المؤسسات الخيرية وضعف الاهتمام بالجوانب البحثية والمعلوماتية
8 ديسمبر 2010 - 2 محرم 1432 هـ( 10488 زيارة ) .

رغم جهودها التي لا تنكر في مجالات الإغاثة والرعاية الاجتماعية والتنمية خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية فإن من أهم يؤخذ على المؤسسات الخيرية أو الإنسانية العربية والإسلامية عدم اهتمامها بغرس قيم ونشر ثقافة العمل التطوعي في المجتمعات التي تعمل فيها خصوصا خلال مرحلتي الطفولة والشباب، وضعف الاهتمام بالخدمات الإعلامية والبحثية والمعلوماتية التي تخص هذا المجال الحيوي.


وتندرج جمعيات العمل الخيري في إطار ما يطلق عليه: "القطاع الثالث" حيث يعدّ شريكا أساسياً في جميع عمليات التنمية، ومكملا لنقص خدمات القطاع العام (الأول). والقطاع الخاص (الثاني) للدول الحديثة.


ففي حين تهتم هذه المؤسسات بتسويق مشروعاتها الخيرية التي تقوم بتنفيذها وحملاتها الإغاثية كلما اقتضت الحاجة الناجمة عن كوارث طبيعية تقع فجأة أو حروب يشتعل أوارها من حين لآخر، وتدعو الناس للتبرع لها، فإنها تغفل عن تسويق العمل الخيري بشكل عام وتحبيب التطوع كقيمة إيجابية وثقافة أصيلة وتحويله إلى سلوك لدى الأطفال والناشئة والشباب، والإفادة من جهود هذه الشرائح التي تمتاز بوفرة الوقت والقدرة على العطاء، علما بأن جدوى تربية الأجيال على حبّ الخدمة العامة، وبناء النفوس الخيّرة تفوق بكثير التسويق من أجل الحصول على الدعم المالي والعيني اللازم لتمويل المشاريع الخيرية مهما بلغ، ذلك أن "الخيرية" إذا ما تشربتها القلوب فإنها تدفع أصحابها للعطاء بكل ما لديها مالا وجهدا.


إن واقع الحال اليوم يشير إلى عزوف الشباب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عن التطوع والانخراط في خدمة مجتمعاتهم، فلا نكاد نرى ـ إلا ما ندر ـ مراكز أو أقساما أو برامج للتطوع لاجتذاب هذه الفئات وتدريبها واستيعابها بشكل فاعل وواسع، رغم أن بعض الدول حضّت طلابها على الخدمة العامة وحددت ساعات معينة يتعين على الطلبة في المراحل الثانويةوالجامعية تأديتها كميزة تضاف إلى سجلهم الأكاديمي ومستقبلهم العملي، ولا شك أن المؤسسات الخيرية تتحمل جزءا من المسؤولية عن هذا الواقع غير المرضي.

وفيما يخص تقصير هذه المؤسسات في توفير الخدمات الإعلامية والبحثية والمعلوماتية التي تعنى بالعمل الإنساني والخيري فإننا نكاد لا نجد مجلة بحثية تهتم بهذا الجانب، فضلا عن مركز علمي أو إعلامي يعنى بهذا المجال سواء، نهضت بذلك مؤسسة من هذه المؤسسات أو تعاونت عليه مجموعة منها.


وأهمية الجهود البحثية والمعلوماتية والإعلامية للعمل الخيري كبيرة ومتنوعة، فالمراكز البحثية تدعم البحوث العلمية والدراسات التي من شأنها الإسهام في تأصيل العمل والدفع بتطوير آلياته وأساليبه، وتخليصه من الارتجال والعشوائية التي قد تطرآن عليه، وتسهم في الرفع من قدرات العاملين فيه من خلال التدريب والتأهيل، وتقوم بمهمة تقديم تراثنا العلمي للعالم، حيث إن الأدبيات التي تسود في المحافل العلمية، أو التي يتم تداولها في المؤتمرات الأممية والدولية غربية في الأعم الأغلب، رغم أن مخزون الأمة الحضاري غني بالمواد النظرية والتجارب والنماذج العملية في مجال إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج والمشي في حوائج الناس وتقديم الرعاية لهم وكفالة الأيتام، والتكافل بين شرائح المجتمعات الغنية والفقيرة وفرض الزكاة والحث على الصدقات، والوقف كدعامة مهمة للتنمية المستدامة.


ثمة محاولة يتيمة ـ فيما أحسب ـ لابد من التنويه بها رغم أنها في بداية مشوارها وهي تجربة "المركز الدولي والدراسات ـ مداد"، و "مداد" مركز بحثي إعلامي مختص بالعمل الخيري، مقره جدّة بالمملكة العربية السعودية، حيث لا تقتصر جهوده على الموقع الإلكتروني الذي يعد نافذة مهمة للاطلاع على أخبار وتقارير العمل الإنساني على الصعيد العربي، بل تمتد إلى الجوانب البحثية التي بدأت تؤتي ثمارها مؤخرا.


سعدت مؤخرا بالرسالة التي وصلتني عبر بريدي الإلكتروني من المركز وتضمنت نشرة "أضواء مداد" الفصلية ـ العدد الأول ـ، ضمن برنامج أفضل الممارسات العالمية في العمل الخيري؛ لتُسلط الضوء على أحدث الكتب الصادرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، والتعريف بها، بما يحقق للمهتمين بالعمل الخيري الاطلاع على أهم الأفكار والموضوعات الجديدة، والتعرف على التجارب والممارسات المتميزة في العمل الخيري. وقد قامت بانتقاء الكتب المتميزة في هذا المجال، مع مراعاة أن تكون الكتب المنتقاة تحتوي على الجانب العملي التطبيقي، أو دراسة الحالات، أو التجارب الناجحة، مع العناية بالكتب التي تتناول العمل الخيري الإسلامي، سواء بالإيجاب أو السلب.


وقبل ذلك أصدر المركز مجلة "مداد" ـ العدد الأول ـ وهي علمية محكمة تعني بنشر الأبحاث والأعمال العلمية المتعلقة بالعمل الخيري ونشاطاته، كما عمل على تنظيم عدد من الندوات والمساهمة في المؤتمرات وتقديم أوراق العمل إليها، كما أن من خدماته توفير دليل للمؤتمرات والندوات الإنسانية، وثان للدورات التدريبية، وثالث للجمعيات الخيرية في مجلس التعاون الخليجي (قاعدة بيانات ومعلومات).


كما صدر عن المركز عدد من المطبوعات والنشرات مثل: مؤتمرات العمل الخيري في العالم للعام الحالي 2010، ونشرة عن المؤتمرات في عام 2009، ودراسة عن مواقع الجمعيات الخيرية الخليجية على الإنترنت، ودور الجهات الخيرية في المسؤولية الاجتماعية للشركات، وأولويات بحوث ودراسات العمل الخيري، وتصنيف مداد الموضوعي، وهو أول خطة تصنيف عربية في مجال العمل الخيري، بهدف تلبية احتياجات مؤسسات العمل الخيري في تنظيم مصادر المعلومات، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، أو لتنظيم المعلومات المتاحة على مواقعها الإلكترونية، ووضع حدود واضحة لموضوعات وأقسام العمل الخيري، بالإضافة إلى الكشف عن مواضع النقص والضعف في مقتنيات مكتبات مؤسسات العمل الخيري، أو بالمواقع الإلكترونية لهذه المؤسسات، وتجميع مصادر المعلومات التي تتناول موضوعاً معيناً في مكان واحد داخل المكتبة أو بالموقع الإليكتروني للمؤسسات الخيرية، ومساعدة الباحثين والعاملين في العمل الخيري على الوصول إلى ما يريدونه من معلومات بسهولة ويسر


لكن ما يؤخذ على جهد المركز المقدر غلبة الطابع الإعلامي على البحثي (تحديث أخبار العمل الخيري يوميا، إضافة لوجود أيقونات ـ نوافذ ـ للحوارات والتحقيقات والمقالات الصحافية وتغذيتها بشكل دوري)، وقلة الإصدارات والدراسات والتقارير المعمقة، ويضاف إلى ذلك تركيز اهتمام المركز بالعمل الخيري في دول الخليج عموما وبالمملكة العربية السعودية خصوصا، وليس بالعمل الخيري في الدول العربية والإسلامية.
وقد يكون من أسباب ذلك ضعف الإمكانات المادية للمركز، وهو ما يتطلب دعم المؤسسات الخيرية له ـ ولأي مركز مماثل ـ والاستفادة من مخرجاته.