دور الوقف في دعم البحث العلمي
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 10553 زيارة ) .

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن الأوقاف لها دور كبير عبر التاريخ في البناء الحضاري والتنموي للدول، وتلبية حاجات المجتمع المتنوعة، ودعم البرامج النافعة لعموم الناس، والتاريخ الإسلامي حافل بالأوقاف التي حققت مصالح المسلمين من عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر، يشهد لذلك الأدلة والنصوص في السنة النبوية، والتاريخ الإسلامي، والسجلات والوثائق الخاصة بالأوقاف التي شيدت لدعم البر والخير والتنمية كبناء المساجد، والمدارس، والمكتبات، ورعاية الأيتام والفقراء، وحفر الآبار، والخدمات الصحية.. وغيرها.

وقد قامت الأوقاف بتمويل العديد من الحاجات والخدمات الأساسية والعامة للمجتمع مما يخفف العبء على ميزانيات الدول.

ويعتبر البحث العلمي أساساً للتقدم في شتى المجالات العلمية والتنموية، والحاجة ماسة في عصرنا الحاضر مع تقدم البحث العلمي، وتطور تقنياته، وزيادة تكاليف المعيشة، وحاجة المجتمع إلى التقدم ومواكبة متغيرات العصر، وتلبية حاجاته المعاصرة إلى الإفادة من الوقف، وتطوير آلياته، وابتكار صيغ تتناسب مع الاقتصاد المعاصر، وتراعي الأحوال والظروف الاجتماعية، والتوعية والتثقيف لتحفيز الناس على المشاركة في الأوقاف لضمان استمرارها، وقيامها بدورها المنشود، وسواء أكان هذا التطوير في صورة الموقوف أم صيغة الوقف، أم في طريقة إدارته واستثماراته، أم في مجالات صرف ريعه.

ويسرُّني المشاركة بهذا البحث الموسوم ب "دور الوقف في دعم البحث العلمي - دراسة فقهية" في منتدى المشاركة المجتمعية في مجال البحث العلمي في المملكة العربية السعودية، المنعقد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وسأحاول الاختصار، وتجاوز الكثير من المقدمات والممهدات في موضوع الوقف وأهميته، والتي بُسطت في كثير من الدراسات السابقة، كما أني سأحاول التركيز على المسائل الفقهية بما يتناسب مع طبيعة المنتدى.

ومن ذلك:

1-  دور الوقف في دعم البحث العلمي بشكل عام، والبحوث الفقهية على وجه الخصوص.

2- المستند الفقهي لصور الوقف على البحث العلمي، والمجالات والمصارف الشرعية التي يمكن أن تصرف لدعم البحث العلمي.

3- ضرب الأمثلة بالتخصصات الفقهية.

ويأتي هذا المنتدى في وقت تشهد فيه الجامعات السعودية اهتماماً بارزاً بدعم البحث العلمي، ومراكز الأبحاث، وتمويل المشروعات البحثية، ويتزامن مع هذا اهتمام ملموس بإنشاء الأوقاف لدعم التعليم والبحث العلمي، وتشجيع الكراسي البحثية الوقفية وغير الوقفية.

أسال الله أن تكلل هذه الجهود المباركة بالتوفيق والنجاح لتحقيق الأهداف الطموحة.

المبحث الأول: تعريف الوقف

الوقف في اللغة: أصل يدل على تمكث في الشيء, مصدر وقف[1].

ومن معاني الوقف في اللغة: الحبس، والمنع، والسكون، والسكوت، والإدامة[2].

الوقف في الاصطلاح: عرف الفقهاء الوقف بتعريفات متعددة وفق اتجاهات مختلفة, ومن أخصر تلك التعريفات وأوضحها أن الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة[3].

المبحث الثاني: مشروعية الوقف وخصائصه

الوقف مشروع بالكتاب والسنة, وقد تضافرت النصوص على مشروعيته والحث عليه، ومن هذه النصوص:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له[4].

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره, وولدا صالحا تركه, ومصحفا ورثه, أو مسجدا بناه, أو بيتا لابن السبيل بناه, أو نهرا أجراه, أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته[5].

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده, فإن شبعه وريّه وروثه وبوله، في ميزانه يوم القيامة[6].

4- عن عمر رضي الله عنه: كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث صفايا: بنو النضير, وخيبر, وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه, وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل, وأما خيبر فجزأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين, وجزء نفقة لأهله, فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين[7].

5- وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أن عمر - رضي الله عنه - أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها))، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه[8].

وكثير من أحكام الوقف ثابتة بالاجتهاد نظرا لأن النصوص الواردة فيه في جملتها عامة الدلالة، مما دعا العلماء إلى بذل الجهد في تفصيل أحكامه وبيانها، ويعد هذا العموم ميزة توسع مجالات الوقف وتواكب متغيرات الزمان.

ويتسم الوقف بسمات وخصائص من أهمها ما يأتي[9]:

1- أن الوقف من الصدقة الجارية على أعمال البر, والتي يراد منها الأجر والمثوبة، واستدامة منفعتها في الدنيا والآخرة، وهو من عقود التبرعات التي يقصد منها التقرب والطاعة، كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة.

2- التأبيد والاستدامة من خصائص الوقف بحيث لا يمكن التراجع عنه أو فسخه.

3- ما يحققه الوقف من مشاركة فاعلة في التنمية, ومساندة الجهود الحكومية في توفير ما يحتاجه المجتمع من موارد تلبي احتياجاته ومصالحه.

4- شمولية الوقف في أنواعه ومجالاته ومصارفه المتنوعة التي تحقق شتى حاجات الأمة.

5- إمكانية المشاركة في إقامة الوقف، ونظام الوقف مفتوح أمام جميع المسلمين وغيرهم, وقد جاءت قواعد الوقف وأصوله باستيعاب ذلك.

6- الوقف نظام جمع بين التبرع في أصله، والاستثمار والإدارة اللازمة لتنميته واستمراره.

7- للواقف أن يضع شروطاً في مصارف الوقف ومجالاته، وهذه الشروط يجب الوفاء بها والالتزام بها ما لم تخالف الأحكام الشرعية، كما أن للواقف أن يقيم ناظراً يشرف على الوقف، ويلتزم بشروطه.

8- الوقف يمثل إحدى الصيغ المبكرة في الفقه الإسلامي التي كان لها دور في إيجاد عدد من التطبيقات المعاصرة؛ حيث يعتبر الوقف أساساً لفكرة الشخصية الاعتبارية.

المبحث الثالث: أنواع الوقف

للوقف أنواع باعتبارات متعددة[10]:

فينقسم باعتبار الموقوف عليه إلى: الوقف الخيري, والوقف الأهلي الذري, والوقف المشترك.

وينقسم باعتبار محل الوقف إلى: وقف العقار, ووقف المنقول, ووقف الأموال النقدية, ووقف المنافع, ووقف الحقوق.

وينقسم باعتبار الزمن إلى: وقف مؤبد, ووقف مؤقت بزمن.

وينقسم باعتبار المشروعية إلى: وقف صحيح، ووقف غير صحيح.

وينقسم باعتبار طريقة الوقف أو مضمونه إلى: الوقف المباشر, والوقف الاستثماري.

وسأتناول أنواع الوقف بهذا الاعتبار الأخير بشيء من التفصيل لمناسبته لموضوع هذا البحث.

والمقصود بالأوقاف المباشرة: هي التي تقدم خدمات مباشرة للموقوف عليهم بحيث يمكن الاستفادة من ذات الموقوف.

ومثال ذلك: وقف المبنى ليكون مسجدا تقام فيه الصلاة, وكذلك وقف المدرسة للتعليم, والمستشفيات للعلاج, والمكتبات للباحثين وطلاب العلم.. ونحو ذلك.

وأما المقصود بالأوقاف الاستثمارية فهي الأموال التي يتم وقفها لا بقصد الانتفاع بذاتها، وإنما بقصد الانتفاع بريعها الذي يتم الاستفادة منه لأغراض الوقف.

مثال ذلك: وقف مبنى يتم تأجيره، ومن ثم الاستفادة من ريعه في الصرف على الباحثين ومراكز البحوث.

المبحث الرابع: شروط الواقف

يقصد بشروط الواقف تلك الشروط التي يشترطها الواقف عند إنشائه للوقف، وهي في الغالب جارية مجرى الشروط في العقود، والاتجاه العام الذي رجحه أغلب الفقهاء هو أن الأصل في الشروط الإباحة، ولا يحرم أو يبطل إلا ما دل الشرع على حرمته أو بطلانه، نصَّا، أو قياسًا.

والأصل في شروط الواقفين المعتبرة شرعًا أن تكون ملزمة للنظار ولمتولي الوقف، وليس لهم مخالفتها، وقد قعّد لذلك الفقهاء قاعدتهم المشهورة في شروط الوقف: "شرط الواقف كنص الشارع"[11]، أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، ولكن لا ينبغي العمل وتنفيذ أي من الشروط إلا ما كان فيه طاعة لله ويحقق مصلحة للمكلف، وأما ما كان بضد ذلك فلا اعتبار له[12].

وشرط الواقف له أثره في مصارف الوقف، فقد ينص على مجال من مجالات البر أو أكثر بتفصيل أو بإجمال، وقد يعمم المصرف في وجوه البر حسب ما تقتضيه المصلحة.

ويحتاج الناس في هذا العصر إلى التوعية بما يحتاجه المجتمع من حاجات قد يغفل عنها الناس، أو لا يقدرون أهميتها، وعظم مصلحتها، مثل البحث العلمي الذي يتحقق به رقي المجتمع وتطوره، ويمكن للجامعات المساهمة بهذه البرامج التوعوية[13]، كما يمكن لها أن تعد لوائح وصيغاً للمصارف التي يحتاج إليها المجتمع، تساعد الواقفين حين رغبتهم في الوقف.

المبحث الخامس: الوقف المباشر العيني على البحث العلمي

هناك صور متعددة للوقف المباشر على البحث العلمي[14] منها:

1. وقف الكتب:

وهذا النوع يصدق عليه أنه تحبيس أصل لينتفع بالاطلاع عليه, وهو مما يبقى ويدوم وإن كان منقولاً غير ثابت، ويدل على مشروعيته: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: ((من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده, فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة))[15].

كما أنه متيسر لكثير من الناس أن يشارك في هذا النوع من الوقف نظراً لقلة كلفة الكتاب في هذا العصر، وسهولة الحصول عليه ونشره, هذا ويمكن أن يشجع الناس على هذا النوع من الوقف ببرامج توعوية تثقيفية في المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وعبر المطويات والنشرات التعريفية بأهمية وقف الكتب لطلاب العلم والباحثين من خلال وسائل وطرق متنوعة؛ منها:

- أن يشتري الواقف مجموعة من الكتب النافعة،ويقوم بوقفها ووضعها في المكتبات العامة ومكتبات الجامعات.. وغيرها.

- أن تعد قائمة بالكتب المهمة التي يحتاج إليها الباحثون وطلاب العلم مقرونة بأسعارها, ومن ثم يتم شراؤها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

- أن يشترك من يرغب في الوقف اشتراكا شهريا أو سنويا لوقف الكتب الجديدة.

- أن يقوم مؤلف الكتاب بوقف نسخ معينة من كتبه للمكتبات العامة.

- أن يقوم المؤلف بوقف حقوق طبع الكتاب ونشره لمن أراد نشره مجانا, فيكون بذلك قد وقف ما يملكه من حقوق معنوية للكتاب.

2. وقف البرامج الحاسوبية:

تحوي البرامج الحاسوبية عدداً كبيراً من الكتب المتخصصة، ويتوفر في هذه البرامج غالباً محرك بحث، يمكن الباحث من الوصول للمعلومة التي يبحث عنها بدقة، وفي كل المواضع، وقد تم إصدار عدد من البرامج المتخصصة في الفقه من الكتب التراثية، أو الكتب والمجلات المعاصرة المتخصصة في الفقه، أو الفتاوى المعاصرة.

ويمكن لمن يرغب في الوقف بهذا النوع من البرامج شراء نسخ من البرنامج العلمي، ومن ثم توفيره للمكتبات العامة ومراكز الأبحاث، أو إهداؤه للباحثين وطلاب العلم.

3. وقف المكتبات:

وذلك بأن يقوم الواقف ببناء مكتبة وتزويدها بالكتب التي يحتاج إليها الباحثون في العلوم النافعة في شتى التخصصات, أو في التخصص الذي يحدده الواقف، كما يتم تزويدها بالوسائل التي تخدم الباحثين؛ مثل: أجهزة الحاسب، وبرامجه، وشبكة المعلومات الإنترنت، وقواعد المعلومات، ومحركات البحث[16]، وبذلك يشارك الأفراد والقطاع الخاص في وقف المكتبات كما كان ذلك معهوداً على مر التأريخ.

والمكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية هي جزء من الصورة التي سادت المجتمعات في التاريخ الإسلامي وفي هذا العصر، خاصة في مكة المكرمة والمدينة النبوية التي اندثر كثير منها[17].

وأقترح في هذا الصدد ما يأتي:

- توعية الأفراد والقطاع الخاص بأهمية المشاركة في إنشاء المكتبات الوقفية.

- متابعة الإصدارات الجديدة، وتطوير الآليات المناسبة لتزويد المكتبات الوقفية بها.

- التواصل مع المكتبات العامة المحلية والعالمية، والاشتراك في الشبكات وقواعد المعلومات التي تخدم الباحثين.

- متابعة البرامج الحاسوبية الجديدة.

- متابعة الموسوعات الورقية والإلكترونية.

- الاشتراك في الدوريات والمجلات ومراكز الأبحاث.

- تهيئة المكان المناسب للقراءة، وأوقات الاستراحة.

كما أدعو إلى نشر ثقافة وقف المكتبات العلمية داخل الأحياء السكنية، والاهتمام بتوفير كافة الإمكانات اللازمة لجذب الباحثين وعامة الناس للإفادة منها، والتعود على الاطلاع والقراءة، على غرار مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، بإشراف من الجهات المختصة بالمكتبات العامة.

وتوفير مثل هذه المكتبات في الأحياء له فوائد كبيرة للباحثين من أهمها توفير الوقت في الانتقال إلى المكتبات العامة خاصة في المدن الكبيرة مثل مدينة الرياض[18].

4. وقف الأجهزة:

يمكن للواقف أن يقف أجهزة الحاسب، أو التجهيزات التي تحتاجها المكتبات، أو المعامل المتخصصة، أو الأدوات والأجهزة التي يحتاج إليها الباحثون، مما يمكن الانتفاع به بعينة لخدمة الباحثين، وتطوير البحث العلمي.

المبحث السادس: الوقف الاستثماري لدعم البحث العلمي

تبرز في العصر الحاضر أهمية توفير الموارد المالية بصيغة الوقف الاستثماري الذي يصرف ريعه لدعم البحث العلمي؛ نظراً لتطور البحث العلمي، وتطور الإدارات الإشرافية، ومراكز البحوث، وسعة مجالات البحث العلمي لمواكبة متغيرات العصر وفق الأسس العلمية.

وسأعرض فيما يأتي أبرز المجالات والكيانات البحثية التي يمكن صرف ريع الأوقاف فيها:

1- مراكز البحوث:

تعتبر الموارد المالية من العناصر الأساسية لإنجاز البحث العلمي في الواقع المعاصر الذي يتطلب مجموعة من المصروفات اللازمة لإنجاز البحث العلمي على الوجه الأمثل في مراكز البحوث المتخصصة.

ومن هذه المصروفات على سبيل المثال:

المصروفات على الجهاز الإداري: وهذا الجهاز له أهمية بالغة في وضع خطة الجامعة أو مركز البحوث، واستكتاب الباحثين، أو تلقي طلباتهم ومشاريعهم البحثية، والتواصل معهم، والإشراف العلمي، وتقديم الخدمات للباحثين.. إلى غير ذلك.

وطبيعة هذه المصروفات أنها مصروفات دائمة، وليست مؤقتة، والملائم لتلبية هذه المصروفات الدعم