معوقات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية
25 اكتوبر 2009 - 6 ذو القعدة 1430 هـ( 12109 زيارة ) .

يعترض طريق البحث العلمي بصفة عامة - والاجتماعي والإنساني بصفة خاصة -عدد من العوامل، على القمة منها النمطية، والبيروقراطية، والانتماء المذهبي، وجنس الباحث، وانتماؤه القبلي، ومدى استجابة المبحوثين لمتطلبات البحث، وعدم تطبيق نتائج البحوث بعد إجرائها.


فإلى حد قريب كانت النمطية هي المعيار المهني لمناهج التعليم منذ بدايته حتى الشهادة الجامعية إلا فيما ندر، ومن ثم فإن المجتمع أخذ هذه النمطية قضية مسلما بها، وربما حارب ـــ كثير من أفراده ـــ أي خروج عليها مما يثبط أي طموح للتجديد والتحديث الذي هو أساس البحث العلمي، وبخاصة عندما يكون الأمر متعلقا بقضية اجتماعية اعتدنا عليها، ومن أمثلة ذلك (محاربة تعليم المرأة ثم قبولها بقوة، محاربة التوقيت الزوالي ثم التحول إليه كلية) وغير ذلك من القضايا التي يراها البعض ملازمة لحياة البشر لا يجوز البحث فيها.


البيروقراطية: نمط من الإدارة التي لا تقبل التطوير بل تحاربه إلى أن يفرض على محاربيه التجديد المطلوب، ومن أمثلة ذلك تطوير التعليم العام والجامعي الذي جرى تطويره بشكل كبير، ثم حدثت الانتكاسة لنعود إلى المربع الأول (square one).


وعندما وجدت الرغبة في التطوير أخيرا وشرع في تنفيذها في مجالات التعليم وأساسياته - التي على القمة منها البحث العلمي - تسارعت المؤسسات العلمية كالجامعات وبعض الوزارات إلى التسابق لذلك التطوير، مما يدل على أن القيادة لها دور مهم في تحقيق التطور، إلا أن المجال ما زال مفتوحا للنمطيين (أو البيروقراطيين) لكي يوقفوا هذه الجهود.
ولكي نستطيع أن نضمن عدم الانتكاسة مرة أخرى فإن التزام منهجية علمية واضحة كفيل بأن يساعد على عدم تراجع الجهود البحثية، من ذلك:

- إيجاد سياسة واضحة لانتهاج التطوير في مجالات البحوث العلمية المختلفة.
- تحديد وسائل لتمويل الأبحاث وتشجيعها.
- اشتراط الموضوعية أساسا للتطبيق البحثي.
- الالتزام بالمنهج العلمي في كافة مراحل البحث وخطواته.
- تضمين المناهج الدراسية منذ المرحلة الابتدائية وحتى الشهادة الجامعية بنسبة كافية من البحوث التطبيقية - بالتدرج - لتكون جزءا مما يكتسب الطالب من مهارات.
- تشجيع الباحث المتميز وتكريمه أمام نظرائه ومن خلال وسائل الاتصال.


وإذا ما أردنا أن نطرق العوائق التي تعترض البحث العلمي في العالم العربي عامة وفي المملكة بصفة خاصة وفي المجالات الإنسانية والاجتماعية تراها تعاني من:


1- قلة المؤهلين في أساسيات البحث العلمي ومتطلبات تطبيقه، فإذا كان معدل الباحثين المؤهلين في الدول المتقدمة 3000 باحث لكل مليون نسمة من السكان، فإن ذلك حلم بعيد المنال بسبب النمطية، والبيروقراطية، وضعف التمويل، وانعدام استراتيجية واضحة للبحوث.
2- قلة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي، وذلك نابع من عدم الاهتمام بالبحث والاستهانة بقيمه التنموية على حياة الفرد والمجتمع، فبالمقارنة فإن ما يرصد للأبحاث عندنا 0.1 في المائة من الدخل القومي (أي ما يعادل دولارا واحدا للفرد) مقابل ما تخصصه إسرائيل الذي يعادل3.1 في المائة (أو 540 دولارا للفرد)، بينما ترصد كل من اليابان وألمانيا وأمريكا حوالى 3 في المائة (أو 1000 دولار للفرد الواحد)، أما مصر - مثلا - فهي تخصص 0.4 في المائة من الدخل القومي (أو 4.9 دولار للفرد الواحد).
3- المشكلات البيروقراطية التي ينجم عنها غياب قوانين واضحة لأهمية البحث العلمي والسعي لتنشيطه ووجود هيئة وطنية فعالة تتابع ذلك، ويمكن مجابهة ذلك من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين بشكل علمي يشمل استقطاب متخصصين في هذا المجال من الدول المتقدمة وإعطاءهم قدرا من الحرية.
4- عدم وجود إمكانيات تساعد الباحثين مثل المختبرات الحديثة، والموارد البشرية، والأجهزة المتقدمة التي تنشط الباحثين وتسند طموحاتهم، كما يشمل ذلك عدم وجود بيانات متجددة عن النشاط البحثي ومن قاموا به، وما الذي جرى تطبيقه من البحوث المنجزة.
5- عدم تسويق النشاط البحثي، وذلك بالترويج للبحوث الناجحة بين المستفيدين منها في المجال التطبيقي في الصناعة، والتجارة، وتطوير المؤسسات والمنشآت الاجتماعية، مما يرقى بحياة المجتمع ليلحق بالآخرين.
6- غياب الوعي لدى أفراد المجتمع بما يقود إليه البحث العلمي من فوائد وبخاصة من هم في مواقع تؤثر في تنشيط البحث أو تثبيطه.
فالحياة الإنسانية تتقدم بالبحوث والدراسات العلمية، وتتخاذل عندما يحاصرها المحافظون الذين جل همهم عدم الإفادة من تجارب الآخرين من الأولين، أو المعاصرين، خاصة ممن توصلوا إلى نتائج تقود لتطوير الإنسان نحو الأفضل، أو توضح له مخاطر يجب عليه تلافيها أو تعديل مسيرته نحو البديل المناسب.