المنظمات الأهلية وضوابط لابد منها
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 7664 زيارة ) .
 
لا أحد يمكنه إنكار أهمية العمل الأهلي في سد الفراغ الذي تعجز الدولة عن ملئه خاصة في ظل تعاظم المتطلبات الاجتماعية والخيرية والتي تحتاج إلى تضافر جميع الجهود من أجل سد هذه الحاجات كما أن دور هذه المنظمات يتعدى الجانب الخدمي المناط بها إلى دور أعظم وأشمل وهو بث روح الحيوية في أوصال المجتمع ونقله من حالة الركود والخمود إلى حالة التفاعل والحركة.
 
إلا أن تفجر العديد من القضايا ذات الارتباط بالمنظمات الأهلية مثل ارتباط بعض هذه المنظمات بتنظيمات العنف المسلح دعما وتمويلا، أو ارتباطها بالدوائر الاستخباراتية العالمية من أجل النفاذ إلى بنية المجتمعات العربية أملا في الوصول لما يسمى بالفوضى الخلاقة من خلال دعم القضايا الحقوقية التي باتت تستخدم في غير محلها.
 
كل هذا يجعلنا نفتح ملف الضوابط التي ينبغي أن تغلف عمل هذه المنظمات درءا للمفاسد التي باتت واضحة والتي لا يكاد يخلو منها بلد عربي وإن اختلفت المخالفات من بلد إلى آخر بحسب طبيعة كل بلد وطبيعة نظامه السياسي والاجتماعي إلا أنها في نهاية المطاف تمثل خرقا واضحا لقوانين إنشاء هذه الجمعيات والمنظمات الأهلية.
 
فإن كانت دول الخليج قد عانت في فترة سابقة من التضييق على عمل المنظمات الخيرية الأهلية فيها بزعم دعمها لتنظيمات القاعدة وخلافه فإن الوضع في مصر يختلف حيث تتهم المنظمات الحقوقية فيها (وهى أهلية بطبيعة الحال) بلعب دور رأس الحربة في التدخل الخارجي في الشأن المصري ومحاولة تقويض دعائم الاستقرار فيها.
 
ومن هنا كان لابد من الحديث عن الضوابط الكلية التي ينبغي أن تحكم عمل المنظمات الأهلية لسببين أساسيين:
 
الأول: وهو حماية هذه المنظمات من التطرف بعيدا عن الغرض الذي أنشأت من أجله والذي يعكس فلسفة العمل الأهلي
في خدمة المجتمع وقضاياه المختلفة.
 
الثاني: حماية العمل الأهلي من فرض السيطرة الحكومية والتي قد تعيقها عن عملها وتدفعها إلى حالة من الجمود والتكلس.
 
لذا فإن الحقوق التي تنادى بها المنظمات الأهلية (وهى حق لا مراء فيه) يجب أن تقابل بواجبات (وهى ضرورة لا مفر منها) حتى يستقيم العمل الأهلي على جادة الصواب ويبتعد عن تقلبات السياسة وعواصف الأحداث.
 
ومن هنا فإن الضوابط المشار إليها أراها تتلخص في الكليات التالية
 
أولاً: ضرورة فصل عمل الجمعيات والمنظمات الأهلية عن السياسة وتقلباتها وموازناتها فإن لكل مقام مقال وكثير من الدول خصصت الأحزاب والمنتديات والتجمعات لممارسة السياسة أما الجمعيات الأهلية فنشاطها منبثق من الغرض الأساسي الذي قامت من أجله ففي مصر حظر القانون رقم (84) لسنة 2002 على الجمعيات الأهلية العمل بالسياسة ففي المادة (11) من القانون: " تعمل الجمعيات على تحقيق أغراضها في الميادين المختلفة لتنمية المجتمع وفقاً للقواعد والإجراءات التي يحددها القانون واللائحة التنفيذية، ويجوز للجمعية ــ بعد أخذ رأي الاتحادات المختصة وموافقة الجهة الإدارية ــ أن تعمل في أكثر من ميدان.
 
ويحظر إنشاء الجمعيات السرية، كما يحظر أن يكون من بين أغراض الجمعية أن تمارس نشاطاً مما يأتي:
 
1- تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات الطابع العسكري.
 
2- تهديد الوحدة الوطنية أو مخالفة النظام العام أو الآداب أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
 
3- أي نشاط سياسي تقتصر ممارسته على الأحزاب السياسية وفقاً لقانون الأحزاب، وأي نشاط نقابي تقتصر ممارسته على النقابات وفقاً لقوانين النقابات.
هذه القيود المفروضة على العمل الأهلي أظن أنها لن تختفي في القانون المزمع التقدم به لتنظيم الشأن الأهلي المصري بعد التطورات الأخيرة التي شهدها المجتمع المصري بعد 25 يناير إذ أن حظر ممارسة السياسة على الجمعيات الأهلية لن يكون حجرا على إبداء الرأي أو ممارسة الحريات العامة أما ممارسة السياسة بمعناها الحرفي من حيث الترشح للمجالس النيابية أو المناصب الرئاسية وخلافه فهذا شأن الأحزاب السياسية التي تعتبر الميدان الملائم لها.
 
أما في العربية السعودية فإن قانونها وإن لم يكن قد حظر على الجمعيات الأهلية ممارسة العمل السياسي إلا أن الأوصاف التي وردت في المادة الثالثة من نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية السعودي تعتبر قيودا تنفي ما عداها بمفهوم المخالفة فقد صنفت الجمعيات والمؤسسات الأهلية لأربعة أصناف:
 
1- الجمعية الأهلية.
 
2- الجمعية العلمية.
 
3- الجمعية المهنية.
 
4- المؤسسة الأهلية.
 
وعرفت الجمعية الأهلية بأنها: " كل جماعة ذات تنظيم له صفة الاستمرار لمدة محددة أو غير معينة ــ تؤلف ــ من أشخاص ذوي صفة طبيعية، أو اعتبارية، أو منهما معاً ولا تستهدف الربح، وذلك من أجل تحقيق غرض من أغراض البر، أو التكافل، أو نشاط ديني أو اجتماعي، أو ثقافي، أو صحي، أو تربوي، أو تعليمي، أو إبداعي، أو تقديم خدمات إنسانية، سواء كان ذلك عن طريق العون المادي، أو المعنوي، أو الخبرة الفنية".
 
أما الجمعيات العلمية فهي التي تتألف من أصحاب التخصص العلمي المحدد ولا تستهدف الربح.
 
وبخصوص الجمعيات المهنية في التي تتألف من أصحاب المهنة الواحدة (التي تقابل النقابات المهنية في بلاد أخرى).
 
والملاحظ من كل هذه التعريفات أنها لم تضع ممارسة السياسة كأحد أوجه النشاط المسموح للجمعيات الأهلية بممارسته
 
ومن هنا فإن الجمعيات والمؤسسات الأهلية عليها أن تلتزم بما أسست لأجله خاصة وأم مجال العمل الأهلي يحتاج إلى مزيد من الجهود لسد الكثير من الفجوات والفراغات.
 
ثانياً: ضرورة تنظيم تلقى التمويلات الخارجية خاصة التي تشوبها شائبة التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية فبنظرة إلى القانونين المصري والسعودي المنظمين لعمل الجمعيات الأهلية نجد أن القانون المصري أباح تلقى الإعانات الخارجية بشرط موافقة الوزير المختص  فجاء في المادة (17) من القانون: "للجمعية الحق في تلقي التبرعات، ويجوز لها جمع التبرعات من الأشخاص الطبيعيين ومن الأشخاص الاعتبارية بموافقة الجهة الإدارية على النحو الذي تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون".
 
وفي جميع الأحوال لا يجوز لأية جمعية أن تحصل على أموال من الخارج سواء من شخص مصري أو شخص أجنبي أو جهة أجنبية أو من يمثلها في الداخل، ولا أن ترسل شيئاً مما ذكر إلى أشخاص أو منظمات في الخارج إلا بإذن من وزير الشئون الاجتماعية. وذلك كله فيما عدا الكتب والنشرات والمجلات العلمية والفنية.
 
أما القانون السعودي فقد أغلق الباب نهائيا في هذا الشأن فجاء في "المادة العاشرة: الخاصة بإيرادات الجمعية" ولا يجوز تلقي إعانات خارجية.
 
والجدير بالذكر أن التمويل الخارجي للمنظمات الأهلية صار أزمة في الواقع المصري بعد الكشف عن حجم الأموال الهائلة التي تم ضخها في أوصال بعض هذه المنظمات خلال العام المنصرم لتنفيذ أجندات خارجية..
 
لذا فإن المقترح هنا هو منع التمويل الخارجي عن المنظمات الأهلية نهائيا وقصره على الدائرة العربية والإسلامية في المجال الخيري المتعلق برعاية الأيتام وكفالة الفقراء وبناء المساجد وما شابه ذلك خاصة وأن هناك جمعيات أهلية مصرية كالجمعية الشرعية وأنصار السنة على سبيل المثال تتلقى تبرعات من المملكة العربية السعودية ودول الخليج من أجل إنفاقها على أوجه البر المتعددة وهو ما يجب أن يتم أيضا في إطار من الشفافية بحيث تتمكن الدولة من مراجعة أوجه إنفاقه، أما التمويلات المرتبطة بالشأن الحقوقي فقد بات واضحا أنها باب كبير للنفاذ إلى استقرار الدول العربية وتمرير أجندات معينة وهو ما ينبغي أن تنأى عنه الجمعيات الأهلية.
 
ثالثاً: الابتعاد عن ممارسة الأعمال السرية ذات الطابع العسكري التي من شأنها تهديد الأمن الداخلي للدولة أو التورط في تقديم الدعم المادي للتنظيمات المتورطة في هذا الشأن وهذه النقطة تحديدا أسهمت في ملاحقة العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مع الاعتراف بأن بعضها تمت ملاحقته دون تورطه في أي شيء ولكن باب الشر إذا فتح فإنه لا يذر ولا يبقى.. كما أن هذه الجمعيات تم تأسيسها وفق نظام أساسي تم الرضى به والعقد شريعة المتعاقدين كما هو معروف ومعلوم..
 
والخلاصة فإن المنظمات والجمعيات الأهلية إذا كانت تشكو في بعض الأحيان من التدخل الحكومي في شأنها ومجال عملها فإن عليها أن تعي أن عليها واجبات عليها أن تلتزم بها وإلا كانت كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
 
بواسطة : سمير العركي