العمل التطوعي ودوره في التنمية
5 فبراير 2011 - 2 ربيع الأول 1432 هـ( 9531 زيارة ) .

تعلمنا منذ نعومة أظفارنا حديثاً للرسول الكريم ما زال يتردد صداه في آذاننا، حين يقول إن لله عبادا حَبب إليهم الخيرَ وحبّبهم في الخير، أولئك الآمنون من عذاب الله يوم القيامة، وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وقوله أن تسير في قضاء حاجة أخيك خير لك من أن تعتكف في مسجدي هذا شهرا. أراد بهذا أن يضع لنا منهجا يخرج به الإنسان عن دائرته الخاصة، ويعلي بصره ليرى من حوله، يشعر بشعورهم ويحس حاجتهم، يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم، وأن تتسع دائرة مشاركته رويدا رويدا حسب قدرته، دون أن تستغرقه همومه الذاتية، فأصول الأخلاق مشترك إنساني يعزز إنسانية الإنسان.


في تقديري أن من يسعى لإسعاد الناس ويبذل لهم من وقته وجهده وفكره وماله، هو أول السعداء. فمن الناس من يعيش ردحا من الزمان ويموت، دون أن يشعر بحياته أحد ولا ذكر له بعد مماته، ومنهم من لم يتعد بقاؤه في الحياة سنوات معدودة، لكن حياته امتدت حتى بعد مماته، في حياة كل من قدم لهم يد العون وطابت ذكراه وبقيت مآثره خالدة بحسن صنيعه. الحياة الحقيقية ليست بعدد السنين التي تمر علينا ونحن نلعب أدوارا ثانوية في دنيا الناس، لا تؤثر في أحد حال وجودها ولا خلل يحدث عند انتفائها، ولكن قيمة الحياة بما نحدثه من أثر في من حولنا و«على قدر أهل العزم تأتي العزائم». وكلما كان العزم قويا وصادقا والنفس صافية رائقة، اتسعت دائرة العطاء، سواء كان هذا العطاء بالمال أم بالوقت والجهد أو بالكلمة، وكل على قدر طاقته، فالمهم هو أن يشارك الفرد في المسيرة الظافرة لركب الخير ولو بسهم، والله يضاعف لمن يشاء. ولأن مؤسسات التعليم العالي هي قلب المجتمع النابض، بشباب في مقتبل العمر متقد الذهن مفتول السواعد عالي الهمة متطلع للإنجاز، ونابض بعقول خبراء ومفكرين وأساتذة وعلماء هم ملح الأرض، ولأن دور هذه المؤسسات لا يقتصر أبدا ولا ينبغي لها، على التعليم في قاعات الدراسة، بل يمتد دورها خارج هذه الحوائط لتنير للمجتمع المحيط دروب العطاء، وتجلي ما التبس عليه من إشكاليات، وتشحذ الهمم وتوحد الجهود وتلم الشتات وتحدد الهدف، وتسلط الضوء على مناحي الخلل وتضع الوصفة للخروج من الوهدة.


كان النداء إذا من جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بعقد ندوة تقاربيه، برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، حول «العمل التطوعي ودوره في التنمية»، بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة للسنة الدولية للتطوع، استمرارا لدورها الحيوي في التوعية والتثقيف وحشد الطاقات نحو تحقيق الأهداف العليا للمجتمع، والاهتمام بقضاياه المختلفة والإسهام في تقديم الحلول والمعالجات التي تناسبها، باعتبارها واحدة من المؤسسات الرائدة في دولة الإمارات التي لعبت وما زالت تلعب أدوارا مؤثرة في خدمة المجتمع والاهتمام بقضاياه.


وهذا ما أكد عليه معالي الدكتور سعيد سلمان الرئيس الأعلى لشبكة الجامعة في كلمته التي قال فيها إن توصيل الأفكار إلى ما ينفع الناس يأتي عن طريق بيت للبحث، وأن لدينا مشروعا نهضويا عمليا كي تنطق الأفكار بالتجارب والأفعال، في ظل حالة من التلاقح بين ما يتم في داخل المؤسسة وخارجها، مؤكدا أن كل من لديه باب للمعرفة لا بد أن يفيض به على غيره ليحدث الإبداع الذي لا قمة له.


ومصطلح التطوع يعني من الناحية اللغوية التبرع بالشيء، والمتطوع هو الشخص الذي يأتي بما يزيد عن ما فرض عليه من الخير وزيادة، والله سبحانه وتعالى يقول ؟ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم؟.


إن تحسين كافة الأوضاع الإنسانية في أعظم الدول وأغناها وأقواها، له جناحان أحدهما تمثله أجهزة الدولة الرسمية، والثاني المؤسسات الأهلية والهيئات ذات النفع العام التي تساهم بفاعلية في حمل جزء من العبء الملقى على الدولة، والذي تنتفي معه حالة الاسترخاء، وإن شئت الدقة اللامبالاة عند بعض الأفراد، وهي بهذا تزيد من الحميمية المجتمعية وتشيع حالة من التقارب بين أفراده، عنوانها «ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط»، ولذلك نتائج لا حد لها في زيادة متانة النسيج الاجتماعي وتوثيق عراه، وتشيع ثقافة الدافعية والمبادرة والتنافس في الإنجاز والتجويد، كما أن تلك الجهود تتعزز حين يتواءم وينسجم ذلك النشاط التطوعي مع جهود الحكومة لتحقق الأمل المنشود في نهاية المطاف، وهو إحداث التنمية المجتمعية في أرقي صورها، خاصة وأن مجتمعنا يشهد تطورا كل يوم يزيد من الحاجة إلى مساهمة الأفراد والمؤسسات في تحمل نصيبهم من المسؤولية، التي تنم عن الانتماء للوطن والتفاني في الإعلاء بشأنه، سواء كان بين أبنائه أو بمد يد العون لإخواننا في الإنسانية، مهما كان عرقهم أو لغتهم أو لونهم ودينهم.


وما حققته الإمارات في هذا الجانب شهد به القاصي والداني، وصار مضرب المثل ونموذجا يحتذى في البذل والعطاء، الذي هو صفة متأصلة في الشخصية الإماراتية في العسر واليسر وفي المكره والمنشط، ولقد عرفت مجتمعاتنا نظام الفزعة، والمعنى بإغاثة الملهوف ونجدة المستغيث، وهو في موقع القلب من العمل التطوعي، وهو نظام نبع من رحم ثقافة تراثنا وتأصل في تكويننا الاجتماعي. وما أود الإشارة إليه هو أن العمل التطوعي لا ينبغي أن يرتبط بحدوث الأزمات، مثل الفيضانات والزلازل والحصار والدمار، ولكن ينبغي أن تكون ثقافة عامة يربى عليها أطفال المدارس. ولقد أعجبتني تجارب بعض المدارس، حين يتولى التلاميذ بأنفسهم تنظيف الفصول الدراسية وحديقة المدرسة وتجهيز القاعة انتظارا للمعلم، وذلك على النقيض من ثقافة الاتكال الدائم على الغير التي نعاني منها أحيانا. وهنا يتعاظم دور البيت والمدرسة ووسائل الإعلام، في ترسيخ هذه الثقافة المجتمعية.


كما أن مردود العمل التطوعي لن يكون ذا بال، ما لم يكن بشكل مؤسسي تتشارك فيه وتتعاون كافة الهيئات القائمة، دون العمل بطريقة منعزلة وفردية تضعف من تأثيره، فلا يحقق عائدا تنمويا حقيقيا داخل المجتمع وخارجه.