عن بعد) أي على حساب التواصل المباشر بين المانح والمتلقي أو المعلم والمتدرب، فيتراجع الحس الإنساني والبعد النفسي في الترابط والتآزر بين المسلمين، فتتحول المسألة إلى ارتباط مادي أو عيني بالخدمة أو المعونة المقدمة أكثر من التأثر بالفكر أو الدافع الكامن وراء العمل الخيري أو حتى بالجهة المانحة.
 
وفي ضوء امتلاك الآخرين تكنولوجيا أكثر تقدماً دائماً فإن المقارنة لدى المتلقي قد لا تكون في صالح العمل الخيري الإسلامي وهو ما ينطبق أكثر على العمل الخيري الذي يخدم الدعوة، أي في المناطق غير الإسلامية خصوصاً تلك التي لا تؤمن بعقيدة سماوية أساساً. إذ تستند المقارنة في هذه الحالة على كم أو نوع الخدمة المؤداة ليس على مصدرها أو الهدف من ورائها.
 
من هنا، يمكن القول أن الصورة العامة لفكرة الاستفادة من التقنيات الحديثة والتكنولوجيا في العمل الخيري الإسلامي، تتسم بالإيجابية إلى حد بعيد، بيد أن التغلب على السلبيات المحتملة المصاحبة لها يتطلب الاهتمام بعدة جوانب أهمها على الإطلاق الأطقم البشرية العاملة في مجال العمل الخيري، والسعي إلى ضمان أعلى قدر من التأهيل والمعرفة (العلمية والدينية) فضلاً عن الاقتناع الكامل بالأهداف والدوافع وراء هذا العمل. الأمر الذي يساعد بدوره على وضع مفردات العمل الخيري الإسلامي دائماً في إطار إسلامي سليم ومتماسك.
 
 
كذلك ينبغي التركيز على إسلامية المحتوى والمضمون الذي يقدم في المشروعات الخيرية خصوصاً تلك التي تهتم بالتدريب والتعليم والمجالات المعرفية. حتى يكون هناك دائماً ربط بين الشكل والمضمون، أو الوسيلة وما تحمله من محتوى، فإن لم يكن التميز والانفراد متاحاً في نطاق الوسيلة أو أداة التوصيل، فعلى الأقل ينبغي أن يتمسك العمل الخيري الإسلامي بالتميز في نطاق الجوهر المطلوب توصيله.
بواسطة : سامح راشد