مجلة مداد سارع بالإشتراك
البحث الحر
البحث باسم المؤلف / الباحث
البحث الموضوعي
حق اللجوء بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي للاجئين – دراسة مقارنة (كتاب )
القطاع الثالث والفرص السانحة - رؤية مستقبلية (كتاب )
"التمكين الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة "دراسة ميدانية" (كتاب )
المساعدات الانسانية المقدمة من جمعية الهلال الأحمر الكويتي 1998- 2008 (كتاب )
"نور القرآن 36" تحتفي بحفاظ القرآن على مستوى العالم (مجلة )
جديد اصدارات مداد
القطاع الثالث والفرص السانحة - رؤية مستقبلية(كتاب)
  هذا الكتاب باللغة العربية 
عدد الزيارات: 565
اسم الكاتب / المؤلف : محمد عبدالله السلومي
الناشر/ دار النشر : مركز القطاع الثالث للاستشارات الاجتماعية
الرقم الدولي : 9786030032358
التاريخ: 29/03/2010 -- 14 ربيع الثانى 1431
عدد الصفحات: 320

 

القطاع الثالث بمؤسساته المتنوعة ركن من أركان الدولة الحديثة يُقوِّي الفكرة الرئيسة التي تقوم عليها تلك الدولة سواء كانت فكرة دينية أم مدنية, والقطاع بهذا الواقع الإداري يزرع مشاعر الولاء الوطني, ويزيد من الانتماء الحقيقي للوطن, كما يحافظ على وحدته التي قام عليها, وبالتالي تتعزز السيادة الوطنية بكل صورها الداخلية والخارجية, وهذا ما توصل إليه الباحث في ثنايا بحثه عن أهمية القطاع الثالث المرتبط بدستور الدولة وفكرتها الرئيسة, وهذه الدراسة تنطلق من حقيقة أن القطاع الثالث - المنظمات غير الحكومية، وغير الربحية، ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني-  يعد شريكا أساسياً في جميع عمليات التنمية ومكملاً نقص خدمات القطاع العام (الأول), والقطاع الخاص (الثاني) للدول الحديثة.

كما يطلق الباحث من خلال دراسته رسالة إلى أصحاب رؤوس الأموال والشركات المانحة والبنوك ليقوموا بما يجب عليهم  في إعادة نهضة الأمة وبناء حضارتها الشعبية حيث تشير التقارير إلى وجود: (8.7 مليون مليونير في العالم ثرواتهم 33.3 تريليون دولار، منهم 80100 سعودي، و 59000 إماراتي، ويقدر عددهم في الشرق الأوسط بـ 300 ألف مليونير), مما يؤكد الفرص الضخمة, ولغة الأرقام التي أكثرَ من ذكرها المؤلف تؤكد الفرص والتحديات التي توجب أهمية ميلاد هذا القطاع, ومنها: (946) من أصحاب المليارات في العالم يملكون (1.8) تريليون دولار, بينما بلغت ديون العالم الثالث (1.2) تريليون دولار, وفي العالم الإسلامي يعيش 37% من السكان تحت مستوى خط الفقر, وتبلغ نسبتهم إلى فقراء العالم 39%, و8 ملايين طفل عربي في سن الدراسة لم يجدوا مقعداً دراسياً عام 2009م, ويتوقع بعض الخبراء وجود 70 مليون عاطل في العالم العربي خلال العقد القادم. وفي المقابل بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في عام 2006م نحو( 1.276)مليار دولار أمريكي, والتكتل الخليجي الذي يحتل المرتبة (16) بين اقتصاديات العالم سوف يصبح سادس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030م.

ويشير المؤلف إلى إزدياد المخاطر على الاقتصاديات المحلية والطبقة الوسطى تحديداً حينما تستورد دول العالم العربي الليبرالية الاقتصادية (الأسواق الحرة) ولا تستورد أو تعمل بالمنظومة الإدراية المرتبطة بتلك الرأسمالية, حيث القطاع الثالث في الغرب كقطاع خدمي خيري أو غير ربحي يوطن الموارد الاقتصادية المحلية, ويحولها في قطاع الخدمات, فالغرب الرأسمالي يعمل بالقطاع الثالث كمضاد حيوي لتلك الرأسمالية الاقتصادية المتوحشة التي تجاوز تقديسها الاقتصاد إلى شراء واستثمار قطاع الخدمات العامة من القطاع العام (الحكومة) مما أضعف الدور السيادي للحكومات والولاء الشعبي لها, كما يشير الباحث إلى أن الدول الإسلامية قادرة بما حباها الله تعالى من تشريعات كالوقف والزكاة والبر والإحسان.. مع فرص أخرى كثيرة جديرة بأن تكون هي الأمة الأجدر والأقوى في شراكة الإدارة العالمية لقضايا العالم التنموية والثقافية والإنسانية.

ويطرح الباحث نظرة مستقبلية لحال مؤسسات القطاع الثالث عالميا، وفي الدول الإسلامية على وجه الخصوص خاصة في ظل التحديات والعوائق التي تواجه الأمة العربية والإسلامية، داعماً كل ما سبق بالأدلة والإحصائيات القائمة على البحوث والدراسات، مجتهدا في كثير من الأحيان، ضاربا أمثلة لنجاح هذا القطاع من الواقع المعاصر، وخاصة التجربة الأمريكية الناجحة في هذا المجال, فالكتاب خارطة طريق لمشروع حضاري افتقدته دول العالم العربي منذ أكثر من قرنين من الزمان, ولأهمية هذا المشروع حظي الكتاب بتقديم البروفيسور أكمل الدين احسان أوغلي أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي, وتقريضات متعددة من بعض رموز العمل الإداري والخيري ومنها تقريض معالي الشيخ صالح الحصين رئيس شؤون الحرم المكي والمدني, ورئيس مركز الحوار الوطني, وهو رئيس مجلس إدارة مركز مداد (المركز الدولي للأبحاث والدراسات) وإفراد تقريض رئيس مجلس إدارة المركز خير مسهم في توضيح أهمية مشروع الكتاب حيث قال:

أشكركم شكراً جزيلاً على إتحافي بنسخة من كتاب (القطاع الثالث والفرص السانحة) والذي يكمل مع أخويه السابقين عقداً من ثلاث حبات لؤلؤية تغطي الحديث عن البذل التطوعي في الماضي والحاضر والمستقبل, وإن اطلاعا عابراً على فهرس موضوعات الكتاب ليكفي للحكم على ما بذل فيه من جهد, وما أنفق في تحريره من وقت , وما احتوى من معلومات مفيدة بعضها خليق بأن يثير الشجى ويبعث الأسى لدى المواطن المخلص.

فحين يدرك القارئ واقع البذل التطوعي في البلاد المتقدمة بأحد المؤشرات مثل أن كل مائتين من سكان الولايات المتحدة, أو كل مائة وخمسين من سكان ألمانيا يحظون (بمؤسسة للبذل التطوعي) تتفهم حكمة النظرية الغربية التي تعتمد الاهتمام بالعمل الإنساني معياراً للتقدم, وذلك بعد اكتشاف أن معيار التقدم الذي ظل ردحاً من الزمن يُحتَكم إليه وهو "دخل الفرد" معيار غير كاف, ولكن في الوقت نفسه يشعر المواطن السعودي بالخجل بل بالحزن والألم, عندما يريد أن يطبق هذا المعيار ليدله على موقع بلاده في سلم التقدم بل يعتصر الحزن قلبه وهو يلتفت إلى الماضي ليتذكر أن الحضارة الإسلامية كلها قامت على "البذل التطوعي"  فاكتسبت بذلك خصائصها التي تميزها عن الحضارات الأخرى, وأبرزها: أنها حضارة شعبية من صنع أفراد الشعب وليست كالحضارات الأخرى من صنع الأباطرة والحكام أو القوى السياسية والعسكرية. وأنها حضارة إنسانية لأن الدافع للبذل التطوعي محض إرادة الخير والنفع للمجتمع, وأنها حضارة متجددة ومستمرة, استطاعت طوال قرون أن تصمد أمام أحداث من التقلبات السياسية والحروب (التتار والصليبين مثلاُ ) والمجاعات والأوبئة. مثل هذه الأحداث لم تصمد لها الحضارات التي عرفتها البشرية وبادت بسببها.

المأمول أن يكون مثل هذا الكتاب جرس تنبيه عن الغفلة السائدة لدى الأمة, وإن كان لا يكفى للتنبيه عنها جرس واحد ولكن أجراس, أرجوا الله أن يجعله لكم عملاً جارياً , مدخراً أجره في الباقيات الصالحات, ولأخي الدكتور محمد تحية وسلام.

وتقع الدراسة في سبعة فصول مع تقريضات وتمهيد ومقدمة ثم خاتمة شاملة للتوصيات:

 Û الفصل الأول بعنوان ( القطاع الثالث الحقيقة والمكونات): ينطلق المؤلف من حقيقة أن القطاع الثالث جزء من واقع الإدارة الحديثة للدولة القائمة على القطاعات الثلاثة: الحكومي, الربحي (التجاري), الخيري وغير الربحي، حيث يعتبر هذا القطاع مسددا ومكملا وموجها للقطاعين الحكومي والتجاري؛ فهو قوة إدارية مساندة للقطاع الحكومي، يعمل على سد ثغراته، ويعالج تقصيره، ويقوي نفوذه، ويكسبه قوة اقتصادية وسياسية، ويستفيد من نتاج دراساته العلمية في تخفيف الضغوط الخارجية والتدخلات الأجنبية، والقطاع الثالث مسهم فعال في دعم السلطات الثلاث في الدولة، وتخفيف الأعباء عنها. كما أنه يكبح جماح وجشع القطاع التجاري، ويهذب سلوكه، وهو يستوعب جميع أنواع الأعمال والبرامج التطوعية، وينظمها ويوجهها الوجهة السديدة. ويرى الباحث أن للقطاع الثالث أهمية اقتصادية خاصة في مجال توطين الموارد المالية في قطاع الخدمات؛ فهو مشارك فعال في النشاط الاقتصادي، ومن أكثر القطاعات نموا في مجال التوظيف ومعالجة البطالة في الدول المتقدمة ـ كما هي نتائج البحث ـ كما أنه من عوامل الاستقرار السياسي, ودعم السياسات الخارجية للدول التي تعمل به.

وأما مكونات هذا القطاع فتتمثل فيما يأتي:

×      المؤسسات غير الربحية: ( مدارس/ جامعات/ مؤسسات/ مستشفيات/ إعلام) تقدم خدماتها دون مقابل, أو بمقابل غير ربحي.  

v         مؤسسات المجتمع المدني: ولها إسهام كبير في تطوير عمليات ومفاهيم التنمية البشرية بشكل خاص.

v         المؤسسات الخيرية والوقفية: ولها أثر كبير في الشراكات مع القطاع الأول والثاني في جميع عمليات التنمية.

v         الجمعيات الخيرية والأهلية: حيث تشهد نمواً كبيراً لدى دول الشمال بشكل خاص.

v     مراكز الحوارات الوطنية:  حيث تعتبر الحوارات الداخلية من أسس نجاح النظم الإدارية والسياسية المعاصرة، فبالحوار تضيق المسافات، وتنحسر الخلافات أو تتلاشى، ويتحقق التقارب في وجهات النظر، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقوية نسيج الوحدة الوطنية، والحوار يترجم بوضوح مبدأ حرية التعبير عن الرأي ويتيح فرص التشاور والتواصل الفكري بين شرائح المجتمع بكافة توجهاته المختلفة. كما أنه جسر للتواصل بين الثقافات والشعوب، مما يمكن من الوصول إلى رؤية إنسانية مشتركة قائمة على الفكرة الرئيسية التي قامت عليها الدولة –أية دولة- دينية أو مدنية.

v     مراكز الحوارات الدينية والحضارية: الحوار الديني الحضاري ـ بأسسه ومبادئه وثوابته وأهدافه ـ ذو أهمية قصوى في تصدير مفاهيم الثقافات للمنصفين في الأمم الأخرى وبين الأمم, وتوضيح وجهات النظر لطلاب الحقيقة، ودفع التهم، وإزالة الغموض، ورد الشبه، وإقامة الحجة، ونزع فتيل الأزمات، من أجل التوصل إلى أفضل السبل للتفاهم والتعاون والتعايش بين الشعوب. والقطاع الثالث المستقل في العالمين ( الغربي والإسلامي ) هو المرشح القوي لخوض هذه الحوارات خدمة للدول والحكومات.

v     المنظمات الدولية عابرة الحدود: ولها أهمية قصوى في تقوية السيادة الوطنية لدولها, ودعم سياساتها الخارجية من خلال معوناتها وبرامج أذرعتها الخارجية الإغاثية والثقافية والتعليمية.

v         مراكز الأبحاث والدراسات: المستقلة عن الحكومات والتابعة للقطاع الثالث. وهذه المراكز لها جهود عظيمة في مسيرة الإصلاح في جميع قطاعات الدولة. مثل: ( مؤسسة راند البحثية الأمريكية)، النشطة في التوجيه العلمي السديد للحكومة الأمريكية، بالنقد البناء ودراسات الإصلاح؛ ولذا تنفق الدول الغربية مليارات الدولارات على مراكز الأبحاث. ( تنفق الولايات المتحدة ما يقرب من 180 مليار دولار على البحث العلمي سنوياً).

ويؤكد الباحث أن هناك معايير ومواصفات للدول التي تأخذ بسياسة القطاعات الثلاثة للدولة, وتعمل بمتطلبات القطاع الثالث ومن أبرز تلك المعايير والمواصفات: 

1-    أن يكون قطاعاً من حيث القوة والشمول والعدد بمرجعية مستقلة (مفوضية, أوهيئة عليا أهلية).

2-    أن يكون قطاعاً ثالثاً كموقع إداري شريك في جميع عمليات التنمية للقطاعين العام والخاص (مستشفيات, جامعات..).

3-    أن يكون مستقلاً عن القطاع الحكومي والأحزاب السياسية (مرتبط بدستور الدولة وأساسها الديني أو المدني الذي قامت عليه الدولة –أية دولة-).

4-    أن يتمتع بجميع حقوقه المادية (أوقاف – زكاة- فعاليات التبرعات - ضرائب) باختلاف بين الدول.

5-    خدماته مجانية أو غير ربحية حسب نوع النشاط وقيمته.

الفصل الثاني بعنوان (القطاع الثالث والأهمية الاستراتيجية للعالم العربي والإسلامي):

يرى المؤلف أن للقطاع الثالث أهمية استراتيجية تعزز مكانته وتبين أهميته, وتكشف هذه الدراسة خطورة غياب هذا القطاع الوطني، وتلك الأهمية تبرز في النقاط التالية:

×      التصدي للحروب وآثارها:

حيث يوضح الباحث أن القرن الحادي والعشرين ساد فيه نظام الفوضى الخَلاَّقة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خاصة, حيث زادت الحروب والنزاعات على اختلاف أسبابها، خاصة مع الشعوب والدول الإسلامية، وزاد الطين بلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م؛ حيث أصبحت صناعة الحروب سمة العصر تحت دعاوى الحرب على الإرهاب وغيرها، وكل ذلك أدى إلى نتاجات مؤلمة، كان من أبرزها تضاعف أعداد اللاجئين؛ مما خلق أخطارا وتحديات جديدة وكبيرة، أضف إلى ذلك تنامي الرفض للوجود الإسلامي لدى معظم حكومات الدول الغربية، وما تبعه من تقييد للحقوق والحريات، بل لقد وُضعت الجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية من قبل خصومها هدفا من أهداف مشروع الحرب على الإرهاب؛ مما يُوجب على العالم الإسلامي-الذي يمتلك عناصر قوة ومنها ثرواته الفكرية والثقافية والاقتصادية ونموه السكاني والتنوع الجغرافي لدوله، - تحويل دفة الصراع إلى حوار بنَّاء، بدعوة الطرف الآخر ( الغربي) إلى تعديل خطابه الديني والسياسي، وتغيير نظرته تجاه العالم الإسلامي، وهذا يتطلب وضع الاستراتيجيات من خلال الدراسات والبحوث المستقلة لتحقيق ذلك على أسس متينة، ومؤسسات القطاع الثالث المتنوعة في أغراضها بأهدافها السلمية وبحضورها العالمي والمحلي بحكم إستقلاليتها هي المرشح القوي للقيام بهذا الدور، وبأقل تكلفة معنوية ومادية لتكون سنداً لحكوماتها ودولها دون إدخال الحكومات في حلبة التعصب والصراعات. 

×      استثمار العولمة:

يرى المؤلف أن العولمة بما تحمله من نظم تجارة حرة، وانفتاح اقتصادي واجتماعي ووسائل تقنية متنوعة، تحمل في طياتها إيجابيات ضخمة, كما تحمل جوانب سلبية تُمرر عبر أجندات مبرمجة ومعدٍ لها خاصة الأدوار العالمية للمنظمات الدولية من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت مزاعم التمويل الأجنبي بالمساعدات والمنح، أو نشر ثقافة الحرية الفكرية الغربية، مما يترتب عليه التمرد على القيم الأخلاقية، وما يتبعه من ضياع للأسرة أو تفكيك لها، وغير ذلك مما أصبح الآن واقعاً ملموساً؛ وبالتالي كان لزاما –كما يري المؤلف-أن تعمل الأمة باستثمار إيجابيات العولمة من خلال دعم مؤسسات القطاع الثالث الوطنية؛ لتضطلع الشعوب بالمسؤولية، وتستثمر تقنيات العولمة في دفع الفقر والظلم، واقتناص الفرص الإيجابية، قبل أن تسبقها المؤسسات أو المنظمات عابرة الحدود، تنشر الثقافة المستوردة وتدعمها وتتدخل في شؤون الدول الداخلية، ولا يخفى ما ستجره تلك الثقافة والتدخلات من ويلات وفساد في شتى الميادين، والوقاية خير من العلاج.

 

×      استيعاب اليقظة والصحوة(الدينية والسياسية والاجتماعية):

يرى الباحث أن الأمة الإسلامية اليوم تتمتع ببوادر صحوة إسلامية داخلية وخارجية، وهذا الأمر أقلق المجتمعات الغربية؛ فباتت تشكك في هذه الصحوة، وتحذر منها؛ حتى ظهرت مصطلحات مثل: ( الإسلام فوبيا). كما كتب كثير من الكتَّاب الغربيين مؤلفات تحذر من هذه الصحوة، منها: ( بينما نامت أوروبا ـ لـ دبلاي) وكتاب (فرصة للغرب لـ ريجنري)، وغيرها. كما أن ارتفاع منسوب المعرفة لدى الشعوب العربية والإسلامية جعلها تدرك حقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية؛ مما حدا ببعض النخب ـ في سبيل المطالبة بهذه الحقوق ـ إلى التمرد على تعاليم الإسلام، والخروج عن ثوابت الأمة. وتطرف آخرون فاستخدموا العنف في التغيير، فكان الطرفان عوامل مساعدة للغرب للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية من خلال المشروع العالمي الجديد ( الحرب على الإرهاب). وهذا يتطلب إيجاد الحلول التي ترشِّد تلك اليقظة الدينية والصحوة السياسية وتحتضنها وتستوعبها، وهنا يظهر جهد القطاع الثالث المستقل في العمل على غرس منهج الوسطية والحوار للتوظيف الإيجابي للدوافع الدينية، ونبذ العنف السياسي من قبل التيارات السياسية على حد سوا.

 

×      معالجة التعصب الديني والتعامل مع استراتيجية الآخر:

يطرح الباحث بعض إفرازات العولمة وماعمله العالم الغربي على توجيه سهامه نحو الإسلام، بالطعن تارة، وتشويه تعاليمه ورموزه تارة أخرى، بل وصل الأمر إلى الإساءة إلى خير البشر ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وكان هذا التعصب الديني نابعاً من قبل النخب الدينية ( فرانكلين/ جيري فالويل... (نماذج) أو السياسية ( دبليو بوش،.. )، متحججين بنشر ثقافة الحرية والديمقراطية، وأن تعاليم الإسلام تشكل خطرا على مباديء الديمقراطية، وديمقراطية السوق,  فكان لا بد من  دعم العمل الجاد باستراتيجيات مستقلة عن مؤسسات القطاع الحكومي  في دراسة هذه الظواهر، بل وإنشاء المراكز المتخصصة بدراسة الغرب، ومد الجسور مع أنصار الحقيقة والعدل منهم. مما يؤكد ضرورة تنمية برامج وأعمال مؤسسات القطاع الثالث الإسلامي المرشحة لمواجهة هذا العدوان بكل أنواع المقاومة العلمية والإعلامية والدعوية؛ لأن هذا الانفجار الضخم من التحديات المتنوعة والشاملة دينياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، يضع على عاتق جميع الحكومات العربية والإسلامية مسؤولية دعم مؤسسات القطاع الثالث معنوياً وإدارياً ومادياً؛ للعمل على إنشاء مراكز حوارات ومعلومات وترجمة من كل اللغات وإليها، وأخرى للدراسات والبحوث، وإنشاء قنوات وإذاعات ومواقع إعلامية عامة ومتخصصة، وبكل اللغات كذلك، بل ولجميع المستويات والطبقات؛ لمواجهة سوء الفهم, أو الجهل عند بعض الأطراف, ومعالجة التعصب وحب الصراع عند أطراف أخرى ويرى الباحث أن الأهمية الاستراتيجية لوجوب وضرورة ميلاد هذا القطاع تتأكد حيث وجوب مساندة مؤسسات القطاع الحكومي في معالجة ظواهر سلبية كثيرة منها البطالة والفقر والجهل والمرض التي تزداد في كثير من دول العالم العربي والإسلامي.

الفصل الثالث بعنوان ( مباديء ومخاطر):

×      القطاع الثالث والمباديء الدينية:

يرى المؤلف أن مؤسسات القطاع الثالث ترتبط بسياسات دولها، وتلتزم بدستورها، ويضرب على ذلك مثالا بالولايات المتحدة الأمريكية؛ نظرا لنجاح التجربة الأمريكية في هذا المجال. وقد كان العامل الديني كما قال أحدهم :– " إن المال لله، والأفراد مؤتمنون عليه، وعليهم توجيهه لمصلحة الآخرين" - دافعا رئيسا في تشكيل هذا القطاع في الولايات المتحدة الأمريكية ونجاحه كما أكد ذلك كثير من الباحثين المتخصصين في هذا القطاع من الغربيين.

×      القطاع الثالث والفكرة الرئيسة:

يؤكد الباحث أن قوة الدول تكمن في حفاظها على الفكرة الرئيسة التي قامت عليها سواء كانت مدنية عند بعض الدول, أم دينية عند أخرى، لكن الهوية الدينية –أياً كان هذا الدين- هي الدافع الرئيس عند كثير من دول العالم، ولذلك فإن تسخير مؤسسات القطاع الثالث وجمعياته المحلية والعالمية للمصلحة الوطنية يتحقق بتقوية الفكرة الرئيسة للدولة، وخدمة دستورها. فمثلا القطاع الثالث في الولايات المتحدة الأمريكية ضم أكثر من 1.6 مليون منظمة، وتبرعات سنوية فاقت (316) مليار دولار، ويعمل به (11) مليون موظف، و (90) مليون متطوع والعطاء للدين كان بنسبة 34% من إجمالي العطاء - حسب إحصاء عام 2008م-, وبهذا يتأكد أن نجاح القطاع الثالث عالمياً مرتبط بقوة ارتباطه بالفكرة الرئيسة التي قام عليها الوطن. والعامل والدافع الديني من عوامل نجاح هذا القطاع عالمياً؛ مما انعكس إيجابياً على قوة الدول التي تعمل به, وإن كان الدافع الديني ليس هو الوحيد في نجاحه العالمي.

×      القطاع الثالث والقوة السيادية:

يوضح المؤلف أن السيادة مطلب للدول، ومن قوة تلك السيادة المحافظة على الفكرة الرئيسة التي قامت عليها الأوطان، وخاصة إذا استندت الفكرة الرئيسة على معتقد ديني ـ كما سبق ـ ، وهنا فإن دعم بقاء وقوة الفكرة الرئيسة للدولة – أية دولة – لا يمكن أن يكون بمؤسسات القطاع الحكومي وحدها، بل إن الجانب التنفيذي لذلك كله هو لمؤسسات القطاع الثالث التي تعمل تحت دستور الدولة ولصالحه. ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى لمؤسسات القطاع الثالث لتشكل بكل أنواعها وبرامجها الداخلية والخارجية قوة سيادية وسياسية لدولها، لا سيما حينما تقوم جميع تلك المؤسسات بتعاون وتكامل لدعم الفكرة الرئيسة مع مؤسسات القطاع العام الحكومي والقطاع الخاص الربحي.

×      القطاع الثالث والذراع الدولي:

يشكل القطاع الثالث، بذراعيه الداخلي والخارجي، قوة إدارية وسياسية لأية دولة؛ فهو –كما يقول المؤلف- شريك أساسي في تقوية العلاقات الخارجية للدول من خلال المراكز الثقافية والدينية الخارجية، كما أن الذراع الخارجي ( جمعيات القطاع الثالث العاملة بلا حدود ) تعتبر أداة من أهم أدوات القوة الخارجية لدولها, و تنعكس إيجابياً على القوة الداخلية لها، كما تستطيع الدول من خلالها تسويق إيديولوجياتها. وبقدر ما ترتبط مؤسسات ومنظمات القطاع الثالث بالإيديلوجية الرئيسة لدولها وتكون جزءاً من استراتيجيتها - كما هو حال دول الشمال- تكون القوة الداخلية والخارجية، وبقدر ما تضعف تلك الرابطة أو تغيب تصبح مؤسسات القطاع الثالث معول هدم لإضعاف الحكومة والدولة، ومدخلاً خارجياً أوداخلياً لإضعاف الفكر والثقافة واللغة وأنماط الحياة الاجتماعية، ليكون الإجهاز على الوحدة الوطنية هو الخطوة التالية. ويعتبر كل ما سبق مؤكداً لفلسفة التقوِّي الوطني بمؤسسات القطاع الثالث بأذرعتها الخارجية, ويدعم المؤلف نتائجه هذه بواقع مؤسسات القطاع الثالث الغربي وما حققته من إنجازات داخلية وخارجية.

×      المجتمع المدني وخطر الاختراق:

يؤكد الباحث من خلال الحقائق استغلال بعض مؤسسات القطاع الثالث الأجنبية اختراق سيادة الدول الوطنية من خلال مؤسسات المجتمع المدني المحلية، إما بالتجسس عليها، أومساندة قوى المعارضة فيها ودعمها (منظمة فيالق السلام الأمريكية في روسيا أنموذجاً)، أو من خلال  تكوين نُخَب علمية أو ثقافية أو إعلامية عميلة تسيطرعلى مؤسسات المجتمع المدني المحلي والمؤسسات الأهلية أو الخيرية ، أو تبني القائم منها ، أو من خلال توجيه مؤسسات القطاع الثالث المحلية تحت عناوين متنوعة، كالمعونات المادية الأجنبية، ومعونات التدريب أو التعاون، ودعم الديمقراطية، وحقوق الإنسان أو حقوق المرأة, وينبه الباحث إلى مخاطر الاختراق وأنها تزداد حينما لا ترتبط مؤسسات القطاع الثالث بدساتير دولها وتشريعاتها وقيمها التي قامت عليها. ولهذا فإن مؤسسات القطاع الثالث بقدر ما هي وسيلة لتحقيق الأمن الفكري والاجتماعي والسياسي لدولها، فهي بوابة خطرة على أمن المجتمعات والدول، لا سيما حينما لا يقوم النظام الأساسي لجميع مؤسسات القطاع الثالث المحلية على حماية وتقوية دستور الدولة, أو حينما لا توجد مؤسسات وجمعيات محلية وطنية قوية تكون على مستوى المرحلة.

الفصل الرابع بعنوان (العطاء الأمريكي والتنمية):

ويبحث المؤلف في هذا الفصل أنموذجا  لنجاح هذا القطاع التجربة الأمريكية موضحاً ذلك بأكثر من عشرة جداول بيانية, ومنها ما يلي:

×      عطاء الأفراد والشركات والمؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية:

تأتي موارد الجمعيات الخيرية الأمريكية من تبرعات الأفراد (التي تصل إلى مليارات الدولارات)، والمؤسسات المانحة (الوقفية)، والتي تقوم بدعم المنظمات والجمعيات، وتبني برامجها وأنشطتها، حتى أصبحت مؤسسات هذا القطاع جزءاً لا يتجزأ من عمليات التنمية الشاملة في أمريكا. ومن هذه المؤسسات الوقفية المانحة والمتعددة الاهتمامات والأغراض: (مؤسسة بيل غيتس وميلندا الوقفية المانحة، برأس مال حوالي (30 مليار دولار) بداية عام 2007م ). ومن الأمثلة على عطاء الأفراد (أن وارن بافت عمل على تخصيص 85%  من ثروته البالغة أكثر من 40 مليار دولار بانضمامه في شراكة خيرية لمؤسسة بيل غيتس بحوالي (31) مليار دولار، ومنها تخصيص حوالي 6 مليار دولار لثلاث مؤسسات خيرية لأولاده وزوجته). ويمكن معرفة حجم العطاء الأمريكي والقطاع الثالث من خلال هذا الجدول، الذي يبين التبرعات الأمريكية لسنة 2007م حسب الجهات المانحة:

الجهة

المبلغ

النسبة من إجمالي العطاء

الأفراد

229.03 مليار

78.8%

المؤسسات الوقفية

38.52 مليار

12.6%

وصايا وميراث

23.15 مليار

7.6%

الشركات

15.69 مليار

5.1%

المجموع

306.39 مليارا

100%

 

ويمكن معرفة مدى مساهمته في التنمية من خلال هذا الجدول، الذي يبين التبرعات الأمريكية لسنة 2007م حسب القطاعات المستفيدة:

المجال

المبلغ

النسبة من إجمالي العطاء

الدين

102.32مليار

34%

التعليم

43.32 مليار

14%

المجالات الإنسانية

29.64 مليار

10%

الأوقاف

27.73 مليار

9 %

الصحة

23.15 مليار

8 %

خدمات المجتمع العامة

22.65 مليار

7 %

مؤسسات الفنون والثقافة والخدمات الإنسانية

13.67 مليار

4 %

المساعدات الدولية

13.22 مليار

4 %

البيئة

6.96 مليار

2 %

أخرى

23.73 مليار

8 %

 

الفصل الخامس بعنوان (رؤية / الآفاق المستقبلية للقطاع الثالث عالمياً ):

ينطلق المؤلف من نظرتين متضادتين مستقبليتين لمستقبل القطاع الثالث (إحداهما تفاؤلية والأخرى حذرة تشاؤمية):

×      الرؤية التشاؤمية الحذرة:

نطلق هذه الرؤية لمستقبل القطاع الثالث ـ التي عرضها المؤلف ـ  من فكرة أن قطاع المنظمات غير الحكومية وغير الربحية قد وصل من حيث القوة والتأثير إلى مرحلة أصبحت تعتبره بعض الحكومات والقطاع الربحي خصما لا منافسا. إضافة إلى أن القطاع الخيري الإسلامي ـ على وجه الخصوص ـ يواجه هجمة شرسة خلفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م، حيث وُصف بدعم الإرهاب فكريا وماديا، مما نجم عنه وجود نظم وإجراءات أضعفت موارده المالية، وفاعليته العالمية، أضف إلى ذلك ما تسعى له بعض دول الغرب من دعم الجماعات والأحزاب العلمانية داخل الدول الإسلامية، الداعية إلى الحداثة ، والتخلي عن كثير من الثوابت التي تدعم العمل الخيري، وما يصحب ذلك من إنشاء مؤسسات علمانية ، وهذا كله يفرض تحديات كبيرة على نهضة القطاع الثالث في العالم العربي والإسلامي، وربما يشكل ما سبق تحديات خارجية وعوائق داخلية تدعم الرؤية السلبية لمستقبل هذا القطاع.

إلا أن المؤلف بعد عرض الرؤيتين يعود ليغلب النظرة التفاؤلية ولم يستطع الجزم بذلك, لكنه يؤكد أن هذا القطاع وخاصة الإسلامي ـ المتعدد الجهود والمجالات ـ مرتبط بالإسلام، الذي عرف عنه تجاوز المحن والتحديات, بل وتحويل المحن إلى منح حسب السنن الربانية عبر التاريخ، ولأن سنن الله في كونه أن يُظهر دينه على الدين كله، كما أن المسلمين يجري في عروقهم حب البذل والعطاء والحنين إلى تاريخهم الإسلامي حيث كانت الحضارة الإسلامية نتاج الأوقاف المستقلة, كما أن من قوة العمل الخيري الإسلامي أنه يقوم على الجهود المؤسسية و الفردية, إضافة إلى أن المؤسسات العلمانية المنافسة لن تستطيع تقديم نفس الخدمات التي تقدمها المؤسسات الخيرية الإسلامية, كل هذا أو بعضه يؤكد جانب الانتصار لهذا القطاع والنمو المنتظر رغم كل العوائق والتحديات.

×      الرؤية التفاؤلية:

يرى المؤلف أن هناك مجموعة من القوى المحركة عالمياً ويرى أن القطاع الثالث العالمي واحد من أبرزها في نهايات القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وقد رصد المؤلف من خلال الدراسات والبحوث أن الحكومات الغربية أصبحت تعتمد على هذا القطاع, لا سيما أنها تفقد مصداقيتها بشكل تدريجي، في حين تتنامى مصداقية المصادر غير الحكومية؛ ذلك أن تقديم المصالح السياسية والاقتصادية على الحقوق الإنسانية عالمياً أصبح ظاهرة بارزة لكثير من الحكومات العالمية، ويستدل الباحث بأدلة كثيرة, منها : سقوط النموذج الغربي في تطبيق قوانين الحرية والعدالة, وما عملت به أمريكا بشكل خاص حيث تطبيقات قوانين وإجراءات الإرهاب الجديدة، ومنها قانون التجريم بالمخالطة، وقانون باتريوت، وقوانين التجسس على المواطنين، وبالتالي بدأ فقدان الثقة بالحكومات من قبل المانحين والمواطنين, أو من قبل الشعوب المستفيدة الممنوحة بسبب عدم قدرة معظم الحكومات والدول المستفيدة على تنفيذ برامج المنح ومشاريع التنمية بشكل سليم، وتنامت بالتالي ثقة المانحين بالمؤسسات غير الحكومية.

ونقل المؤلف عن أبحاث الملتقى الدولي حول التنمية البشرية ( 9 مارس 2007م) إخفاق المشروعات التنموية الحكومية في الدول النامية لأسباب كثيرة، وبالتالي لا بد من البحث عن بديل أكثر مرونة وكفاءة، ولا يوجد سوى (المنظمات غير الحكومية) القادرة على تحقيق المشاركة الفعالة، وسرعة التجاوب والحركة، و القادرة على التعامل مع الآثار السلبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي. و مما يؤكد اللجوء لهذه المنظمات وأهميتها ما أفرزته العولمة والنظام الرأسمالي من مشكلات كبيرة، ومن أبرز ذلك تهديد العالم بأزمات كبرى تحمل في طياتها عوامل انهيار الليبرالية الاقتصادية, ومؤشر تقلص الشريحة الوسطى في المجتمعات وانضمامها للشرائح الفقيرة، وما يترتب على ذلك من مشكلات متعددة، ويرى الباحث أن معالجة هذا الواقع تتم بنموٍ موازٍ لمؤسسات القطاع الثالث.

كما يرى الباحث أن الفراغ الروحي لدى المجتمعات الغربية جعلها تعيش حالة من الاكتئاب؛ إضافة إلى مشكلات أخرى من الإدمان والجنوح والقتل والشذوذ الجنسي، وغيرها من المشكلات، ومؤسسات العمل الخيري عالمياً مسهم كبير في معالجة هذه الظواهر؛ بحكم ما توفره من برامج في معالجات الفراغ الروحي، كما أن العمل الخيري يعمل على غرس الرحمة والرأفة والحنان في قلب الإنسان تجاه أخيه الإنسان, وكل ذلك مما يدعم نمو تلك المؤسسات وتنوعها.

ومما يؤكد مستقبل القطاع الثالث نمو ظاهرة الرجوع إلى الأديان عالمياً ـ الإسلامية وغيرها ـ على مستوى العالم، والتي تعتبر محركاً سياسياً قوياً لبعض الدول، ولاشك أن الدين عامل تنمية وتقوية لمؤسسات القطاع الثالث على مستوى العالم. والمؤلف يشير إلى أن بعض القوى السياسية والحكومية تنظر إلى القطاع الثالث نظرة (المصارع الجديد)، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 م، وبالتالي ستسعى هذه القوى إلى تقليص جهود مؤسسات هذا القطاع، والحد من نشاطها وبرامجها، وإضعافها وتهميشها؛ لكن المؤلف يؤكد أن هذه النظرة ستولد رد فعل عند معظم الحكومات الوطنية, إضافة إلى رد فعل منسوبي هذا القطاع ومؤسساته وهذا ما يقود إلى نجاحه.

ويرى  الباحث في هذه الرؤية - أنه لكي تتوازن المدخلات والمخرجات عند أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، أنه لا يوجد وعاء استيعابي للمخرجات إلا البذل والعطاء لصالح العمل الخيري، كأوقاف وتبرعات وإعانات، باختلاف في الدوافع الدينية والإنسانية لدى البشرية وهذا ما ينمو عند الأثرياء والشركات بشكل واضح، حيث عمد الأثرياء إلى افتتاح مؤسسات مانحة متخصصة بالأعمال الخيرية والإنسانية كمُخْرج رئيسي للمدخلات الضخمة (مؤسسة بيل غيتس وزوجته ميلندا/ وارن بافت/ مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية ـ أ نموذجا).  كما أن الشركات والبنوك أصبحت تسعى عالميا نحو تحسين السلوك بتحملها بعض المسؤوليات الاجتماعية تجاه مجتمعاتها، (منتدى المسؤولية الاجتماعية للشركات/ الأردن ـ أ نموذجا). كل هذا يكشف سباقاً أو توجهاً من نوع جديد – بغض النظر عن أهدافه – للمشاركة والعطاء والمنح لمؤسسات القطاع الثالث، الأمر الذي سوف ينعكس إيجابياً على نمو تلك المؤسسات. وقد رصد المؤلف هذا النمو الكبير في أعداد المنظمات غير الحكومية بمختلف تخصصاتها؛ ( مليونا منظمة في أوروبا/ 1.6 مليون منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام  2007م.

كما أن التجاوزات الدولية بالحروب الاستباقية أضافت مشكلات أخرى في زيادة أعداد اللاجئيين والمهاجرين, إضافة إلى عدم التزام كثير من الدول بمسؤولياتها تجاه الفقر والبطالة والكوارث, وعدم وفاء بعضها الآخر بالالتزامات الإغاثية للكوارث والحروب، وعجزها عن معالجة الحالات المرضية المتزايدة على المستوى العالمي، وازدياد الفجوات في دخل الفرد بين دول الشمال والجنوب، وضعف مستوى العدالة الدولية، وغيرها من التجاوزات، كل ذلك يعتبر عوامل دافعة للشعوب للبحث عن وسائل لتحقيق العدالة والسلام وحقوق الإنسان والبيئة، والملاحظ أن الشعوب العالمية تجد بغيتها لتحقيق ما سبق من خلال إنشاء المنظمات والمؤسسات المستقلة التي تأخذ على عاتقها بعض جوانب العلاج والتنمية.

كل ما سبق وغيره مما ورد في الكتاب من مؤشرات ومعطيات علمية يؤكد بقوة – حسب النتائج التي توصل إليها المؤلف- أن المستقبل هو لصالح القطاع الثالث ونمو مؤسساته؛ لأنه قوة محايدة، تتلمس مشكلات المجتمعات وتعالجها، وتحوطها الرقابة الذاتية، وتقوم على المنافسة لا المصارعة، والمصداقية لا المصلحية، والتمسك بالمباديء والثوابت، وغيرها من الأسباب المُمَكِّنة لهذا القطاع وقبوله والترحيب به.

الفصل السادس بعنوان ( الرؤية وحقائق مستقبلية):

يطرح المؤلف في هذا الفصل تكملة الرؤية المستقبلية للعمل الخيري الإسلامي المتفائلة وهي مبنية على دراسات وتحليلات، ومن مؤشراتها أن الحضارة الغربية تسير نحو السقوط والأفول في بعض جوانبها؛ حيث يشير الكتاب الغربيون ( هوفمان/ كوتش/ سميث/ بوكانن/ ريغان وغيرهم..) إلى وجود أزمة داخلية عند الغربيين تتلخص في فقدانهم الثقة في الأفكار التي بنيت عليها حضارتهم، وهناك الفراغ الروحي والتفكك الاجتماعي، وانقراض النسل، والفساد الأخلاقي، وارتفاع معدلات الانتحار، وتزايد المدمنين، والشذوذ الجنسي، والتمسك بالقيم المادية البحتة، والتخلي عن القيم الدينية والأخلاقية والروحية.

وحسب نتائج البحث فإن المنظمات الغربية أصبحت تتحرك بدافع المصالح لا المباديء؛ فتحولت أعمال كثير من منظمات الإغاثة  إلى تحقيق أهداف وبرامج تخدم الجانب السياسي والمصالح القومية على حساب الجانب الإنساني( السودان ـ دارفور ـ أنموذجاً)؛ مما أضعف المعايير الأخلاقية لتلك المنظمات التي فقدت مصداقيتها، وهذا أدى إلى تراجعها. وحسب رؤية الباحث فهذا يؤكد أهمية دعم ولادة ونمو مؤسسات القطاع الثالث في دول العالم الإسلامي العاملة في الداخل والخارج؛ لتقدم للعالم– كل العالم– أنموذجاً جديداً قائماً على مباديء وقيم –وليس على مصالح- تفتقر إليها معظم المنظمات الدولية القائمة. كما أن مؤسسات القطاع الثالث الإسلامي المطلوب إيجادها سوف تقدم عملا إسلاميا أخلاقيا جديداً متميزاً, لا سيما أن معظم الدول الغربية تسيطرعليها النظرة العدوانية التي يحملها متعصبو الغرب، المتمثلة بالانحياز العلني ضد القضايا العربية، مع نمو العدوانية وزيادة الإنفاق العسكري ضد بعض دول العالم الإسلامي، والانتهاك المنظم لحقوق الإنسان المسلم وكرامته، وبالرغم من وجود عوامل قوة لدى الغرب تؤهله للحفاظ على تماسكه حيث استقلالية القضاء واحترام القانون، واحترام حقوق المواطنين، وتماسك الاقتصاد، وكثرة منظمات ومؤسسات القطاع الثالث الغربي في ميادين الحقوق والبيئة والإغاثة، وغيرها من عوامل القوة، إلا أن ذلك ـ كما يرى الباحث ـ لا يمنع من التردي الحضاري  نتيجة الانهيار الاجتماعي والأخلاقي، وفساد الأسرة، والتخلي عن القيم حتى لو لم تسقط الكيانات السياسية.

وكما يرى المؤلف فإن الفرصة اليوم سانحة للمسلمين أن يتبوؤا مكانهم اللائق بهم، وأن يُفعِّلوا نشاط مؤسساتهم الثقافية والحقوقية والاجتماعية والخيرية والانتقال بها إدارياً إلى مفهوم القطاع الثالث لتتمكن من العمل بعوامل القوة من تبرع وتطوع وتشريعات وإمكانات بشرية ومالية متاحة, وهي بذلك سوف تقدم الكثير على المستوى المحلي والدولي. خاصة أن الإسلام ـ حسبما يرى الباحثون الغربيون, ومن خلال المؤشرات والدراسات ـ في صعود مستمر، وهو الديانة المؤهلة لتقديم الخيرية والقيم الإنسانية للعالم مستقبلا وهذا – وحده- من أكبر الفرص السانحة, ومما يدعم الرؤية التفاؤلية كذلك.

الفصل السابع بعنوان (خيرية بلا حدود):

يبين المؤلف في هذا الفصل أنه بالرغم من أن العطاء الخيري الغربي ( وخاصة الأمريكي) قد فاق العطاء الإسلامي من حيث الجانب الكمي والرقمي، إلا أن العطاء الإسلامي تفَّوق عليه بالجانب القيمي والأخلاقي والنوعي، فدوافعه دينية لا مصلحية، وقيمه ثابتة لا متذبذبة، وعطاؤه عام غير محدود، شامل غير مقصور؛ وهذا جعله منافسا للعطاء الغربي من حيث الآثار والنتائج ـ كما يشير إلى ذلك كثير من الباحثين الغربيين حسب ما ورد في الكتاب-, كما أن العطاء الخيري قائم أصلاً على العالمية بلا حدود في تشريعاته وتاريخه ودوره التنموي والمعرفي عبر التاريخ الإسلامي, ولذلك فإن المؤلف يرى أنه منافس للعطاء الغربي بإمكاناته المحدودة, فكيف حينما يعطى حقوقه كاملة وتتاح له حرية المنافسة؟.

ما قبل الخاتمة (أوليات استراتيجية):

 يركز المؤلف على مجموعة من الأوليات الاستراتيجية، ومنها:

الإرادة الناجحة: وهنا دعوة للشركات والمؤسسات المانحة ورجال الأعمال والقطاع الخاص أن ينهضوا بإرادة شعبية قوية، لميلاد قطاع إداري قوامه مؤسسات مانحة قوية ومتخصصة تبدأ من الانتصار على النفس، ثم التركيز على بعض المجالات ذات الأهمية في العطاء الإسلامي، وتجاوز صور الدعم التقليدي؛ لتشكل البناء الأساسي لاستراتيجيات القطاع الثالث كصناعة متكاملة تُعنى بدقائق هذا القطاع. ومن الأمور المهمة للعطاء غير التقليدي:

      ‌أ-   إنشاء مراكز البحوث والدراسات المتخصصة لدعم القطاع الخيري بالمعلومات والدراسات الاستراتيجية، وبالتالي يكون التطوير وتكون العالمية لها ومنها.

     ‌ب-  إنشاء الجامعات والمعاهد المتخصصة غير الربحية (N.P.O)، وتبني المؤتمرات الدولية المتخصصة, مع التنسيق والشراكات بين المنظمات الدولية والوطنية.

الخاتمة:

يدعو المؤلف في الخاتمة من خلال (إحدى عشرة رسالة وتوصية) إلى ضرورة قيام مؤسسات وقفية - في حلقة تكاملية مع القطاع الخاص والحكومي- على العلم وجميع صنوف المعرفة والاختراع, ولتقوم تلك المؤسسات بدعم العلماء وطلاب العلوم والمعارف، وكذلك على البحوث والدراسات،  امتثالا للواجب الشرعي، وطلبا للأجر، ودفعا باتجاه نهضة الأمة وصلاحها، والمحافظة على تراثها وثروتها العلمية، ولتقاوم التحديات داخليا وخارجيا، وتحقق صدارتها، ولتتبوأ مكانتها اللائقة بين الأمم لكونها خير أمة أخرجت للناس.

كما يرى ضرورة منح هذا القطاع حقوقه - فعاليات التبرعات, والأوقاف بأصولها ومواردها, والزكاة..- ليُطالب بالواجبات, كما يرى المؤلف ضرورة الوقف على الجانب الإعلامي؛ إذ إنه اليوم أصبح مشاركاً قوياً وكبيراً في صياغة العقل ونمط التفكير وأسلوب الحياة، بل إن الإعلام في هذا العصر قد أصبح تأثيره أقوى من التعليم والأسرة، لا سيما أنه أصبح جزءاً من حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. فلا بد من تقديم الدعم له؛ ليقوم بواجبه في نصرة الحق، ودفع الباطل، وبيان الحقيقة، ونشر الدعوة، وتزويد الناس بما ينفعهم من معلومة، وإبعادهم بالبدائل الشرعية والأخلاقية عما يلهيهم ويضرهم، وغير ذلك مما يتوافق مع مقاصد الشريعة. كما أن له أثرا إيجابيا على  دعم مؤسسات القطاع الثالث؛ فمن خلاله تعرض أنشطتها ومشاريعها وبرامجها، وتعلن عن احتياجاتها وما ينقصها, ويتأكد أثر الإعلام القوي الفعّال حينما يقوم إعلام القطاع الثالث –المستقل عن الحكومات والأحزاب السياسية- بالدفاع عن الدولة والوطن ليكمل دور الإعلام الرسمي الحكومي, ويتبادل الأدوار الإعلامية معه.

ويدعو المؤلف إلى استثمار هذا القطاع في توطين الموارد المالية (النقدية) المملوكة للقطاع العام والخاص من خلال التوسع في تحميل وتحمل القطاع الثالث للخدمات التعليمية والثقافية والإعلامية والترفيهية والصحية وغير ذلك, كما يدعو المؤلف إلى العمل الجاد لتنمية أوقاف مؤسسات القطاع الثالث واستثمار ذلك مع الفرص الاقتصادية المتاحة في ثروات العالم العربي والإسلامي لعلاج الأزمات التمويلية التي تواجهها وتجاوز شعارات التنمية الأجنبية المُضلِّلة, إضافة إلى استثمار موروث تشريعات العطاء, كما أن من التوصيات التي أكد عليها المؤلف أهمية مؤسسات القطاع الثالث في تثبيت الهويات الوطنية وتقويتها, وتأثيرها الإيجابي في المصارحة والإصلاح من خلال ميلاد مؤسسات متخصصة في الحقوق والحسبة والقيم والشفافية تكون سنداً وقوة لحكوماتها الوطنية أمام تدخل المؤسسات الدولية.

كما يعرض المؤلف في الخاتمة أهمية مجالس وهيئات العلماء المسلمين؛ لما لها من تأثير كبير في حفظ هوية الأمة وثوابتها، والذود عن حماها، والعلماء هم سند الأمة، خاصة في عالم عولمة اليوم، الذي تراجعت فيه القيم والثوابت، وسادت الماديات وأنماط الحياة الاستهلاكية، واستهدفت الأمة في دينها وثقافتها وفكرها ووحدتها. وهذه الأهمية تتطلب تقوية الموجود من تلك المجالس والهيئات مع العمل على ميلاد المجالس والهيئات العلمية المتخصصة بشتى احتياجات الأمة، إلى جانب الهيئات والمجالس الرسمية؛ لتكون المناورة مع القوى المناوئة ولتحقيق القوة في التكامل وتبادل الخبرات بين تلك المجالس المحلية والدولية والرسمية وغيرالرسمية في طول العالم العربي والإسلامي وعرضه. ودعا المؤلف إلى ضرورة أن تقوم مجالس وهيئات العلماء الرسمية وغير الرسمية بالتجديد بالاجتهاد والإصلاح في كل مستجدات العصر؛ لتؤهل نفسها لمرحلة جديدة من التاريخ فرضتها أحداث دولية وتحديات عالمية متجددة. وذكر المؤلف مجموعة من هذه المؤسسات –نماذج- تقع على عاتقها مسؤولية ما سبق.

     
أخبر صديق 
أضف مقترحاتك على هذه المادة. اضغط هنا
شاهد مقترحات الآخرين على هذه المادة .عدد التعليقات 0
 
متابعة يومية لأخبار العمل الخيري عربياً وعالمياً
عرض علمي للكتب والمجلات والرسائل الجامعية
دراسات علمية محكمة من إعداد باحثي مداد
مقابلات مع الشخصيات البارزة مع طرح لقضايا العمل الخيري
مقابلات مع الشخصيات البارزة مع طرح لقضايا العمل الخيري
إسهامات علمية في العمل الخيري  - تنشر فقط في موقع مداد
عرض لأهم الجوائز والمسابقات في العمل الخيري
استعراض لأهم ما كتب عن العمل الخيري خارج موقع المركز
سير ذاتية وافية عن رواد العمل الخيري في الخليج
حصر  لمؤسسات العمل الخيري بدول الخليج حسب الدول والمجالات
التعريف بمؤتمرات العمل الخيري القادمة، مع أرشيف بالمؤتمرات السابقة
عرض لمراكز التدريب والدورات التدريبية في العمل الخيري بالخليج
دليل الباحثين
عرض للمؤسسات الأكاديمية والبحثية المعنية بالعمل الخيري
أدخل بريدك لتصلك أخبارنا ...
دعوة الجميعات لاستكمال بياناتهم
عدد الزيارات
3566841
يتصفح الموقع حالياً
123
09/09/2010
Powered by Digital Chains®