قصة «القوائم السوداء».. و«مقصلة» العمل الخيري الإسلامي
15 مايو 2010 - 1 جمادى الثاني 1431 هـ( 10419 زيارة ) .

مآسي عديدة يواجهها العاملون في حقل العمل التطوعي، تتراوح ما بين الخطف والقتل والمطاردة إلى طلب ملايين الدولارات كفدية نظير إطلاق سراحهم, إلى مطاردات قضائية وتتبع لحسابات الجمعيات والمنظمات الخيرية خاصة الإسلامية , إلى "قوائم سوداء" صنفت فيها جمعيات تطوعية إنسانية خاصة العربية والإسلامية كجمعيات داعمة للإرهاب, دون أي دليل أو إثبات, مما جعل بعضها يلجأ للمحاكم الأوربية ليحصل على أحكام لرفعه من هذه القوائم.
(العاملون الإنسانيون في خطر) كتاب جديد وفريد من نوعه صدر حديثا باللغة العربية عن المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية الخيرية الذي يتخذ من جنيف مقراً له, وشاركت في تأسيسه مجموعة من المنظمات والهيئات العربية والإسلامية والدولية العاملة في الحقل التطوعي والإنساني, ويسجل الكتاب بالإحصاءات والأرقام ما واجهه ويواجهه العاملون في الحقل الخيري من أخطار شديدة, بلا حماية أو حصانة, رغم أن عملهم إنساني بحت ولا علاقة لهم بالسياسة أو الشؤون الداخلية, بل ولا تكاد تخلو اتفاقية دولية أو ميثاق أممي من حث جميع الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة على كفالة الأمن والحماية لجميع موظفي المساعدات الإنسانية إلا أن الهجمات لم تتوقف.


وثيقة مونترو
وجاء الكتاب في 190 صفحة من القطع المتوسط، ويبدأ بتوطئة عن المخاطر التي تواجه العاملين في الحقل الإنساني والخيري, رغم نص المواثيق الدولية على حمايتهم, ثم يتحدث عن (المبادرات الأمنية لحماية العمل الإنساني), من (وثيقة مونترو) التي كانت ثمرة مبادرة مشتركة أطلقتها حكومة سويسرا, واللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2006م, وتتضمن القواعد والمبادرات السلمية ذات الصلة بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعمل أثناء النزاع المسلح, وذلك مع تزايد الطلب على استخدام الشركات الأمنية الخاصة, وتزايد الطلب معه على إيضاحات الالتزامات القانونية الدولية في هذا المجال, وقد أعدت بمشاركة خبراء حكوميون يهتمون بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة أو بالقانون الدولي الإنساني من 17 دولة, كما تناول الكتاب (مكتب سلامة المنظمات غير الحكومية بأفغانستان) حيث توافدت العديد من وكالات الإغاثة إلى أفغانستان عقب سقوط (إمارة طالبان) في 2001م , وأسس المكتب لضمان سلامة المؤسسات العاملة في المجال الإغاثي الإنساني هناك, ويلعب دوراً كبيراً الآن في توفير المعلومات الأمنية الموثوقة والمنتظمة للمنظمات الاغاثية والعاملين فيها, حتى لا يتعرضون للخطر .


استهداف العمل الخيري
كما يتناول الكتاب "لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق "والذي قامت بتشكيله مجموعة من المنظمات غير الحكومية بقيادة "منظمة الألوية غير الملحة" بعد احتلال العراق عام 2003 م, وقد شكلت اللجنة كمنتدى خاص لتبادل المعلومات وتنسيق الأنشطة, وفي منتصف عام 2004 م عندما تدهور الوضع الأمني في العراق بشكل كبير وفي أعقاب موجة الاختطاف لموظفين بارزين من المنظمات غير الحكومية, اختارت الكثير من المنظمات العمل بعيدا أو تغليق أعمالها.


كذلك يتعرض الكتاب لمشروع (الدعم والاستعداد الأمني للمنظمات غير الحكومية في الصومال", والذي أنشئ من قبل اتحاد المنظمات غير الحكومية في الصومال في نهاية عام 2004م, ويقدم موظفو المشروع الدعم المعلوماتي للمنظمات العاملة في مجال الإغاثة في الصومال, كذلك (اتحاد المنظمات غير الحكومية الدولية في بلوشستان) مع بداية عام 2004م, و (مبادرة أمن المنظمات غير الحكومية في هاييتي) و (مركز اتصالات شرق الكونغو), وغيرها من المشروعات التي وضعت لحماية العاملين في الحقل الإنساني في ليبيريا والسودان وآتشيه وتشاد ونيبال وغينيا. إحصاءات وتقاريرويكشف الكتاب عن عدم وجود أي مرصد دولي لمتابعة الاعتداءات الواقعة على العاملين في الحقل الإنساني والدولي, وقد رفضت عدة منظمات دولية تقديم المعلومات التي بحوزتها للمكتب الدولي للمؤسسات الخيرية والإنسانية وهيئات أخرى بحجة الدوافع الأمنية, ولم يكن من السهل تتبع وإحصاء جميع الاعتداءات التي تعرض لها عمال الإغاثة, ولكن الكتاب اعتمد على تقارير الأمم المتحدة ومواقع تعنى بالشأن الإنساني, وتقارير المنظمات الإغاثية الدولية غير الحكومية, ووفقاً للتقرير الذي أصدره (معهد تنمية ما وراء البحار) فإنه في مارس 2009م أوضح أن عدد الهجمات على عمال الإغاثة الذين قتلوا أو خطفوا أو المصابين قد ارتفع بشكل ملحوظ منذ عام 1997م, مع حدوث زيادة حادة بصفة خاصة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة, واستهدفت الهجمات بالدرجة الأولى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية, وبصورة منخفضة نسبيا اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي حققت تقدماً كبيراً في إعادة تشكيل إستراتيجيتها لإدارة الأمن, وقد ساهم ربط العمل الإغاثي بالسياسي في اعتبار العاملين في مجال الإغاثة خصوماً.


نهب الإغاثة
وتعد أفغانستان على رأس قائمة الدول التي يتعرض فيها العاملون في مجال الإغاثة من جراء العمليات الانتحارية والخطف والقتل. وتأتي الصومال في المرتبة الثانية, حيث استمرت أعمال العنف ضد عمال الإغاثة مع سيطرة قوات حركة الشباب الصومالي على بلدة "جوهر" حيث ارتكبت أعمال سلب ونهب في مجمع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونسيف" التي تعمدت تدمير الإمدادات الإنسانية والأصول والمعدات وإلحاق الضرر بمعدات تخزين اللقاحات, مما أدى إلى تدمير آلاف جرعات اللقاحات المضادة للحصبة وشلل الأطفال وغيرها من اللقاحات المعدة للأطفال والنساء الصوماليات, كما جرى نهب الإمدادات الغذائية العالية.
وتعرض الكتاب للفوضى الأمنية في باكستان والفوضى التي تعيشها بعض الأقاليم, حيث تصاعدت الهجمات ضد طالبان, من هجمات مسلحة وعمليات انتحارية, وتهديدات بتنفيذ عمليات انتحارية, ولكن وجد نشاط لعشر منظمات غير حكومية في إقليم (سوات) ليس بينها منظمة إسلامية واحدة. كما تعرض الكتاب لوضع المنظمات الاغاثية في دارفور واستهدافها من الجانبين السلطات والجماعات المتمردة.


الحرب على الإغاثة
ويرصد الكتاب الحرب على العمل الخيري في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب، ويقول: لا شك أن الإدارة الأمريكية السابقة قد وجهت ضربات لا سابق لها للعمل الأهلي والمدني في العاملين العربي والإسلامي, فقد جعلت من كل وسائل الرقابة والمتابعة وسائل عادية عبر شرعنة الوسائل عينها داخل الولايات المتحدة الأمريكية, وفرض بعضها على الآخرين, والاستفادة من توافق المصالح جعل الدول الدائمة في مجلس الأمن تمرر قوانين وقرارات استثنائية ضربت بقوة العمل والمؤسسات الخيرية, وقد شملت مطالب الإدارة الأمريكية ولجان الكونجرس مراقبة الحسابات المالية وسجلات الدفاتر العامة والفرعية والفواتير وقيود الدخل ودفاتر المساعدات والقروض الممنوحة وبيانات عن أهداف كل منظمة وبرنامج خدماتها وهيكليتها والبيانات المالية على كل المستويات والوثائق المتعلقة بالحسابات وقيود حسابات الادخار والشيكات والقروض وصندوق الأمانات الشخصية, وشهادات الإيداع وبطاقة التامين في منهج مخابراتي أن المؤسسات والهيئات الخيرية متهمة حتى يثبت العكس, هذه الإجراءات التي تعتبر في الولايات المتحدة خرقا للحقوق الدستورية, خلقت حالة من الخوف والهلع لدى المتبرعين, وأهل الخير ومن يدعمون برامج العمل الخيري والإنساني خاصة بعد قرار وزير العدل الأمريكي جون اشكروفت بوضع 46 منظمة في قائمة الجماعات الإرهابية ومنع أعضاء هذه الجمعيات من دخول أمريكا, وقد حذت عدة دول أوربية حذو الإدارة الأمريكية السابقة, ليدخل العمل الخيري الإسلامي في الزاوية الحرجة القادرة على خنقه وتحديد دوره المحلي والدولي, دون أي دعم من النظم, وقد استطاعت عدد من الجمعيات الخيرية برفع قضايا أمام محاكم أوربية من كسب هذه القضايا والترخيص لعملها, وشكلت القيود التي فرضت على الجمعيات الخيرية انتهاكاً صارخا للقانون.


وجاء قرار مجلس الأمن عام 2001م ليلزم كل الدول بتجميد ومصادرة الأموال الخاصة بحركة طالبان, وما صاحب هذا القرار من وضع "القوائم السوداء", وقد رفعت جمعيات خيرية وضعت على هذه القائمة دعاوى قضائية أمام المحاكم الأوربية وحصلت على أحكام لصالحها.