كراسي البحث الوثيرة
6 مارس 2010 - 20 ربيع الأول 1431 هـ( 10448 زيارة ) .

يقول الدكتور ناصر الرشيد، أحد أهم رجال الأعمال في المملكة العربية السعودية، ومن أكثرهم التصاقا بالعمل الخيري، وأنداهم يدا في دعم البحث العلمي في المملكة: «إن لم تهتم الجامعات بالأبحاث العلمية ستصبح كمدرسة ثانوية كبيرة»، في ربط واضح بين قيمة الجامعة كمؤسسة تعليم عال وموقعها على خارطة البحث العلمي، لتختلف عن نظام التعليم العام الذي يعتمد التدريس كهدف رئيسي.
كنت كتبت مقالا سابقا عن أهمية الوقف التعليمي، وأنه يحقق شراكة بين أركان المجتمع في ظل رؤية متفق عليها، وهي بناء مجتمع معرفي. كراسي البحث صورة من صور الشراكة بين رجال الأعمال ومؤسسات التعليم العالي، يستهدف فيها رأس المال تخصصا علميا محددا لدعم الأبحاث المتعلقة به وتطويرها، وعوائد كراسي البحث تستثمر كأصول في المشاريع الوقفية، ليتم الصرف من عوائدها هي الأخرى في دعم كراسي البحث، وهكذا.. في ترجمة فصيحة لمفهوم اقتصاد المعرفة.
الدكتور ناصر الرشيد قدم قبل أقل من عامين كرسي بحث في أمراض العيون لصالح مستشفى الملك خالد الجامعي، أحد مستشفيات جامعة الملك سعود في الرياض، التي اعتمدت - حتى الآن - قرابة 100 كرسي بحث في مجالات علمية مختلفة، ومنذ أيام اطلع الدكتور الرشيد على ثمار دعمه، كان من بين حصيلتها 12 بحثا في طب العيون تم نشرها في مجلات عالمية مرموقة، وتدشين معمل تم تجهيزه بأجهزة متقدمة لدراسة مسببات اعتلال الشبكية لمرضى السكري، والأسباب المناعية لالتهابات العين الداخلية، وتجهيزات زرع الأنسجة، وأجهزة قياس الحامض النووي، وأبحاث الجينات والتقنيات المناعية، بمشاركة أشهر المتخصصين في طب العيون في العالم. لم يملك الإنسان الكريم ناصر الرشيد في هذا الموقف إلا مضاعفة قيمة تبرعه للكرسي، وهو واحد من أربعة كراسي بحثية، أسسها خلال سنتين في جامعة الملك سعود.
الدكتور الرشيد تحول من مستثمر إلى داعية؛ داعية للاستثمار في جانب البحث العلمي، ناقدا الوضع الحالي في الجامعات العربية التي تعتمد فيه على التمويل الحكومي في الجانب البحثي، مقارنة بالجامعات الأوروبية والأميركية التي حققت الرفعة البحثية من خلال دعم رجال الأعمال والمؤسسات الخاصة.
ولم يفت الدكتور الرشيد وصف الأثر الذي تتركه مثل هذه الأعمال على النفس، فقد أوجدت لديه - على حد وصفه - حالة من الرضا الكامن والسعادة الداخلية، التي قد أسميها أنا شعور «العافية»، فالتعافي من الشح، والتعافي من الانزواء بعيدا عن احتياجات الناس، يمنح شفافية في الروح، وصفاء في الذهن.
الحقيقة أن ترويج ثقافة العمل الخيري المرتبط بالمجال التعليمي أو البحثي، لم يكن أمرا هينا لسببين؛ الأول كون اعتماد هذه الثقافة في الوسط الأكاديمي تزامن مع الأزمة المالية العالمية وما فيها من تداعيات، والسبب الثاني أن التثقيف يتضمن تغييرا في المفاهيم، والتغيير غالبا يحتاج إلى دوافع، أهمها الثقة، الكلمة السحرية التي تنشأ عليها كل تعاملاتنا، الثقة والضمانات التي تجعل رأس المال الجبان يكتسب شجاعة الإقدام.
الثقة هي القيمة المعنوية للبيئة الجاذبة للاستثمار، فرأس المال بشخصيته البراغماتية يتطلب بيئة إنمائية تضمن سهولة الإجراءات، وإدارة متخصصة تعرف كيف تجذب المستثمر وتقنعه من خلال المخرجات، وتجعل منه مؤمنا ومروجا لأفكارها، وهو الأمر الذي يتحقق بالوقوف على النتائج.
كراسي البحث، الوقف التعليمي، اقتصاد المعرفة، مجتمع المعرفة، مراكز الابتكار، حاضنات التقنية.. لنتذكر هذه المفردات جيدا، حيث ستكون مفاتيح لغتنا العلمية المعاصرة.